عمرو حمزاوي

عمرو حمزاوي يكتب: عرس ودبلوماسى إيرانى وصرخة في مخفر الشرطة

نشر فى : السبت 2 مايو 2015 - 9:25 ص | آخر تحديث : السبت 2 مايو 2015 - 9:25 ص

1) العروس: وصلت إلى بيروت الثلاثاء الماضى للمشاركة فى مؤتمر حول الأوضاع المجتمعية والسياسية فى العالم العربى، وهدف الزيارة الحقيقى كان أسريا وإنسانيا.

فقد رافقتنى زوجتى وابنتنا ناديا لكى نهنئ على الزواج صديقا مصريا له فى قلبى مكانة خاصة، بعد أن امتدت «عشرتنا» منذ سنوات الدراسة فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية (جامعة القاهرة) إلى زيارات متبادلة دائمة إلى حيث يسكن أو إلى حيث أحيا. الصديق، الذى كان يتحايل على الزواج وعلى ضغوط أسرته «لربطه» بإصرار شديد، تزوج أخيرا من سيدة سورية رائعة وفرت بيروت لها وﻷسرتها مرفأ آمنا من جنون الحرب والعنف فى وطنها (خاصة فى مدينتها حلب)، كما وفرت بيروت ولبنان ملاذات آمنة للكثير من الأسر السورية الفارة من المقتلة السورية. العروس والعريس تزوجا يوم السبت الماضى فى كنيسة بيروتية، واحتفل بهما بعض الأهل والأصدقاء، ورغبنا فى عدم التأخر عن تهنئتهما بعد ما عجزنا عن حضور مراسم الزواج.

وحين التقيناها مساء الثلاثاء، حكت العروس عن أهوال الحرب والعنف فى حلب وعن فرار الأطفال والنساء والعجائز، عن البيوت المهدمة والمدارس والمستشفيات المدمرة ــ وفقا لتقارير مستقلة، دمر بالفعل أكثر من 70 بالمائة من مبانى ومرافق حلب ومعالمها الأثرية، عن خطوط التماس بين المتقاتلين التى تقطع أوصال المدينة وعن نقاط التفتيش التابعة لجيش الأسد وتلك التى تسيطر عليها جبهات كالنصرة وغيرها، عن الدموية والوحشية والاستبداد والإجرام والشرور الأخرى التى يشتركون جميعا فيها دون تمايزات، عن احتضان فقراء لبنان للأسر السورية الفارة من الجحيم وعن بيروقراطية أعمال الإغاثة التى تقوم بها وكالات الأمم المتحدة وبعض الوكالات الدولية الأخرى وعن امتهان الكرامة الإنسانية للاجئين السوريين ــ تشير بعض تقارير المنظمات غير الحكومية اللبنانية والعربية والدولية إلى أن نسبة كبيرة من الأموال المخصصة لإغاثة اللاجئين السوريين فى لبنان والأردن وتركيا تنفق على رواتب وسكن وترتيبات تأمين المسئولين الغربيين العاملين فى وكالات الأمم المتحدة، عن نجاحها هى فى الحصول على عمل كمدرسة للغة الإنجليزية لبعض الأطفال السوريين المقيمين فى بيروت وحولها وعن سعادتها بشىء من الاعتيادية فى حياة انقلبت رأسا على عقب وضاعت منها ملامح الوطن.

***

2) صديقى سلام والدبلوماسى الإيرانى: بدأت أعمال مؤتمر الأوضاع المجتمعية والسياسية فى العالم العربى صباح اليوم التالى، الأربعاء، وكانت مداخلتى فى جلسته الأولى التى جاءت بها أيضا مداخلة الصديق الباحث السورى سلام الكواكبى، نائب مدير مبادرة الإصلاح العربى ــ شبكة مستقلة لمفكرين ومثقفين وأكاديميين عرب يعملون على قضايا الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى والسياسى فى بلادنا وينشرون كتاباتهم وأبحاثهم فى دوريات علنية ومقرها الإدارى فى العاصمة الفرنسية باريس.

ركز سلام، حفيد صاحب «طبائع الاستبداد» عبدالرحمن الكواكبى، فى مداخلته على «المقتلة السورية» (وهو المفهوم الذى استخدمه هو فى جلسة المؤتمر الأولى واستعرته أنا منه أعلاه) وشرح كيف دفعت متواليات الاستبداد والتطرف والإرهاب والتخلف المتكالبة على سوريا شعبها إلى مصيره الراهن، بعد اشتعال ثورة شعبية حقيقية طالبت بالديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية وأرادت إزاحة طاغية اعتاد زبانيته على سفك الدماء وارتكاب الانتهاكات، ولم يكن أبدا من بين أهدافها لا الزج بسوريا إلى عبثية مواجهة بين الطاغية وبين جبهات ظلامية متطرفة لا تقل إجراما أو عنفا، ولا فرض فظائع القتل على الأطفال والنساء والرجال فى الداخل أو الموت وهم يبحثون عن ملاذات آمنة (غرقا فى عرض البحر الأبيض المتوسط)، ولا مصائر الهروب والفرار واللجوء على ملايين السوريين. شرح سلام أسباب عجز المعارضة السلمية فى سوريا عن تقديم بديل فعلى يوقف جنون الحرب بين الطاغية الأسد وبين الجبهات الظلامية، إن لمحدودية معرفة المعارضة بالمجتمع السورى وتجاهلها لفاعلية منظماته المدنية، أو للعنف الشديد الذى يمارسه الطاغية ومن يقفون فى وجهه ويسفكون أيضا دماء الناس، أو لارتهان سوريا لإرادات إقليمية ودولية لا تريد منها إلا ساحة لصراع دائم.

بعد انتهاء الجلسة، وأثناء تعبيرنا عن شىء من الإحباط لكون النقاش العام الذى أعقب مداخلتينا ــ مداخلتى كانت عن ثنائية الاستمرارية والتغيير فى بلاد العرب وعن تفكيك وهم أن أوضاعنا المجتمعية والسياسية «لن تعود إلى الوراء» بتجدد الاستبداد والسلطوية وحكم الفرد ــ لم يتجاوز حدود المعارك اللفظية والحروب الكلامية والخانات الأيديولوجية المعتادة فى المشرق العربى (اليمين، اليسار، الفكرة العروبية، فكرة المقاومة، الفكرة الطائفية، مع الخليج وأمواله، مع إيران وسلاحها)، أخبرنى سلام أن ما إن انتهت الجلسة حتى جاء إليه دبلوماسى إيرانى من سفارة الجمهورية الإسلامية فى بيروت وسأله بصوت خفيض عن «هوية الجهة التى تموله» (من يدفع لك؟) واصطنعت ملامح وجهه ابتسامة هادئة إمعانا فى الاستفزاز.

لم يستفز سلام، وتجاهل الدبلوماسى الذى على الأرجح لم يرد إلا مواجهة انفعالية تنقلها بعض الصحف ووسائل الإعلام التابعة لإيران أو للطاغية السورى أو لحزب الله أو رغب فى فرض الخوف على باحث سورى مستقل يصنفه زبانية الطاغية كمعارض غير مرغوب به ويدرك جيدا نفوذ إيران لدى الطاغية وفى لبنان عبر حزب الله، بل وتجاوز أيضا الكثير من الألم العام بسبب دعم إيران لبقاء الطاغية فى الحكم ومواصلته لسفك الدماء وبعضا من الألم الشخصى لكون منزله فى حلب قد اقتحم من قبل زبانية الطاغية وسمح بالإقامة به لضابط إيرانى. تجاهل حفيد الكواكبى الفساد الأخلاقى والإنسانى والسياسى لحديث دبلوماسى، يمثل دولة احترم تماسك مؤسساتها وأجهزتها وأدين بشدة قمعها للحقوق والحريات فى الداخل الإيرانى ودعمها للاستبداد وللطائفية وللمذهبيات القاتلة فى سوريا والعراق ولبنان وأيضا فى اليمن ــ وفى البلدان هذه جميعا، تتورط بعض الحكومات العربية فى دعم معكوس الاتجاه لاستبداد آخر ولطائفيات ومذهبيات أخرى قاتلة.

***

3) مخفر الشرطة: استمرت أعمال المؤتمر البيروتى ــ الذى نظمه مركز كارنيجى لدراسات الشرق الأوسط ــ فى جلسة ثانية عن مستقبل صنع السياسات العامة فى العالم العربى وتداخل بها وزير سابق للمالية فى لبنان ووزير سابق للخارجية فى الأردن. ثم أعقب الجلسة الثانية استراحة للمشاركين وللحضور، والتى ما إن بدأت حتى قدمت زوجتى ومعها ابنتنا لتخبرنى بسرقة جواز سفرها وأوراقها الشخصية وأشياء أخرى فى وسط مدينة بيروت وأن عليها الآن الذهاب إلى «مخفر الشرطة» للإبلاغ عن السرقة ثم الذهاب إلى السفارة المصرية فى بيروت لاستخراج وثيقة سفر مؤقتة لكى نتمكن من العودة إلى القاهرة والتى كان محددا لها الخميس الماضى.

اعتذرت من المنظمين عن عدم استطاعتى مواصلة المشاركة فى أعمال المؤتمر، وذهبت مع بسمة وناديا إلى مخفر شرطة قريب. داخل المخفر، سارت الأمور بشكل هادئ وجيد، وبتعاطف واضح من عناصر «الأمن الداخلى» اللبنانى مع مأساة فقدان جواز السفر وكافة الأوراق الشخصية خارج الوطن، وبرغبة حقيقية فى مساعدتنا.

سألنا عن احتمالات العثور على ما سرق، فقيل لنا إنها ضعيفة ــ على الرغم من أن السرقة حدثت داخل متجر وهوية السارق وعملية السرقة سجلتهما بوضوح كاميرات المراقبة.

سألنا عن أسباب ضعف الاحتمالات، فصدمتنا تفسيرات «عنصرية» تحمل اللاجئين السوريين مسئولية «الجرائم المتزايدة» فى بيروت ومناطق لبنانية أخرى، وتتهم جماعيا الأطفال والنساء السوريات بالتورط فى شبكات سرقة واحتيال ونصب على الرغم من احتضان الشعب اللبنانى لهم وﻷسرهم ــ تذكرنا فورا المقولات العنصرية التى تطفو بين الحين والآخر على سطح النقاش العام فى مصر بشأن اللاجئين العرب فلسطينيين وسودانيين وعراقيين وسوريين وبشأن اللاجئين من الأفارقة، تذكرنا فورا مقولات العقاب الجماعى التى تروج فى مصر أحيانا بحق الشعب الفلسطينى فى غزة الذى يختزل فى أتباع حماس ثم تختزل حماس تابع لجماعة الإخوان المسلمين ثم الإخوان فى حركة إرهابية ثم تحمل ارتجاعيا مسئولية الإرهاب فى سيناء للإخوان ولحماس ولكل أهل غزة وتبرر «المقتلة الإسرائيلية» بحقهم.

أثناء تجاذب أطراف الحديث مع عناصر «الأمن الداخلى» فى مخفر الشرطة، هزت جدران المكان صرخة مدوية لا تصدر إلا عن إنسان يعذب. سجل شرطى من المحيطين بنا تعبيرات الصدمة على وجه بسمة ووجهى، فقال «لا شىء، مجرد تحقيق مع أحد المشتبه بهم!» تذكرنا فورا المتواتر عن جرائم التعذيب فى مصر والحوادث الأخيرة التى تصاعدت إزاءها المطالبة بالتحقيق فيها وبمساءلة ومحاسبة المسئولين عنها، تذكرنا فورا كوننا فى هم التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان وفى هموم الاستبداد الأخرى عرب ــ وفى المتن أيضا وليس على الهامش ولأمانة وموضوعية الطرح، أسجل امتنانى للمعاملة الرائعة التى وجدناها فى مديرية الأمن العام اللبنانى التى تعين علينا الذهاب إليها للحصول على «سمة مغادرة» لبسمة، وفى سفارة مصر ببيروت من قبل الدبلوماسيين والفريق الإدارى المعاون وأفراد أمن السفارة أصحاب الابتسامات الجميلة، وكذلك فى مطار القاهرة من قبل ضباط الجوازات المختصين والذين أشهد على حسن إدارتهم لمواقف إنسانية صعبة كفقدان الأوراق الشخصية وحوادث أخرى معنا ومع غيرنا.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: فى تفسير غيابات مؤلمة!

نشر فى : الخميس 30 أبريل 2015 - 9:25 ص | آخر تحديث : الخميس 30 أبريل 2015 - 9:25 ص

هى إذن، تفاصيل الإدارة الحكومية للفترة الممتدة بين خمسينيات القرن العشرين وبين 2011 التى تطغى اليوم على المجال العام المصرى، وتتجاهل مجددا حق المواطن فى فرض الرقابة والمساءلة والمحاسبة على أفعال مؤسسات وأجهزة الدولة وممارساتها.

بعض اﻷمثلة من واقع الأيام الماضية:

1. تلى حادثة «صندل الفوسفات» فى نهر النيل التى وقعت فى محافظة قنا تصريحات حكومية سريعة للغاية عن عدم وقوع أضرار، وعن جودة المياه وصلاحيتها للشرب، وعن عينات ومعامل واختبارات ونتيجة وحيدة هى تأكيد أن «كل شىء على ما يرام» دون شفافية أو مساءلة أو محاسبة.

2. يلى ظهور حالات تسمم بين مئات المواطنين فى محافظة الشرقية (البعيدة مئات الكيلومترات عن قنا)، والتداول الإعلامى والشعبى لشكوك حول جودة المياه فى عموم مصر بعد حادثة «صندل الفوسفات» (تفتقد على الأرجح للأساس العلمى)، قيام وزير البيئة رفقة محافظ قنا وأمام عدسات المصورين بشرب كوب من مياه الصنبور للتدليل على جودتها وعلى انتفاء الخطر فى مشهد خمسينياتى وستينياتى صريح وباستدعاء واضح لتقاليد النظم الشمولية والسلطوية القديمة (كالاتحاد السوفييتى السابق)، وتتناقل الصحف والمواقع صور «شرب الوزير والمحافظ للمياه» لفرض الصمت على الناس وإسكات شكوكهم دون شفافية أو مساءلة أو محاسبة.

3. يلى حادثة اصطدام «قطار مترو الأنفاق» ــ قطار الخط الثالث لمترو الأنفاق الذى اصطدم بحائط ــ تصريحات حكومية فورية خالية من الاعتذار من جموع الناس التى تعطلت معايشها ومصالحها اليومية بعد الحادثة، وخالية من تحديد السياق الزمنى لإعادة تشغيل خط مترو الأنفاق المتوقف، ثم معلنة بصبغة انتصارية عودة عمل خط مترو الأنفاق الثالث، هكذا دون شفافية أو مساءلة أو محاسبة.

4. تتواتر التقارير الإعلامية والحقوقية عن جرائم التعذيب فى السجون وفى الأقسام الشرطية وعن تكرر قتل مواطنين فى أماكن الاحتجاز إن بفعل التعذيب أو بفعل سوء الأحوال الصحية والمعيشية، والجهات الرسمية المعنية أى وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية تخرج على الرأى العام بنفى دائم لتورطها فى تعذيب أو انتهاكات وتشكك فى «موضوعية» التقارير الإعلامية والحقوقية وتخلى طرفها من المسئولية بمضامينها القانونية والمجتمعية والسياسية، هكذا دون شفافية أو مساءلة أو محاسبة ــ باستثناء مهم يرتبط بقرار النائب العام التحقيق القانونى فى بعض جرائم التعذيب.

فى هذه الأمثلة الأربعة، تستسيغ الإدارة الحكومية فى مصر الاستعلاء على حق الناس فى المعرفة والحقيقة والمعلومة وتغيب قيم الشفافية والمساءلة والمحاسبة (أ) ﻷن المؤسسات الرقابية إما ليست معنا كما فى شأن البرلمان أو حاضرة فى عجز عملى عن فرض الرقابة على الحكومة، (ب) ﻷن بعض القوانين غائبة وترفض منظومة الحكم / السلطة إصدارها كقانون حرية تداول المعلومات وبعض التعديلات الضرورى إدخالها على قوانين المساءلة والمحاسبة لشاغلى المنصب العام وقوانين مكافحة الفساد وقوانين رقابة مؤسسات وأجهزة الدولة وإصلاحها ترفضها أيضا منظومة الحكم / السلطة، (ج) ﻷن الإرادة السياسية فى دوائر منظومة الحكم / السلطة إما تتعامل مع قيم الشفافية والمساءلة والمحاسبة بنهج تجزيئى (بالقطعة) أو تنظر إليها «كمنح» فوقية تأتى من الحاكم وحده ولا يحق للمواطن أن يطالب بها أو تقاربها على نحو يجردها من المضامين السياسية لهذه القيم أى سيادة القانون وتداول السلطة والمشاركة الشعبية ــ أو بعبارة إجمالية بديلة، ﻷن السلطوية الجديدة لا تعرف إلا الإدارة الحكومية التى تنفرد بشئون المواطن والمجتمع وتمارس الهيمنة الأحادية وتهجر الناس من المجال العام بدلا من إشراكهم ولا تعرف من الشفافية والمساءلة والمحاسبة سوى ما يريده الحكم.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: مقاومة السلطوية الجديدة

نشر فى : الأربعاء 29 أبريل 2015 - 10:10 ص | آخر تحديث : الأربعاء 29 أبريل 2015 - 10:10 ص

ما عاد مقبولا أن ترهن القوى السياسية القليلة التى تعارض السلطوية الجديدة وترفض استتباعها وفقا لثنائيات الحماية ــ العوائد المعهودة دورها فى انتظار حوار يدعو إليه الحكم ويستمع فى سياقه بجدية لوجهات نظر المعارضين، أو فى انتظار انتهاء الدوائر الرسمية من إدخال تعديلات على القوانين الناظمة للانتخابات البرلمانية تحول دون تخليق برلمان مفتت يسيطر عليه الحكم ويديره المال الانتخابى وتغيب عنه الأجندة التشريعية والرقابية، أو فى انتظار إعلان جدول زمنى «حقيقى» لإجراء الانتخابات البرلمانية. فلا الحوارات تتسم بالجدية اللازمة، ولا التعديلات ستغير من البرلمان المفتت القادم، وليس للجداول الزمنية قيمة فعلية.

ما عاد مقبولا أن تستمر قوى المعارضة القليلة، ومعها الحركة الديمقراطية المصرية – المجموعات والأصوات المدافعة عن سيادة القانون والحقوق والحريات من خانات / هوامش مختلفة ودون إطار تنظيمى يجمع شتاتها، حبيسة وضعية الانتظار الدائم ونهج رد الفعل والممارسة اليومية «لإطفاء الحرائق» كلما اشتعلت بسبب تراكم المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات وجرائم التعذيب – وإطفاء الحرائق هذا يظل ضروريا لمقاومة نزوع السلطوية الجديدة للقمع ولفرض الخوف على الناس ولتهجير المواطن والمجتمع المدنى المستقل بعيدا عن المجال العام ودونه تنهار المصداقية الأخلاقية والإنسانية، ويظل أيضا غير كاف للتأسيس لدور مجتمعى فعال وصياغة أجندة متكاملة لعمل المعارضة والحركة الديمقراطية.

دون تراجع عن إطفاء الحرائق، على المعارضة وعلى الحركة الديمقراطية الانفتاح على نقاش جاد وعلنى حول شروط وفرص إيقاف المظالم والانتهاكات، وسبل الانتصار لسيادة القانون وإنقاذ مرفق العدالة، وتفاصيل منظومة العدالة الانتقالية المراد تطبيقها لمحاسبة المتورطين فى الانتهاكات وجبر الضرر عن الضحايا.

دون تراجع عن إطفاء الحرائق، على المعارضة وعلى الحركة الديمقراطية البحث فى شروط وفرص مقاومة السلطوية الجديدة وطغيان الإدارة الأمنية لشئون البلاد، والسبل الفعلية لاستعادة مسار تحول ديمقراطى يضمن إنهاء الوضعية الاستثنائية للمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ويحيى السياسة من مواتها – والانتخابات البرلمانية القادمة حين تجرى وتشكيل البرلمان حى يتم والمداولات البرلمانية حين تبدأ لن تغير على الأرجح من الأمر شيئا، ويحقق تداول السلطة.

دون تراجع عن إطفاء الحرائق، على المعارضة وعلى الحركة الديمقراطية المزج بين العمل على هذه القضايا الكبرى وبين الاهتمام بتفاصيل القرارات والسياسات العامة والاشتباك الموضوعى معها – والشرط الجوهرى هنا هو اقتران النقد والتفنيد بصياغة قرارات وسياسات عامة بديلة وقابلة للتطبيق، وبين العمل على هذه القضايا الكبرى وبين الاقتراب اليومى من المواطن والاشتباك الإيجابى مع ظروفه المعيشية وقضاياه الاقتصادية والاجتماعية – والشرط الجوهرى هنا هو التواجد بين الناس والامتناع عن الاستعلاء على آمالهم المشروعة وأحلامهم البسيطة وهواجسهم غير السياسية، وبين العمل على هذه القضايا الكبرى وبين التضامن مع مؤسسات وأجهزة الدولة فى مواجهتها للإرهاب مع المعارضة المستمرة للعصف بسيادة القانون وبضمانات الحقوق والحريات والمطالبة بالدمج بين الأدوات العسكرية والأمنية وبين الأدوات التنموية والمجتمعية – والشرط الجوهرى هنا هو التعامل بموضوعية مع تحديات الإرهاب والعنف وأولوية تماسك الدولة الوطنية دون انجرار إلى مبالغات «الخطر الشامل» ودون تجاهل لها أو تقليل من أهميتها.

دون تراجع عن إطفاء الحرائق، على المعارضة وعلى الحركة الديمقراطية التفكير النقدى فى حالة القوى والمجموعات والأصوات الفاعلة بداخل سياقاتها، فى مقوماتها البشرية والتنظيمية أو بالأحرى فى الغيابات والنواقص الكثيرة التى تعانى منها، فى خطابها العلنى وسبل استعادة جاذبيته لقطاعات شعبية واسعة ومؤثرة، فى أدوات تجاوزها للتفتيت وللتشظى الراهن الذى يلحق الكثير من الأضرار بصورتها لدى الناس، فى محاذير الخلط بينها وبين أوهام المعارضة من الخارج – والتى تختلف جذريا عن ممارسة المصريات والمصريين المقيمين فى الخارج للحق الطبيعى والمشروع فى الاهتمام بالشأن العام والتعبير السلمى والحر والعلنى عن الرأى المعارض والناقد لما آلت إليه الأوضاع فى مصر، وهو الحق الذى يمتد بالقطع للمنظمات الحقوقية والمنظمات غير الحكومية المصرية العاملة فى الخارج التى تدين المظالم والانتهاكات.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: جاءت سعاد

نشر فى : الثلاثاء 28 أبريل 2015 - 9:20 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 28 أبريل 2015 - 9:20 ص

حق لنا أن نحب الحياة، أن نبحث عن السعادة، أن نفتش عن الجمال ونتنفسه، أن نتشبث ببصيص من الأمل والنور فى فى عتمة اليأس.

واجب علينا أن نرى بوعى الجمال الرائع المحيط بنا فى مصر، أن ننفتح على جمال شعوب وبلاد العرب من حولنا، أن نستعيد ذاكرة حبنا للإبداع والفن والثقافة واللغة التى صنعت لنا هويتنا العربية المشتركة، أن نتذكر أن العالم الذى نعيش نحن العرب فيه وليس خارجه به أيضا من الجمال والإبداع والفن والرقى والتحضر والإنسانية الكثير والكثير مما يستحيل اختزاله فى جهل وصلف أصحاب خطاب كراهية الآخر ومقولات التآمر.

هو صوتها، هى كلمات أغانيها، هو المزيج الإفريقى والعربى والغربى البديع فى ألحانها، هى الحالة التى أخذتنى إليها سعاد ماسى بعيدا عن الأحوال المصرية والعربية المؤلمة، وبعيدا عن قبح الاستبداد والإرهاب والتخلف والفساد، وبعيدا عن خرائط الدماء وجنون الحروب وعبث القتل والعنف والأحزان المتراكمة، وإلى حيث حب الحياة والبحث عن السعادة والتفتيش عن الجمال فى مواجهة القبح والحزن.

جاءت سعاد، وغنت فى احتفاء بجمال الصوت وجمال الكلمة وجمال الألحان. جاءت سعاد، وأدخلتنى إلى عالم الغناء المسحور. جاءت سعاد، فاستدعت إلى وجدانى فن محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وأسمهان ومحمد قنديل وفيروز ووديع الصافى وموسيقى الجاز الإفريقية الغربية وأهازيج الفرح فى المغرب العربى وغرب إفريقيا. جاءت سعاد، فأمضيت اليوم التالى لاحتفائها بالجمال مستمعا لغنائها وغناء البديعة اللبنانية ريما خشيش والرائع العراقى إلهام المدفعى، ومستمعا لمسار إجبارى وكايروكى، ومتمسكا بحب الحياة مع «تلات سلامات» لمحمد قنديل.

جاءت سعاد، فلا كتابة فى السياسة اليوم ــ فقط، أرجوكم لا تواصلوا إلغاء حفلات مسار إجبارى وكايروكى، دعوهم يذكروننا بحقنا فى السعادة وفى التفتيش عن الجمال فى مواجهة القبح والحزن.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: أسئلة ما بعد توقف «العاصفة»

نشر فى : الإثنين 27 أبريل 2015 - 9:25 ص | آخر تحديث : الإثنين 27 أبريل 2015 - 9:25 ص

1. هل توقفت بالفعل الغارات الجوية والعمليات العسكرية لدول «عاصفة الحزم» حين أعلنت السعودية انتهاء حربها هى وحلفاؤها على اليمن أم أن الأنباء التى تواترت عن تجدد الغارات الجوية على «مواقع الحوثيين» خلال الأيام القليلة الماضية صحيحة؟

2. ما هى تفاصيل الخسائر البشرية والمادية التى أحدثتها الغارات الجوية والعمليات العسكرية بالشعب اليمنى وباليمن، بعيدا عن «مواقع الحوثيين» ومواقع قوات الجيش الموالية للرئيس السابق على عبدالله صالح؟ كم عدد الأبرياء من المدنيين الذين قتلوا أو أصبيوا أو شردوا؟ ما هو حجم الدمار الذى لحق بالبنية الأساسية بطرقها ومستشفياتها ومدارسها التى يصعب على اليمن الفقير وفى ظروفه الراهنة تشييدها من جديد؟ ما هى النتائج المباشرة للحرب على اليمن لجهة الأوضاع الإنسانية والمعيشية والصحية لشعبها؟

3. هل تتسم بالدقة تقارير وكالات الإغاثة والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة بشأن أعداد ضحايا «عاصفة الحزم» المدنيين ــ قتلى وجرحى، وبشأن الدمار الذى لحق بالبنية الأساسية، وبشأن استخدام القوة المفرطة فى توجيه غارات جوية ضد مستشفيات ومدارس ومخيمات لاجئين وملاذات للاحتماء من الحرب ارتادها الناس (بما فى ذلك الاحتماء تحت جسور دمرت)؟

4. وإذا كانت تقارير وكالات الأمم المتحدة دقيقة، فلماذا تصمت السعودية وحلفائها فى «عاصفة الحزم» ولا يأتى على ألسنة المتحدثين الرسميين لا اعتذار عن الخسائر البشرية والمادية ولا تفسير لأسباب عدم تجنبها ولا تقطع الوعود الملزمة بجبر الضرر عن الضحايا وإعادة بناء ما دمر وإنهاء الكارثة الإنسانية المحيطة بشعب اليمن؟ ألا تدرك دول «عاصفة الحزم» أنها بذلك تتنكر للحقوق الطبيعية لليمن وتتورط فى تجريد لشعبه من الكرامة الإنسانية؟

5. دون الإضرار بمفاوضات أو بمحادثات قد تكون دائرة اليوم خلف الأبواب المغلقة، ما هى الملامح الرئيسية للتسوية السياسية التى تبحث عنها السعودية «للمسألة اليمنية»؟ ومن هم شركاء السعودية فى إدارة التسوية المأمولة، دول مجلس التعاون الخليجى التى شاركت فى الحرب أم مصر التى شاركت أيضا فى الحرب أم تركيا ذات العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية التجارية القوية مع طرفى الصراع الإقليميين ــ السعودية وإيران؟ وهل تفرض السعودية وحلفاؤها وإيران ومن معها الخرائط الطائفية والمذهبية والقبلية الكارثية على التسوية وعلى الشعب اليمنى، كما فرضت عليه فى الصراعات المتصاعدة قبل الحرب وأثناء الحرب وزجت به إلى حروب الكل ضد الكل العبثية واستباحة دماء الناس لعصابات الإرهاب والعنف؟

6. كيف سينقذ اليمن بعد الحرب والضحايا والدمار من دوامات انهيار السلم الأهلى وانهيار الدولة الوطنية وخرائط الطائفية والمذهبية والقبلية وضعت المعاول الأولى لهدمه وإعمال دينامية التفتت الصومالى فى جسده؟ كيف سيحمى شعبه من إرهاب القاعدة وشظاياها؟ كيف سيحاسب المتورطون فى الدماء والدمار والعنف؟ ما هى الأهمية الفعلية لإنقاذ اليمن مواطنا ومجتمعا ودولة ببناء الديمقراطية وتفعيل سيادة القانون وصون حقوق الناس وحرياتهم فى إطار مواطنة لا تميز؟ وهل تستطيع أطراف إقليمية تفتقد لكل هذه القيم أو للكثير منها أن ترسى دعائمها فى اليمن الذى يوظف كساحة لصراع يتجاوز حدوده بوضوح؟

هى أسئلة يلزم الضمير الإنسانى، كما الموقف المبدئى الرافض للحرب والانتصار لحق اليمن فى البقاء وحق شعبه فى الحياة واحترام كرامتهم وسط الخسائر البشرية والمادية التى لحقت بهم، بطرحها والمطالبة بإجابات واضحة عليها.

 

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: النجاة بمصر ــ ملاحظات تأسيسية (5)

نشر فى : الأحد 26 أبريل 2015 - 9:45 ص | آخر تحديث : الأحد 26 أبريل 2015 - 9:45 ص

إذا كانت الدولة الوطنية العادلة والقوية التى نبحث عن الانتصار لها، هى نقيض دولة العصف بسيادة القانون، وانتهاكات الحقوق والحريات، ونقيض دولة حكم الفرد، ونقيض دولة «الأسرار الكبرى» التى تغيب الحقائق والمعلومات عن المواطن، وتستخف بمقتضيات الشفافية والمشاركة الشعبية، وتتورط فى الاستعلاء على قواعد مساءلة ومحاسبة شاغلى المنصب العام؛ فإنها أيضا دولة الحياد إزاء تمايزات المواطنات والمواطنين الاقتصادية والاجتماعية، وهوياتهم الدينية والمناطقية، وتفضيلاتهم وآرائهم فى الحياة الخاصة والمجال العام، وتمايزاتهم المرتبطة بالنوع.

وإذا كانت قطاعات شعبية واسعة قد رفضت، من بين أمور أخرى، عصف الرئاسة المنتخبة للدكتور محمد مرسى بمبدأ حياد الدولة وتورطها فى الترويج لخطاب إقصائى بامتياز لم يتردد فى توظيف تمايزات الهوية الدينية والمذهبية وخروجها على القواعد الدستورية والقانونية لتمرير استبعاد شاغلى المنصب العام المختلفين معها وللعبث ببعض مؤسسات وأجهزة الدولة، فإن تراكم المظالم والانتهاكات اليوم باتجاه المختلفين مع منظومة الحكم / السلطة وتعميم هيستيريا التصنيف والتخوين والعقاب الجماعى ورفض جر الخطوط الفاصلة بين المعارضة السلمية وبين ممارسة العنف وحمل السلاح يباعد أيضا يين الدولة وبين الالتزام بمبدأ الحياد ويعيد فى أوساط شعبية غير معدومة الأهمية إحياء الصورة النمطية السلبية عن الدولة «الظالمة» التى تميز ضدهم.

هنا تتمثل مسئولية المواطن فى المعارضة السلمية والعلنية لزج منظومة الحكم / السلطة للدولة ومؤسساتها وأجهزتها إلى التخلى عن فريضة الحياد، وفى العمل المستمر للانتصار لحقوق وحريات ضحايا الظلم والتمييز والمطالبة وجبر الضرر عنهم، وفى الضغط من أجل إقرار الدولة لعدالة انتقالية تحاسب على الانتهاكات وممارسات التمييز فى الماضى القريب والحاضر دون معايير مزدوجة أو تجزئة وتضع ضمانات واضحة لعدم تكررها ولعدم تكرر الإفلات من العقاب فى المستقبل.

الدولة الوطنية العادلة والقوية هى، أخيرا، دولة تمتنع عن التغول على مبادرات المواطن الطوعية التى تشغل فضاء المجتمع المدنى والقطاع الخاص، وتدرك أن دورها الأساسى بجانب احتكار الاستخدام المشروع للقوة الجبرية لتمكين الناس من الحياة والمجتمع من التعايش السلمى يتمثل فى صناعة الشروط العامة للتقدم وللتنمية المستدامة ومن ثم تحفيز المجتمع المدنى والقطاع الخاص على إنجازهما ودفع البلاد إلى الأمام. هى، إذن، ليست دولة فرض القيود السلطوية على المنظمات غير الحكومية وفاعلى المجتمع المدنى المتنوعين، وليست دولة استتباع القطاع الخاص عبر ثنائيات تأييد الحكم نظير الحماية والعوائد، وبكل تأكيد هى ليست دولة محاباة رؤوس الأموال الكبيرة على حساب أصحاب الاستثمارات المتوسطة والصغيرة أو التمييز ضد المشاركين فى القطاع الخاص دون ثنائيات التأييد نظير الحماية والعوائد. بل هى دولة تشجع نشاط المجتمع المدنى وتضع قواعد شفافة ونزيهة للمنافسة فى القطاع الخاص، وتكثف جهودها فى ضبط اختلالات اقتصاد السوق عبر آليات وإجراءات العدالة الاجتماعية وفى الارتقاء بمستويات التعليم والرعاية الصحية وشبكات الضمان وفى مكافحة الفقر والعوز والتهميش والبطالة وفى الالتحاق علميا وتكنولوجيا بالبشرية المعاصرة، وفى التطوير والتحديث والإصلاح الهيكلى المتواصل لمؤسساتها وأجهزتها وتحصينها ضد الفساد والبيروقراطية وسوء استغلال المنصب العام ــ هنا الشروط العامة للتقدم وللتنمية المستدامة التى تقع مسئوليتها على الدولة وليس الإعلانات المتواترة عن مشروعات كبرى، وهنا مسئوليتنا فى الضغط السلمى والعلنى على منظومة الحكم / السلطة لكى تتراجع عن تغولها على المواطن والمجتمع وتتحرك بجدية باتجاه الشراكة الحقيقية مع المجتمع المدنى والقطاع الخاص.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

 

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: النجاة بمصر ــ ملاحظات تأسيسية (4)

تمثل الدولة الوطنية العادلة والقوية، شأنها شأن الديمقراطية وسيادة القانون، مقوما أساسيا ﻹخراج الوطن من متواليات الاستبداد والإرهاب والتخلف المتكالبة عليه والمحيطة بنا.
 
 
الدولة الوطنية العادلة والقوية هى دولة المؤسسات والأجهزة القادرة على احتكار الاستخدام المشروع للقوة الجبرية لتمكين المواطن والمجتمع من الوجود الآمن والتعايش السلمى ودون انتهاك للحقوق وللحريات، دولة المؤسسات والأجهزة الملتزمة بسيادة القانون ومضامين العدل والحياد والتوازن فى إدارتها لترابطاتها مع الناس ومبادراتهم الطوعية غير الربحية (المجتمع المدنى) والربحية (القطاع الخاص)، دولة المؤسسات والأجهزة الحامية لحقوق وحريات الناس والمحترمة لقيم الشفافية والمساءلة والمحاسبة ومكافحة الفساد وسوء استغلال المنصب العام والمبتعدة عن التورط فى التستر على مظالم أو انتهاكات أو ممارسات فاسدة.. دولة المؤسسات والأجهزة الممتنعة عن صراعات المصالح والحسابات الضيقة والرافضة إن لوضعية «نحن فوق القانون» الاستبدادية، أو للاستعلاء على المواطن بتغييب الحقائق والمعلومات والحيلولة دون مشاركته فى الشأن العام، دولة المؤسسات والأجهزة الباحثة عن الصالح العام وعن صناعة التقدم بالشراكة مع مبادرات المواطن التى يحفل بها فضاء المجتمع المدنى والقطاع الخاص، دولة المؤسسات والأجهزة التى لا تجعل من ذاتها منظومة حكم أبدية ليس لها غير أن تتسم بالاستبداد والقابلة لتداول السلطة بين أغلبيات وأقليات تبدل ممارسة المواطن لحق الاختيار الحر ونتائج الانتخابات مواقعها.
 
واليوم فى مصر، ولكى ننتصر لهذه الدولة الوطنية العادلة والقوية ولكى ننجو من متواليات الاستبداد والإرهاب والتخلف، يتعين علينا الاجتهاد لتكوين جبهات سلمية وعلنية تدفع فى الاتجاهات التالية:
 
1) احتكار الدولة الوطنية لحق الاستخدام المشروع للقوة الجبرية هو ضرورة وجود لها وضرورة حياة وتعايش للمواطن وللمجتمع. وفى أوضاعنا المصرية الراهنة التى تنشر بها عصابات الإرهاب والعنف والتطرف خرائط دمائها وتحمل السلاح وترتكب جرائمها وتخرج على القانون، وفى أوضاع جوارنا الإقليمى الذى تتصاعد حروبه الأهلية وحروب الكل ضد الكل العبثية، يقتضى ذلