عمرو حمزاوي

عمرو حمزاوي يكتب: من ينتهك حقوق وحريات المواطن يهجره أيضا!

نشر فى : السبت 6 يونيو 2015 - 9:15 ص | آخر تحديث : السبت 6 يونيو 2015 - 9:15 ص

عندما يصبح العصف بسيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات نهج مؤسسات وأجهزة الدولة إزاء المواطن، فإن إلحاق المظالم والانتهاكات بالناس لا يقتصر أبدا على المجموعات والأفراد المغضوب عليهم «رسميا»، إن بفعل معارضتهم السلمية لمنظومة الحكم / السلطة أو بسبب تمسكهم بالتعبير الحر عن الرأى أو لرفضهم الصمت عن ممارسات القمع والتعقب والتهديد. بل تصيب المظالم والانتهاكات مجموعات تصنف كمؤيدة للحكم / السلطة أو فى أقل تقدير كغير معارضة له، وتسقط ضحاياها بين صفوف مواطنات ومواطنين لا يبحثون إلا عن الحياة فى «ظل وحماية» مؤسسات وأجهزة الدولة أو بعيدا عنها وعن «شرها» ولديهم دوما فى الحالتين القدرة على غض الطرف عن المظالم والانتهاكات طالما لم تقترب منهم.

وتفسيرات الاتساع المطرد الذى تشهده مصر اليوم فى دوائر المظاليم وخانات ضحايا الانتهاكات تتنوع بين 1) كون اعتياد مؤسسات وأجهزة الدولة، خاصة الأجهزة الأمنية، للعصف بسيادة القانون والحقوق والحريات قد شوه بنيويا علاقتها بالمواطن بحيث صارت القاعدة هى الظلم والقمع والاستعلاء والاستثناء هو العدل وصون الكرامة وبحيث أضحى الاستخفاف بالكلفة الأخلاقية والإنسانية والمجتمعية للمظالم وللانتهاكات هو الأصل والفرع هو التفكير فى تداعياتها الكارثية، 2) ما يحمله كل من صمت بعض القطاعات الشعبية عن المظالم والانتهاكات طالما لم تقترب منها وتجاهلها للمسئولية الأخلاقية المتمثلة فى التضامن مع الضحايا والانتصار لحقوقهم وحرياتهم المهدرة من إغراء مريض للسلطوية الحاكمة بالإيغال فى الظلم والقمع دون خوف أو خشية من مراقبة أو مساءلة أو محاسبة، 3) التورط المستمر لطيور ظلام المرحلة الراهنة ومؤيدى السلطوية الحاكمة فى التبرير الفاسد للمظالم وللانتهاكات تارة بتجريد بعض الضحايا من كل قيمة أخلاقية وإنسانية وأخرى بتشويه البعض الآخر عبر الترويج لأوهام التخوين والتآمر وأخيرة باستدعاء مقولات «الضرورة» و «لا صوت يعلو» ﻹقناع الناس بحتمية تجاهل الظلم وغياب العدل فى سبيل «إنقاذ الوطن» ــ وأسراب طيور الظلام وصنوف المؤيدين يمدون بذلك السلطوية الحاكمة بتبريرات معدة ومختبرة سلفا توظف حين يتواصل اتساع دوائر المظاليم وخانات ضحايا الانتهاكات، 4) استغلال السلطوية الحاكمة لوضعية اليأس والإحباط التى تسقط فى شباكها الكثيرين بفعل تراكم المظالم والانتهاكات وكذلك لفقدان مصداقية من «يقررون اليوم» الاستفاقة والتنديد بعد طول صمت وتجاهل فى فرض الظلم والقمع «كأمر واقع» على الناس.

***
فى سياق الاتساع المطرد للمظالم وللانتهاكات، يتعين إدراج كارثة تهجير الأسر المصرية القبطية التى عادت منذ أيام لتطل من الصعيد (قرية كفر درويش، مركز الفشن، محافظة بنى سويف) بوجهها القبيح على المواطن والمجتمع. والتهجير – وهو دوما أمر قسرى يفرض على الضحايا فى إلغاء كامل لإرادتهم الحرة، فلا يوجد تهجير طوعى، وتوظيف مفهوم التهجير فى نقاشاتنا العامة للإشارة على سبيل المثال لما حدث لأهل مدن القناة فى أعقاب حرب 1967 هو توظيف غير دقيق والأصوب هو استخدام مفاهيم كالنزوح الجماعى (المنظم أو غير المنظم) للسكان بفعل ظروف استثنائية – جريمة وفقا للنصوص الدستورية والقانونية المصرية، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان وفقا لمواثيق وعهود الحقوق والحريات الدولية، والدور المنوط بمؤسسات وأجهزة الدولة هو منع جريمة التهجير إن على أساس التمييز الدينى أو المذهبى أو العرقى أو الاجتماعى والحيلولة دون سقوط ضحايا.

عندما تتورط مؤسسات وأجهزة الدولة فى إقرار جريمة التهجير أو تنفيذها أو الصمت عنها، نصبح أمام تنصل لمنظومة الحكم / السلطة التى تسيطر على مؤسسات وأجهزة الدولة من التزاماتها الدستورية والقانونية بشأن منع التهجير – تماما كما تتنصل من سيادة القانون ومن ضمانات الحقوق والحريات وتلحق بالمواطنات والمواطنين المغضوب عليهن وعليهم المظالم والانتهاكات.

***

إقرار التهجير وتنفيذه والصمت عنه – وبعيدا عن التبريرات فاسدة الجوهر التى تربطه بعمل مجالس «الصلح» العرفية، وكأن هذه يحق لها الخروج بنتائج تتناقض مع صريح الدستور والقانون، وكأن دور الدولة هو الاستجابة المريضة للنزوع التمييزى خوفا من التوترات الطائفية – يمثل جريمة 1) يتعين إيقافها فورا وجبر الضرر عن الضحايا بتمكينهم من العودة إلى مواطنهم وحماية كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم من الانتهاك وضمان أمنهم – ولا يسعنى هنا إلا أن أتمنى أن تكون التصريحات الرسمية التى تشير إلى عودة الأسر القبطية المهجرة من قرية كفر درويش صحيحة، و2) تستدعى مساءلة ومحاسبة مؤسسات وأجهزة الدولة المتورطة فيها شأنه هنا شأن التعذيب، والحبس الاحتياطى غير المحدد بسقف زمنى نهائى، والتعقب، وتهديد المواطن بالممارسات القمعية بسبب معارضة سلمية أو رأى حر.

***

أما الكارثة الأخرى، والتى تزين للسلطوية الحاكمة توريط مؤسسات وأجهزة الدولة فى جرائم كالتهجير، فهى أن كثيرين ممن ينتقدون اليوم التهجير ويطالبون بالمساءلة والمحاسبة هم من طيور ظلام الصمت عن الظلم وعن جرائم التعذيب والتعقب لكونها تتجه إما لمن نزعوا عنهم كل قيمة أخلاقية وإنسانية وبرروا لعقابهم الجماعى أو لمن شوهوهم تخوينا لمعارضتهم السلطوية سلميا التى يؤيدونها هم والتى أوصلتنا إلى ما نحن عليه من تراكم غير مسبوق لصنوف قديمة وجديدة للمظالم وللانتهاكات.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
اقتباس
عندما تتورط مؤسسات وأجهزة الدولة فى إقرار جريمة التهجير أو تنفيذها أو الصمت عنها، نصبح أمام تنصل لمنظومة الحكم / السلطة التى تسيطر على مؤسسات وأجهزة الدولة من التزاماتها الدستورية والقانونية بشأن منع التهجير.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: من مشاهد الساعات الماضية.. الرداءة تحاصرنا

نشر فى : الجمعة 5 يونيو 2015 - 9:30 ص | آخر تحديث : الجمعة 5 يونيو 2015 - 9:30 ص

مشهد أول ــ تتواتر أنباء اختفاء بعض المواطنات والمواطنين الشباب المعروف عنهم رفض انتهاكات حقوق الإنسان والحريات ومعارضة السلطوية الحاكمة، وتدريجيا يتضح توقيفهم واحتجازهم من قبل الأجهزة الأمنية دون أسباب معلومة.

مشهد ثان ــ تمنع الأجهزة الأمنية فى مطار القاهرة مواطنا مصريا من المدافعين عن الديمقراطية من السفر إلى العاصمة الألمانية برلين، وتحول بذلك بينه وبين المشاركة فى حلقة نقاشية علنية بالبرلمان الألمانى بشأن أوضاع حقوق الإنسان فى مصر.

مشهد ثالث ــ بين أماكن تجمع مؤيدى السلطوية الحاكمة فى شوارع العاصمة الألمانية، وأماكن تظاهرات مؤيدى جماعة الإخوان المسلمين، وأماكن وقفات الأعداد المحدودة من المصريات والمصريين الذين يرفضون انتهاكات الحقوق والحريات ويطلبون ديمقراطية تخلص المواطن والمجتمع والدولة من شرور السلطوية ومن كارثة الخلط بين الحكم والدين ويشارك فى وقفاتهم رمزيا بعض الألمان؛ بين هذه الأماكن تدور كاميرات القنوات التليفزيونية الألمانية وتسجل هيستيريا الهتاف والغناء بين مؤيدى السلطوية الحاكمة وهيستيريا الصراخ بين مؤيدى جماعة الإخوان، وتوثق لعجز الطرفين عن التواصل العقلانى مع الآخر ولابتعادهم عن قيم ومبادئ الإنسانية المعاصرة التى تدين جميع ممارسات الظلم والقمع والتمييز، وتوثق على الهامش أيضا لحضور لغة تخاطب موضوعية وهادئة وراقية بين معارضى السلطوية ورافضى الحكم الدينى ــ على الهامش ﻷن أعداد هؤلاء المحدودة دفعت بالكاميرات بعيدا عنهم، مع أنهم يجسدون أجمل ما فى المصريات والمصريين من أمل فى الديمقراطية والعدل والمساواة والحرية وفى الالتحاق بالإنسانية المعاصرة.

مشهد رابع ــ فى المؤتمر الصحفى المشترك بين الضيف المصرى وصاحبة البيت الألمانية، يقاطع إعلاميو وصحفيو السلطوية الحاكمة ــ الذين تم اصطحابهم كمؤيدين للسلطوية وليس كباحثين عن المعلومة والحقيقة ومصادر بشرية لتغطية الأحداث موضوعيا وتوعية الرأى العام ــ كلمة الرئيس المصرى بوصلة تصفيق حاد تكسر قواعد البروتوكول الرسمى الألمانى التى تقضى بعدم تردى المؤتمرات الصحفية للمسئولين إلى احتفاليات تأييد، وتعصف بالجوهر الديمقراطى للعلاقة بين المسئولين وبين الإعلاميين والصحفيين والمتمثل فى التزام المسئول بالشرح العلنى لأفعاله وممارساته وسياساته وبمخاطبة الرأى العام موظفا الإعلام والصحافة وفى التزام الإعلاميين والصحفيين بالانتصار لحق الناس فى المعرفة بتوجيه الأسئلة الموضوعية والدقيقة للمسئولين والبحث عن معلومات بشأن القضايا التى تشغل الرأى العام وإلقاء الضوء على ما يحال رسميا إلى خانات المسكوت عنه، وجميع ذلك يستدعى استقلالية الإعلاميين والصحفيين وليس استتباعهم كمؤيدين للمسئولين ومزيفين لوعى الناس.

مشهد خامس ــ فى المؤتمر الصحفى المشترك أيضا، تخرج سيدة عن القواعد البروتوكولية حين لا يسمح لها بالحديث وتصرخ مهاجمة لفظيا الرئيس المصرى على خلفية انتهاكات الحقوق والحريات وقبل أن يقتادها الأمن الألمانى بعيدا عن المكان يهب إعلاميو وصحفيو التأييد للصراخ الجماعى فى وجه السيدة الوحيدة ولتهديدها بلغة جسد عنيفة ومتوعدة وكأنهم من رجال الأمن أو من عناصر الحرس الرئاسى الشخصى، تسجل الكاميرات لحظات المواجهة وتنشرها القنوات التليفزيونية ووكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية مدللة على الجروح الغائرة التى ألحقتها وتلحقها المظالم والانتهاكات بمصر مواطنا ومجتمعا ودولة وعلى بؤس مؤيدى السلطوية الحاكمة الذين تفقدهم هيستيريا التبرير المستمر للظلم وللقمع القدرة على التزام لغة تخاطب هادئة وعلى تفضيل الحوار العقلانى أيضا فى وجه الاستفزازات وتختزلهم الرغبة فى التماهى مع الحاكم الفرد إلى كتلة جماعية صارخة تضيع هوياتها الفردية وتتعطل قيمها الأخلاقية والإنسانية.

ثقوا أن هذه المشاهد الرديئة التى تحاصرنا لن تصنع أبدا مشاهد النهاية الحزينة لحلمنا المشروع بمصر العادلة والديمقراطية والمتقدمة والملتحقة بالإنسانية المعاصرة، وأن الرداءة حتما ستنزوى ومآلها النهائى هو الرحيل مع جميع رموزها ومؤيديها، شأنها هنا شأن طيور ظلام السلطوية ومبررى ضجيجها الفاسد وشأن مروجى الحكم الدينى والمتغافلين عن مظالمه وانتهاكاته وتمييزه.

غدًا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: 2115.. زيارة السيدة المستشارة!

نشر فى : الأربعاء 3 يونيو 2015 - 9:50 ص | آخر تحديث : الأربعاء 3 يونيو 2015 - 9:50 ص

السياق ــ فى عام 2115، وبعد تحولات عالمية كبرى، كانت تلك التى سميت الولايات المتحدة الأمريكية قد انهارت، وذلك الذى كان يشار إليه كالاتحاد الأوروبى قد تفتت. وتهاوت القدرات العلمية والاقتصادية والتجارية لشعوب الغرب، وتقوضت ديمقراطيتها، وزج بها إلى دوائر الاستبداد والفقر والتخلف والتطرف والإرهاب ومعاناة المواطن من انتهاكات الحقوق والحريات ومن كوارث التهجير واللجوء وطرق أبواب الهجرة غير الشرعية. بينما نجحت شعوب الشرق الأوسط، العرب والإيرانيون والأتراك والأكراد والبربر، فى تجاوز حروبهم الدموية وصراعاتهم التاريخية المريرة، وفى التخلص من الاستبداد الذى جثم طويلا وأضاع لقرون فرص التقدم العلمى والفكرى وأهدر إمكانيات التطور الاقتصادى والتنمية المستدامة وبناء الدول الوطنية العادلة ومجتمعات الحرية والسلم الأهلى والتوافق وفتح أبواب الشرق الأوسط واسعة للتدخل الأجنبى تارة باستعمار تقليدى وأخرى بالتمكين للاحتلال العنصرى والاستيطانى ﻷرض فلسطين وثالثة بتبعية اقتصادية وقواعد عسكرية أجنبية. وتطورت تدريجيا بين العرب والإيرانيين والأتراك والأكراد والبربر منظومة فعالة للتعاون وللأمن الإقليمى نجحت فى إحلال السلم والاستقرار والرخاء بعد قرون الحروب والصراعات والتخلف، ومؤسسات للاندماج الاقتصادى والسياسى والتجارى والمالى تحافظ على بقاء الحكومات الديمقراطية للدول الوطنية فى الشرق الأوسط وتنسق أفعالها وممارساتها على نحو يتسق فى المجمل مع مبادئ السوق الحر وحقوق الإنسان ويدفعها للتضامن فى ظروف الأزمات لمنع الانجرار إلى الماضى الأليم ويمنحها وزنا عالميا هو الأهم فى 2115. وتحولت الجزائر ومصر والعراق (الموحد مجددا بعد عقود من الحروب الأهلية الدامية ومحاولات الانفصال) وتركيا وإيران إلى مراكز ﻹدارة شئون العالم الاقتصادية والسياسية والتجارية.

الموضوع ــ بعد تفتت ذلك الذى كان يشار إليه كالاتحاد الأوروبى، بقيت فى وسط القارة ألمانيا كدولة موحدة ولم تتمكن منها لا الحروب الأهلية ولا دينامية التحلل التى أصابت معظم الدول الأوروبية الأخرى كفرنسا وإسبانيا السابقتين أو كبريطانيا التى تعانى من حركات انفصالية متصاعدة. ولذلك، وعلى الرغم من غياب الديمقراطية وتراكم المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات وشيوع الممارسات القمعية ضد المواطنين، احتفظت ألمانيا بأهميتها العالمية كدولة موحدة فى قارة منقسمة تهدد أوضاعها جوارها المباشر فى الشرق الأوسط، ومن ثم اهتمت حكومات الدول الشرق أوسطية المهمة بالحوار مع الحكومة الألمانية التى كانت تترأسها سيدة، هى المستشارة سابينه ميركر ــ ولم يكن للديمقراطية صلة بحكم السيدة المستشارة، بل كان اعتياد الألمان منذ العصور الخوالى لديمقراطيتهم وتقدمهم بين النصف الثانى من القرن العشرين والنصف الأول من القرن الحادى والعشرين على أن تتصدر سيدة حكومتهم ومؤسسات دولتهم. ولدعم الحوار، دعت الحكومة المصرية الديمقراطية المستشارة ميركر لزيارة القاهرة وواجهت فى سبيل ذلك الكثير من ضغوط الرأى العام الذى كانت بعض قطاعاته تشير إلى تراكم المظالم والانتهاكات فى ألمانيا، بينما تدفع النخب السياسية والحزبية إما بضرورة الحوار ﻷسباب أمنية واقتصادية أو إلى دور الحوار الهادئ فى تشجيع ميركر على الحد من الانتهاكات أو تقرر بصراحة تامة أن المصلحة الوطنية المصرية تقتضى التعامل مع الكثير من الحكام غير الديمقراطيين ودعوتهم إلى القاهرة كما حدث من قبل مع إمبراطور الصين (تأسست الإمبراطورية الصينية فى 2099، وضمت عسكريا مساحات واسعة من القارة الآسيوية، واحتفظت على الرغم من التحولات الجذرية بحزبها الشيوعى الحاكم وباقتصاد السوق الحر) ومع حاكم روسيا الأبدى فلاديميد بوتينفيف (وهو يجمع منذ أربعة عقود بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة والأهم رئاسة أجهزة المخابرات المختلفة التى تتولى تصفية المعارضين وقمع المجتمع المدنى وتمويل الحروب الأهلية فى أوروبا المقسمة).

قبيل الزيارة ــ أبلغ مكتب المستشارة ميركر الحكومة المصرية، بعد توافق الطرفين على أجندة الزيارة وقضاياها المتنوعة من الأمن الإقليمى ومواجهة الإرهاب والحد من الهجرة الأوروبية غير الشرعية والاستثمارات المصرية فى ألمانيا والقليل من الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان فى ألمانيا والبلدان الأوروبية الأخرى، أن المستشارة سيرافقها وفد شعبى مؤيد لها وأن الوفد يريد أن يلتقى مع وفود شعبية مصرية. أفاد الطرف المصرى بأن مصر بها أحزاب سياسية ونقابات عمالية ومهنية ومجتمع مدنى وإعلام مستقل، وأن وفد المؤيدين الألمانى يستطيع أن يلتقى مع بعض هذه الجهات غير أن عليه توقع الكثير من النقد لغياب الديمقراطية وللانتهاكات.

أجاب الطرف الألمانى بأن وفد المؤيدين لا يثق فى الأحزاب السياسية ولا يحب النقابات وعداءها ﻷصحاب الأعمال ويعتقد أن المجتمع المدنى يتآمر فقط وفى كل مكان وأن الإعلام مستقل لا احتياج إليه والأهم هو حشد الناس لتأييد الحكام بينما المؤامرات تتوالى والمواجهة مع الإرهاب تدور. اقترح الطرف المصرى، دون كثير تعليق، أن يزور وفد المؤيدين الألمانى بعض الجامعات والمراكز الفكرية والثقافية للتعرف على التجربة الديمقراطية المصرية، فرفض مكتب المستشارة ميركر مجددا متعللا بعدم إتقان المؤيدين للغة العربية. توافق الطرفان، أخيرا، على أن يكون دور المؤيدين هو التلويح بالأعلام الألمانية والمصرية فى بعض شوارع القاهرة لكى يتمكن الإعلام الألمانى من تصويرهم والترويج لتوحد الجماهير الألمانية مع المصرية وحبها لقياداتها ــ هكذا دون حضور لجماهير مصرية لانشغال المصريين بالعمل وﻷن علاقتهم بحكومتهم تتحدد فى صندوق الانتخابات.

الزيارة ــ جاءت ناجحة بمعايير الطرفين دون أوهام الدفاع عن الديمقراطية. حصل الطرف المصرى بواقعية على بعض مما أراد بشأن ملفات الأمن فى أوروبا والهجرة غير الشرعية وفرص الاستثمار فى ألمانيا، ولم يحصل على شىء فى مجالات الحقوق والحريات وسيادة القانون. حصل الطرف الألمانى على بعض مما أراد بشأن المساعدات الأمنية والاستثمارات المصرية، ونجح فى احتواء النقد المصرى غير العنيف للمظالم وللانتهاكات، ونقلت مشاهد الملوحين بالأعلام ومرددى هتافات «ألمانيا فوق الجميع» فى القاهرة إلى الجماهير الألمانية فى الوطن.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: ازدواجية المعايير وفنون إلهاء الجموع

نشر فى : الثلاثاء 2 يونيو 2015 - 9:10 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 2 يونيو 2015 - 9:10 ص

أطالع المواقع الإلكترونية للصحف «القومية» وللصحف المملوكة لرأس المال الخاص، فيعيدنى تناولها للأفعال والإجراءات الرسمية كما تظهره العناوين الرئيسية إلى مصر ما قبل 2011 ــ أعمال تطوير للبنى التحتية، مشروعات اقتصادية، لقاءات حكومية مع العاملين فى القطاعين العام والخاص ومع المستثمرين، وعود رسمية بقرب تحسن الظروف المعيشية للناس، وفى الواجهة دوما صور «للمسئول الأول» وللوزراء وللمساعدين وهم يعلنون انتهاء أعمال التطوير وانطلاق المشروعات ويجزمون بإيجابية الحوار مع «أبناء مصر المخلصين» وبوحدة الصف الوطنى.

أبتعد عن العناوين الرئيسية وعن صور المسئولين وأدقق فى الأخبار المحلية الأخرى المنشورة وفى التحقيقات «السياسية» وفى مقالات الرأى وفى الحوارات، فيذكرنى التوجه الغالب باستمرار توظيف السلطوية الحاكمة لمقولات «المؤامرة» وللصناعة المتجددة للأعداء لغسل أدمغة الناس وتزييف وعيهم ولفرض إما هيستيريا تأييد الظلم والانتهاكات والعقاب الجماعى أو الصمت والتجاهل والعزوف عن الاهتمام بالشئون العامة، والهدف فى جميع الحالات هو تبرير قمع المعارضين(المتآمرين المزعومين) وهو تحميلهم هم مسئولية الأزمات المتنامية والظروف المعيشية المستعصية على التحسن بسبب فعلهم السلبى (مؤامراتهم المزعومة)، ومن ثم تبييض صفحة السلطوية الحاكمة والحاكم الفرد وإغماض الأعين عن التداعيات الكارثية مجتمعيا وتنمويا لغياب الشفافية والرقابة والمساءلة والمحاسبة وللمظالم ولانتهاكات الحقوق والحريات ــ وهنا تعيدنى مقولات «المؤامرة» وصناعة الأعداء إلى بعض مضامين الخطاب الرسمى فى خمسينيات وستينيات القرن العشرين وإلى التوجه الغالب فى بعض محطات العقود الممتدة من السبعينيات إلى 2011.

أواصل التنقيب فى مواقع الصحف «القومية» والصحف المملوكة لرأس المال الخاص، فتزج بى ازدواجية معايير التعامل مع المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات التى لم تتوقف منذ صيف 2013 إلى خانات اليأس وفقدان الأمل فى أن يستفيق الناس ويرفضوا التبرير الفاسد للظلم وللاستبداد تماما كما يرفضون المبررات الفاسدة أخلاقيا وإنسانيا للإرهاب وللعنف، وتعمق من وضعية اليأس وفقدان الأمل ازدواجية معايير من يدعون مقاومتهم ومواجهتهم للسلطوية الحاكمة طلبا للديمقراطية وحقوق الإنسان وهم يتورطون فى تمجيد العنف وفى إلغاء الحق والحرية وفى تعميم مقولات الانتقام والثأر القادمين، والازدواجيتان تفرضان على الصحف المصرية وكذلك على مجمل وسائل الإعلام ومن ثم على المجال العام تعطيل الضمير والعقل ونفى كل قيمة أخلاقية وإنسانية فى سبيل تبرير الظلم هنا والعنف هناك وممارسة الاستعلاء على ضحايا الأول كما ضحايا الثانى.

ثم تكتمل دوائر تعطيل الضمير والعقل بتغييب المعلومات والحقائق عن الصحف القومية والصحف الخاصة ــ فلا نقاش فى تفاصيل الأفعال والإجراءات الحكومية، ولا فى مضامين السياسات العامة، ولا باتجاه توثيق المظالم والانتهاكات التى تتواتر الأنباء عن حدوثها من جرائم التعذيب إلى القتل فى أماكن الاحتجاز والتى لا تضطلع الجهات الرسمية إزاءها إلا بالنفى السريع وبالقليل من الإعلان عن تحقيقات قادمة، وبتوظيف أسراب طيور الظلام ومبررى السلطوية الحاكمة لسيطرتهم على المجال العام للترويج ﻷوهام ومعارك وصراعات وهمية هدفها إما حشد الناس مع الحاكم الفرد وضد معارضيه (المتآمرين المزعومين) أو إخافتهم من عواقب التعبير الحر عن الرأى أو إلهائهم وتهجيرهم بعيدا عن المجال العام ونقاشاته وعن الاهتمام المستقل بالشئون العامة.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: عن طغيان الأمنى وصناعة الأعداء

نشر فى : الإثنين 1 يونيو 2015 - 10:40 ص | آخر تحديث : الإثنين 1 يونيو 2015 - 10:40 ص

حين تتمكن السلطوية الحاكمة من مؤسسات وأجهزة الدولة الوطنية، حين تخضع فاعليات المجتمع المدنية والأهلية لإرادتها قمعا وتعقبا وتقييدا وتهديدا، حين تفرض على المواطن إما تأييد الرأى الرسمى الواحد أو الرضاء بالصمت وتجاهل المظالم والانتهاكات والضحايا والبحث فقط عن العوائد الشخصية أو قبول التهجير من المجال العام والامتناع عن التعبير الحر عن الرأى أو تعرضه للظلم والتمييز والاستبعاد ــ فإن هاجس «الأمن» مختزلا فى بقاء السلطوية الحاكمة وفى حماية المصالح الاقتصادية والمالية والإدارية المتحالفة معها وفى الضغط المستمر على المعارضين يتحول إلى «الأولوية الأولى» ويطغى على كل ما عداه من مكونات قد تزين هنا وهناك الخطاب الرسمى كسيادة القانون والعدالة الاجتماعية والتنمية المستديمة ويهمش الكثير من الاعتبارات التى ربما يراد الانتصار لها من قبل الحاكم الفرد أو القلة المحيطة به كتحسين ظروف الناس المعيشية ومحاربة الفساد وتطوير أداء الجهاز البيروقراطى للدولة وغيرها.

طغيان الأمنى، إذن، هو أزمة السلطوية الحاكمة الكبرى التى تنزع عن ادعاءات خطابها الرسمى المصداقية الأخلاقية والإنسانية والمجتمعية، وتجردها تدريجيا فى مجال السياسات العامة من القدرة الفعلية على إنجاز التغيير الإيجابى وإن عرف بمضامينه الاقتصادية والاجتماعية فقط وعلى تحقيق التقدم وإن اختصر فى الحد من الفساد والإصلاح المؤسسى.

طغيان الأمنى، إذن، هو أزمة السلطوية الحاكمة الكبرى التى تدفعها إلى التوسع المطرد فى العصف بسيادة القانون وفى توظيف الأدوات القمعية وفى السيطرة على المجال العام والنقاشات العامة عبر عمليات غسل أدمغة الناس ــ تارة بالترويج للحاكم الفرد كالبطل المنقذ ومناط الأمل الوحيد، وثانية بتشويه وتخوين المعارضين السلميين وتجريدهم زيفا من كل قيمة أخلاقية وإنسانية ووطنية، وثالثة بالمقايضات السلطوية التقليدية «إما الخبز والأمن وإما الحق والحرية»، ورابعة بالاستراتيجيات التحايلية والتأجيلية المعهودة «ليس هذا بوقت الحديث عن حقوق الإنسان والحريات» والحديث عن القانون والحق والحرية «ليس إلا ترفا والأمة تواجه الإرهاب والعنف»، وخامسة بطلب الصبر على «القيادة» وإدراك وتقدير «الإنجازات التى تحققت» حتى وإن كانت حياة المواطن اليومية تحيط بها المظالم والانتهاكات والتمييز من كل جانب.

طغيان الأمنى، إذن، هو أزمة السلطوية الحاكمة الكبرى التى تورطها هيكليا فى رفض التداول الحر للمعلومات وللحقائق لكى لا يمتلك الناس من المعرفة ما قد يساعدهم على مقاومة غسل الأدمغة والتخلص من تزييف الوعى، وتورطها هيكليا أيضا فى توظيف مؤسسات وأجهزة الدولة وفى توظيف سيطرتها على المجال العام لصناعة صنوف تتجدد باستمرار من الأعداء/ الخونة/ المتآمرين وإلصاق اتهامات متنوعة بهم والترويج لمسئوليتهم عن تعطل الإنجاز والتقدم ومن ثم لحتمية «التوحد الوطنى» فى مواجهتهم. والمقصود طبعا هو تأييد السلطوية الحاكمة فى قمع أولئك المصنفين كأعداء/ خونة/ متآمرين ــ طبعا على الاختلاف والتباين الشديدين فى هوياتهم ومواقفهم وأدوارهم، والأهم هو إعفاء الحاكم الفرد والقلة المحيطة به ونمط إدارتهم لشئون المواطن والمجتمع والدولة الذى يتجاهل الشفافية والرقابة والمساءلة والمحاسبة من المسئولية عن تواصل التعثر الاقتصادى والاجتماعى وغياب تحسن الظروف المعيشية، بينما تستمر المظالم والانتهاكات ويتضح تهافت المقايضة السلطوية «إما الخبز والأمن وإما الحق والحرية» وانقلابها إلى لا خبز ولا أمن ولا حق ولا حرية.

طغيان الأمنى، إذن، هو أزمة السلطوية الحاكمة الكبرى التى أصبحت ملامحها حاضرة معنا فى مصر، ولم تعد تفاصيل عمليات غسل الأدمغة والصناعة المتجددة باستمرار لصنوف الأعداء بخافية على الناس.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي ييكتب: فى شرح ابتعادنا عن الإنسانية المعاصرة

نشر فى : الأحد 31 مايو 2015 - 8:55 ص | آخر تحديث : الأحد 31 مايو 2015 - 8:55 ص

لننتبه، فبلاد العرب ما عاد يشار إليها فى الإعلام العالمى إلا فى سياق تناول وحشية ودموية عصابات الإرهاب والعنف، وحروب الكل ضد الكل العبثية، وانتهاكات الحقوق والحريات التى تتورط بها السلطوية الحاكمة، وكوارث النزوح والتهجير واللجوء والهجرة غير الشرعية، وأزمات الإعاشة فى مناطق كثيرة تعانى الفقر وأزمات الإغاثة فى مناطق أخرى تعانى من الدمار والتخريب.

لننتبه، فالقليل من التقارير الإيجابية عن تجربة التحول الديمقراطى المتماسكة فى تونس يبعده عن الإعلام العالمى التصاعد النسبى فى العمليات الإرهابية وتواصل التعثر الاقتصادى. والقليل من التغطية الصحفية المتعاطفة مع الانفتاح السياسى الهادئ فى المغرب وتحسن أوضاع الحقوق والحريات، تطيح به أزمة الصحراء المغربية وأزمات الفقر والبطالة والتهميش التى لم يتحقق بها ولو المحدود من التقدم. والقليل من الإشادة الإعلامية بالتنمية البشرية والنمو الاقتصادى والاجتماعى فى بلدان مجلس التعاون الخليجى، تحبطه التقارير الكثيرة عن المظالم المجتمعية المتراكمة بفعل التمييز على أساس المذهب والعرق والنوع والرأى وعن انتهاكات الحقوق والحريات المستمرة وعن التمويل الخليجى للسلطوية الحاكمة فى العدد الأكبر من بلاد العرب وعن تورط بعض حكومات الخليج فى صراعات إقليمية مسلحة وفى توفير السلاح والمال لمتورطين فى حروب أهلية وحروب الكل ضد الكل العبثية.

لننتبه، دون تونس والمغرب وبلدان مجلس التعاون الخليجى لا تتجاوز الأنباء المتداولة عالميا عن بقية بلاد العرب خانات الإرهاب والعنف والانتهاكات والصراعات المسلحة والحروب. ففى ليبيا والسودان واليمن وسوريا والعراق ــ وفى الصومال منذ تسعينيات القرن العشرين، ينهار السلم الأهلى للمجتمعات، وتنهار مؤسسات وأجهزة الدول الوطنية، وتلحق إما حكومات الاستبداد أو القوى الطائفية والمذهبية والقبلية أو نخب المال بالمواطنات والمواطنين الأذى ما يتفاوت بين الإبادة والجرائم ضد الإنسانية والتهجير وبين الإفقار والتهميش والبطالة. ويعمق من كوارث العرب فى هذه البلدان تورط حكومات عربية أخرى وحكومات أطراف إقليمية وحكومات دولية فى الصراعات والحروب الدائرة إما ﻹطالة أمد حكم المستبدين أو لاستبدالهم بقوى طائفية أو مذهبية أو قبلية لا تقل أبدا لجهة النزوع الاستبدادى والإجرام والتطرف.

وفى الجزائر ومصر، سلطوية حاكمة تفرض فى الجزائر وضعية ركود اقتصادى واجتماعى وسياسى وغياب للتنمية المستدامة وتدافع عن نهجها كالسبيل الوحيد لعدم الانزلاق مجددا إلى خانات العنف والإرهاب والحرب الأهلية، بينما تقايض السلطوية المصرية المواطن على إما الأمن والخبز وإما الحق والحرية وتوظف مواجهتها للعنف وللإرهاب فى العصف بسيادة القانون والإلغاء الكامل لمسار التحول الديمقراطى والضغط المتصاعد على المعارضين السلميين وحركات المجتمع المدنى والتهجير المنظم للمواطن من المجال العام خوفا وتقييدا وتهديدا بالقمع وقمعا. وفى مصر، كما فى الجزائر، تحسن غائب فى الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأوضاع المعيشية وتنمية متعثرة وبعض السياسات الرسمية التى تذهب فى الاتجاه الصحيح تنمويا غير أن عدم حضور الرؤية المتكاملة وعدم التزام مبادئ الشفافية والرقابة والمساءلة والمحاسبة يخصمان منها الكثير.

وفى لبنان وفلسطين، دول وطنية معطلة أو غائبة، ومجتمعات تمور بالتوترات والصراعات فى سياقات متنوعة، ومعاناة مستمرة من احتلال واستيطان عنصريين أو من طائفيات ومذهبيات مسلحة.

لننتبه، نحن بتنا خارج البشرية المعاصرة ونبتعد يوميا بسرعة مرعبة عن بحثها عن العدل والحق والحرية والتقدم والتوازن.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: تضامنا مع المودعين عن بعد!

نشر فى : السبت 30 مايو 2015 - 9:20 ص | آخر تحديث : السبت 30 مايو 2015 - 9:20 ص

خلال سنوات الدراسة والعمل فى ألمانيا بين 1993 و2002، كان لى بعض الأصدقاء العراقيين والإيرانيين الذين فرض عليهم طغيان صدام حسين وتصفيته المستمرة لمعارضيه أو فرض عليهم استبداد الجمهورية الإسلامية وانتهاكاتها المتكررة للحقوق وللحريات الفرار من الوطن والبحث لذويهم ولذواتهم عن ملاذات بعيدة آمنة، وجاءت بهم اختياراتهم أو ساقتهم أقدارهم إلى برلين ومدن ألمانية أخرى.

لم يكن أصدقائى من العراقيين والإيرانيين كغيرهم ممن عرفت من العرب أو الشرق أوسطيين الآخرين المقيمين فى ألمانيا، واختلفوا كثيرا عن الجاليات التركية والفلسطينية واللبنانية والمصرية. فالأتراك قدموا منذ خمسينيات وستينيات القرن العشرين بدوافع العمل والادخار، وفرت الأجيال المتعاقبة من الفلسطينيين إما من مصائر احتلال الوطن والعنصرية الإسرائيلية والاستيطان الإجرامى أو من بؤس حياة مخيمات اللجوء فى الجوار العربى لفلسطين. أما الأسر اللبنانية فبحثت فى ألمانيا عن نجاة من جحيم الحرب الأهلية فى سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين واستطاعت كعادتها توظيف مهاراتها الجماعية لوضع مواطئ قدم اقتصادية وتجارية ناجحة فى الأماكن التى حلت بها، بينما استقرت الجالية المصرية محدودة العدد فى ألمانيا لدوافع العمل وانخرطت منها أقلية صغيرة فى مراحل التعليم الجامعى وتواجد نفر قليل على الهوامش ممن ساقتهم السياسة والقناعات اليسارية إلى ألمانيا الشرقية السابقة (جمهورية ألمانيا الديمقراطية 1949ــ1990) ثم ورثتهم ألمانيا الموحدة فى 1990 وأورثتهم هى نظامها الرأسمالى (الذى كان قد ترسخ فى ألمانيا الغربية السابقة 1949ــ1990).

•••

فى مواقع أخرى تواجد أصدقائى من العراقيين والإيرانيين؛ فقد كانوا جميعا من حملة الشهادات الجامعية العليا ومن أصحاب تخصصات علمية مكنتهم من الالتحاق بوظائف مرموقة، ونجحوا فى الاندماج فى الدوائر الاجتماعية والثقافية المحيطة بهم، ولم يقبلوا أبدا الحياة على الهوامش ــ ومازالت ذاكرتى تختزن الكثير من لحظات النبل الأخلاقى والود الإنسانى الخالص للصديق العراقى الدكتور محمد السعدى، طبيب الأسنان اللامع فى برلين، والصديق الإيرانى الدكتور على شيرازى، صاحب المؤلفات الأكاديمية الأهم عن الدستور والقانون والسياسة قبل الثورة وتأسيس الجمهورية الإسلامية فى 1979 وبعدهما والذى تشرفت بالتزامل معه فى قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة برلين.

•••

فر الأصدقاء العراقيون والإيرانيون من أوطانهم بعد أن أحرقتها نيران الديكتاتورية والطغيان والاستبداد والتطرف، فروا بمفردهم فى مقتبل حياتهم المهنية والعلمية أو مع أسرهم تاركين وراءهم أهلا وذكريات وبقايا حياة لم يرد لهم استكمالها. فروا، بعضهم عبر دروب خطرة ووعرة، وحيل بينهم وبين العودة إلى أوطانهم بعد أن صنفوا كهاربين أو معارضين أو زيفا كمتآمرين على «المصالح الوطنية»، وأبلغوا عبر الأهل أو الأصدقاء بنزع ملكياتهم الخاصة وبطردهم من وظائفهم وبالبطش الذى ينتظرهم إن هم فكروا فى الاقتراب.

وعلى الرغم من ذلك، لم يقترب من عرفت من الأصدقاء العراقيين والإيرانيين من مجموعات وحركات معارضة نظام صدام حسين والجمهورية الإسلامية التى كانت تستوطن الخارج، وكانت لهم تحفظاتهم على تشوهات المعارضة هذه التى أحدثها بها إما الاستتباع الكلى أو الجزئى للمال وللمصالح الأجنبية أو أنتجتها هيمنة الأفكار الرجعية على قياداتها وكوادرها ــ كطائفية ومذهبية وطغيان النزوع الانتقامى على الكثير من معارضى نظام صدام حسين فى الأوساط الشيعية ــ أو سببها انتفاء الواقعية عن مقولاتها ونزوعها المتصاعد إلى العنف ــ كوضعية حركة مجاهدى خلق اﻹيرانية. غير أن أصدقائى العراقيين والإيرانيين لم يتنازلوا أبدا عن حقهم فى التعبير الحر عن الرأى، وفى النقد العلنى للأوضاع الكارثية فى أوطانهم، وفى الدعوة إلى التغيير السلمى باتجاه الحربة والديمقراطية إن بالمشاركة فى تظاهرات وتجمعات سلمية تندد بالاستبداد ــ كما كان يفعل محمد السعدى دوما ــ أو بالكتابة الأكاديمية والمداخلات الإعلامية ــ كما تميز على شيرازى.

•••

بالقرب من الأصدقاء العراقيين والإيرانيين تعلمت كيف يصبح التفوق المهنى والعلمى طوق النجاة من عذاب الحياة فى المنفى، وسبيلا للاندماج فى المجتمع الجديد. معهم أدركت كيف تتحول متابعة أوضاع الأوطان عن بعد إلى عمل يومى يضنى ذهنيا ونفسيا، وكيف يمكن المزج بين توجيه النقد الحر للاستبداد ومواصلة الدعوة السلمية للتغيير باتجاه ديمقراطى وبين الامتناع بصرامة ونزاهة عن التورط فى الاستتباع لمال أو مصالح خارجية أو فى تأييد معارضات رجعية وعنيفة – لم يكن لها فى العراق غير أن تدمر المواطن والمجتمع والدولة الوطنية وتخضع ثلاثتهم لطائفيتها ومذهبيتها ونزوعها الإجرامى للانتقام بعد أن مكنهم من ذلك فى 2003 الغزو الأمريكى والتغول الذى أعقبه للنفوذ الإيرانى.

معهم شاهدت سطوة الألم والحزن فى ملامح الوجوه وطالعت قسوة مشاعر الوحدة والاكتئاب والرغبة فى العزلة عندما تتكالب على الجسد وتستلب لغته، حين كانت المفجعات الشخصية تساق إليهم حاملة نبأ رحيل الأم أو الأب أو الأخت أو الأخ أو صديق من المقربين وهم فى منافيهم غير قادرين إلا على الوداع عن بعد وبينهم وبين العودة إلى الأوطان واقع القمع وخطر التعقب وانتهاكات الحقوق والحريات.

شاهدت، وأيقنت أن واجبى الأخلاقى والإنسانى الوحيد فى مثل هذه اللحظات هو التعاطف، والتضامن، والتعبير عن احترام الألم والحزن، والدعاء بالرحمة والصبر والسلوان. أيقنت أن ذلك هو أيضا واجبى فى لحظات مشابهة كثيرا ما فرضت آلامها على محيطى الشخصى والمهنى أو يتواصل اليوم اصطدامى بها كمتابع لشئون الناس؛ لحظات عجز فقراء الجاليات المصرية فى الشرق والغرب عن تدبير المال اللازم للعودة إلى أوطانهم حال رحيل الأهل والأصدقاء، أوضاع المهاجرين غير الشرعيين الذين لا يرغبون فى مغادرة ملاذاتهم «الآمنة» قبل أن تنضبط قانونيا إقامتهم وتستقر نسبيا حياتهم، أحوال الذين خرجوا من ديارهم وبلادهم بسبب خطر القمع والتعقب والانتهاكات وبسبب السلطوية التى تورثهم الخوف على الغد وتشعرهم بغربة شديدة عن الوطن الذى نشدوه ولم يتخلوا عن تمنيه واقعا جديدا وجميلا.

•••

إلى الصديق باسم يوسف بعد رحيل والده رحمه الله، وإلى الكثيرين الآخرين من غير المعلومين للرأى العام الذين، ولأسباب يتداخل بها السياسى والاجتماعى مع المالى والقانونى، لا يقدرون إلا على «الوداع عن بعد»، إليكم جميعا خالص التعاطف والتضامن واحترام الألم والحزن ــ تماما كما أتعاطف وأتضامن مع من يمرون بلحظات الوداع القاسية للغاية التى يفرضها الإجرام الإرهابى على ذوى الشهداء وتفرضها الانتهاكات على ذوى الضحايا ومن ثم على الوطن ككل.

 

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: مظهر ولغة جسد وتعبيرات وجه متشابهة!

نشر فى : الجمعة 29 مايو 2015 - 9:35 ص | آخر تحديث : الجمعة 29 مايو 2015 - 9:35 ص

سرادق عزاء: المتوفى ينتمى لمؤسسة من المؤسسات العريقة للدولة. أذهب لتأدية واجب المواساة. أجلس كعادتى بعيدا عن مدخل السرادق. أعتزم البقاء حتى ينتهى المقرئ من قراءة «ربعين» من القرآن الكريم.

وسط الوجود الكثيف لمتوسطى العمر وكبار السن من الرجال، يسترعى انتباهى التشابه الطاغى فى مظهر ولغة جسد وتعبيرات الوجه لمجموعة يتراص أفرادها فى مقاعد متجاورة وصفوف متتابعة.

 

هم ولا شك من موظفى المؤسسة العريقة التى ينتمى إليها الفقيد. أفكر فى تفسير مقنع للتشابه. هل يفرض دولاب العمل اليومى على موظفى المؤسسة ذات المظهر؟ هل ترتب طبيعة مسئولياتهم وتخصصاتهم ونوعية القضايا التى يعملون عليها تطابق لغة الجسد وتعبيرات الوجه؟
أواصل التفكير. تدريجيا يتسرب إلى الذات ارتياح نفسى للتشابه الماثل أمامى، أرتاب فى أمرى. أتوقف عن مراقبة الحضور. أستمع إلى المقرئ صاحب الصوت الجميل بتركيز حتى ينتهى من «الربعين»، ثم أغادر السرادق.

لا تفلتنى مسألة تشابه مظهر ولغة جسد وتعبيرات وجه موظفى المؤسسة العريقة من سياق التفكير فيها، ولا يدعنى الارتياح المريب للتشابه وحالى. أبحث فى الذاكرة، فتهدينى إلى والدى رحمه الله. كان والدى من ضباط الشرطة، وعمل فى مصالح مختلفة بوزارة الداخلية لم تكن تشترط الحضور بالزى الرسمى (الميري) الموحد. فى عطلة الصيف المدرسية، كان والدى يأخذنى أحيانا معه إلى مكان عمله، وكثيرا ما لفت نظرى تشابهه هو وزملائه فى المظهر ولغة الجسد وتعبيرات الوجه، وبالقطع فى اللغة الأخرى ــ لغة الكلام.

ثم يفيض نهر الذكريات الشخصية، فيذهب بى إلى خالى أطال الله فى عمره، المهندس الزراعى الذى كان يعمل فى ديوان وزارة الزراعة والذى أستطيع بوضوح بالغ استرجاع تفاصيل زيارتى الوحيدة له فى مكتبه ــ كوب الليمون المثلج، الشيكولاتة البمبو، التشابه إلى حد التطابق فى مظهره ومظهر زملائه «ببدلهم الصيفية» ذات اللون الواحد. ومن خالى إلى أهلى فى الصعيد، والسيدات المتقدمات فى العمر بمظهرهن الذى كنت أراه دوما موحدا ولغة جسدهن المتطابقة، وحبيبتى والدتى رحمها الله التى كانت ترشدنى بصوتها الساحر إلى بعض الاختلافات الدقيقة فى غطاء الشعر وفى تطريز الأزياء وفى سرعة أو بطء حركة الأيادى. ومن الصعيد، قفزة زمنية بعيدة أولى إلى تشابه مظهر زملاء الدراسة الجامعية من سكان «المدينة» ــ المدينة الجامعية التابعة لجامعة القاهرة، ثم قفزة زمنية بعيدة ثانية إلى سنوات دراسة الدكتوراه فى جامعة برلين واكتشاف التشابه الشديد فى مظهر ولغة جسد وتعبيرات وجه الطلاب الوافدين من الصين ومن غيرها من البلدان الآسيوية ــ باستثناء اليابان التى كان طلابها يحاكون الأوروبيين والأمريكيين فى المظهر ولغة الجسد وإن ظل لهم الصوت الخفيض الذى يميزهم عن غيرهم من شعوب الأرض.

أخرج من نهر الذكريات، وقد حمل لى شيئا من التفسير الذاتى للارتياح المريب للتشابه وبعض التفسيرات المهنية (جهة العمل)، والمناطقية (الصعيد)، والاقتصادية ــ الاجتماعية (طلاب المدن الجامعية) للتشابه بين الناس ــ وكذلك إشارات عابرة للتشابه بين مواطنى مجتمعات ودول بعينها. أطالع بعض الدراسات التاريخية ودراسات العلوم الاجتماعية على أجد بها تفسيرات إضافية، وأكتشف 1) أن الأديان السماوية والأيديولوجيات الوضعية والديكتاتوريات الحاكمة تشترك جميعا فى العمل على فرض مظهر ولغة جسد وتعبيرات وجه متشابهة إن لم تكن متطابقة على الخاضعين لها، 2) أن البدايات التاريخية للمظهر المتشابه للناس تعود أيضا إلى نشوء المؤسسات الدينية والنظامية (كالجيش والشرطة والقضاء) فى المجتمعات والدول المختلفة وإلى جاذبيتها للعوام، 3) أن القرن العشرين شهد محاولات عديدة لبعض البلدان ذات النظم الاشتراكية أو العسكرية ــ الأمنية لفرض المظهر المتشابه على الناس وتبريره إما بإلغاء التمايزات بينهم أو بأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية أخرى، وأن المحاولات هذه انتقصت بعمق من حق الإنسان فى الاختيار الحر وإن تمتعت بجاذبية المساواة وتجاوز الفوارق، 4) أن لجهات العمل والحياة المهنية المختلفة بالفعل مظهر موظفيها ولغة جسدهم وتعبيرات وجههم المتشابهة بفعل تفاصيل العمل اليومى وطبيعة المسئوليات المرتبطة به ــ ولذلك لم يكن ما لاحظت فى سرادق العزاء بمستغرب أبدا.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

 

القسم: 
المصدر: 

بين غسل الأدمغة وتجريد المواطن من الطاقة الإيجابية بوابة الشروق


نشر فى :
الخميس 28 مايو 2015 - 9:35 ص
| آخر تحديث :
الخميس 28 مايو 2015 - 9:35 ص

ليست الممارسات القمعية ولا انتهاكات الحقوق والحريات ولا صناعة الخوف من التعبير الحر عن الرأى ولا قوانين وسياسات تهجير المواطن من المجال العام هى الأدوات الوحيدة التى تعتمد عليها السلطوية فى إخضاع الشعوب وفرض هيمنتها على المجتمعات وعلى مؤسسات وأجهزة الدول الوطنية.

فالسلطوية تعمد أيضا إلى توظيف سيطرتها على وسائل الإعلام لإقناع المواطنات والمواطنين بضرورة تأييد الحاكم الفرد إن 1) تحت لافتات «الأخطار والمؤامرات التى تحيط بالوطن، ولا يقوى إلا هو على مواجهتها»، أو 2) بإطلاق «الوعود الكبرى» بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والظروف المعيشية التى لن تتحقق إلا «برعاية» الحاكم الفرد، أو 3) باستدعاء استراتيجيات تخوين وتشويه وتسفيه المعارضين ونزع كل قيمة أخلاقية وإنسانية ووطنية عنهم وعن أفكارهم لكى ينصرف الناس عن البدائل الممكنة للسلطوية الحاكمة، أو 4) بالعمل المستمر على اختصار الدولة ومؤسساتها وأجهزتها فى الحاكم الفرد ثم شخصنة النقاش العام فى ثنائية إما «مع الحاكم أو ضده» وتفريغه من التناول الموضوعى للأفعال وللسياسات وللممارسات.

وعادة ما تنجح السلطوية فى «غسل الأدمغة» لبعض الوقت، وفى إقناع بعض الناس بضرورة تأييد الحاكم الفرد لبعض الوقت، وفى نشر كراهية المعارضين بين بعض القطاعات الشعبية لبعض الوقت. وحين تبدأ فاعلية مثل هذه الأدوات فى التراجع ــ والتراجع حتمى الحدوث حين يكتشف الناس محدودية الإنجاز الاقتصادى والاجتماعى وضعف قدرات الحاكم والقلة المحيطة به على صناعة التغيير الإيجابى فى ظل غياب الشفافية والرقابة والمساءلة والمحاسبة، تتحرك السلطوية إلى توظيف أدوات مغايرة.

فعندما يتراجع الاقتناع العام بضرورة تأييد الحاكم الفرد، تنزع السلطوية مجددا عبر توظيف سيطرتها على وسائل الإعلام إلى الترويج لمقولات متنوعة ذات جوهر سلبى تستهدف تجريد المواطنات والمواطنين من الطاقات الإيجابية اللازمة للمطالبة السلمية بتغيير أفعال وسياسات وممارسات الحاكم الفرد والقلة المحيطة به واللازمة أيضا للعمل السلمى على بناء بديل ديمقراطى حقيقى للسلطوية. ومن بين المقولات ذات الجوهر السلبى هذه، يحتل اليوم فى مصر الترويج 1) لمقايضات «الأمن والخبز قبل الحق والحرية» و2) ثنائيات «إما الحكم الراهن وإما الفوضى» و3) عموميات «البديل الوحيد هو انتقال كوارث العراق وسوريا وليبيا إلينا» مساحات واسعة فى الخطاب الرسمى.

ويحدث ترويج المقولات السلبية بين بعض القطاعات الشعبية مفاعليه المجردة من الطاقات الإيجابية لطلب التغيير السلمى فى الأفعال والسياسات والممارسات (وليس الأشخاص بالضرورة) مستغلا تغييب العقل والحقائق والمعلومات، بينما يرتب بين بعض القطاعات الشعبية الأخرى التى تدرك غياب العدل ولم تعد تقدر على تجاهل تواصل تدنى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والظروف المعيشية أو غض الطرف عن محدودية السياسات العامة التى تنتصر لحقوقها وضعية صمت وعزوف يتبعها عند كبار العمر استدعاء للخطاب التقليدى «الصبر مفتاح الفرج» وعند الأجيال العمرية الوسيطة بحث عن الحلول الفردية وعند الأجيال الشابة والصغيرة انجرار إلى خانات الإحباط واليأس.

ولن تنحصر فى مصر، هكذا تخبرنا التجارب العالمية المشابهة، مفاعيل ترويج السلطوية لمقولات سلبية تنزع عن الناس الطاقات الإيجابية إلا بنشوء حركات سلمية تنشد التغيير الديمقراطى وتبلور وإن على المدى الزمنى المتوسط والطويل بدائل علنية مقنعة وجذابة ــ بدائل للأفعال وللسياسات وللممارسات قبل الأشخاص ــ تخرج بالأجيال المختلفة بعيدا عن مواقع الانتظار والصبر ومحدودية الحلول الفردية وخانات الإحباط واليأس.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: حين تموت السياسة!

نشر فى : الأربعاء 27 مايو 2015 - 10:10 ص | آخر تحديث : الأربعاء 27 مايو 2015 - 10:10 ص

ﻷن السياسة أميتت بمضامينها الحقيقية كنشاط سلمى وحر وتعددى وجهته هى صالح المواطن والمجتمع والدولة الوطنية وهى أيضا مراقبة ومساءلة ومحاسبة الحكام المنتخبين ومعارضيهم، فليس بمستغرب أبدا أن تعطل السلطة التنفيذية فى مصر بعض أحكام دستور 2014 الذى منه تستمد مشروعيتها القانونية فتواصل تأجيل إجراء الانتخابات التشريعية، وأن تتجاهل بعض المواد الدستورية فتمرر تعديلات قانونية وقرارات تتناقض بوضوح مع حقوق وحريات المواطن، وأن تتنصل من الروح الحداثية والديمقراطية لمجمل النص الدستورى ــ بعيدا عن الأحكام والمواد ذات الطبيعة السلطوية كمحاكمة المدنيين عسكريا وغيرها ــ وتجدد دماء حكم الفرد وسطوة القلة المحيطة به وطغيان المؤسسات والأجهزة الأمنية.

ﻷن السياسة أميتت، فليس بمستغرب أبدا أن تعمد السلطة التنفيذية إلى إعادة إنتاج مقولات التبرير التقليدية لحكم الفرد وسطوة القلة وطغيان الأمنى ــ الأمن والخبز قبل الحق والحرية، لا صوت يعلو فوق صوت مواجهة مؤامرات أعداء الداخل والخارج، واجب المواطن والمجتمع هو العمل وترك شئون الحكم للحاكم والاكتفاء بتأييده حين يطلب منهما ذلك، كما أنه ليس بمستغرب أن تعول السلطة التنفيذية بغية الترويج لهذه المقولات وفرضها على المجال العام كعنوان الحقيقة المطلقة والرأى الصائب الوحيد وتوظيفها كأداة لتهجير المواطن بعيدا عن الشئون العامة على الأسراب المعتادة من طيور ظلام الدفاع عن الاستبداد ورفض الديمقراطية وعلى من التحق بهم من السلطويين الجدد.

ﻷن السياسة أميتت، فليس بمستغرب أبدا أن يضيع العدل وتتراكم المظالم وتتصاعد انتهاكات الحقوق والحريات، وأن يحتل الناس إزاء السلطة التنفيذية إما مواقع التأييد الأحادى والاقتناع بمقولات الأمن والخبر قبل الحق والحرية وبحتمية مواجهة المؤامرات وضرورة الثقة المطلقة فى الحاكم الفرد، وذلك دون كثير اهتمام بالعدل الضائع والظلم المتراكم، أو خانات الصمت على المظالم والانتهاكات وقبول التهجير من المجال العام والعزوف حزنا وإحباطا عن الشئون العامة بحثا عن حلول فردية أو طلبا للنجاة الشخصية، أو هوامش رفض حكم الفرد ومواصلة العمل السلمى لإيقاف المظالم والانتهاكات واستعادة مسار تحول ديمقراطى ينتصر لتماسك الدولة الوطنية ولسلم المجتمع ولكرامة المواطن مهما تقلصت فى الواقع المعاش الفرص الفعلية لمثل هذا المسار، أو غياهب الانجذاب إلى التبريرات الفاسدة للعنف وللإرهاب واستعداء المواطن والمجتمع والدولة بالخروج على القانون وحمل السلاح أو بمناصرة من يحملونه (البيئات المحلية القابلة لتأييد ممارسات العنف وعصابات الإرهاب). وعلى امتداد هذه المواقع والخانات والهوامش وفى غياهب الشر، تنزع عن مجالنا العام فى مصر العقلانية والرشادة ويختفى النقاش العام الموضوعى القادر على المزج بين المطالبة بإيقاف المظالم والانتهاكات وبين التضامن فى مواجهة الإرهاب والعنف دون مقايضة على الديمقراطية والحقوق والحريات ودون تبرير لحكم الفرد وطغيان الأمنى.

ﻷن السياسة أميتت، فليس بمستغرب أبدا أن يتواصل تعرض المنظمات غير الحكومية المدافعة عن حقوق الإنسان وغيرها من فاعلى المجتمع المدنى الذين يرفضون التورط فى الترويج لمقولة الأمن والخبز قبل الحق والحرية لضغوط أمنية متنوعة، وأن تجرد أغلبية الأحزاب السياسية من الفاعلية ويزج بها وهى فى وضعية الانتظار/رد الفعل الأبدية إلى ممارسات فاقدة للمصداقية ومثيرة للشفقة (من مواصلة إصدار بيانات اللامضمون إلى المشاركة فيما يسمى بوفود الدبلوماسية الشعبية)، وأن ينزع عن المجال العام الاهتمام الهادئ والرصين بقضايا السياسات العامة وأن تخلو نقاشاتنا العامة من معالجات موضوعية ﻷمور تتفاوت من البرامج الحكومية لمواجهة الفقر والنتائج الفعلية للمؤتمر الاقتصادى فى شرم الشيخ إلى انتهاكات الحقوق والحريات وأداء الأجهزة الأمنية والطلب المشروع للحقيقة بشأن طالب الهندسة بجامعة عين شمس إسلام عطيتو أو بشأن الضغوط التى يتعرض لها مواطنون شاركوا على نحو علنى ومع شركة قانونية مشهرة ــ المجموعة المتحدة ــ فى إعداد قانون لمناهضة جريمة التعذيب.

 

القسم: 
المصدر: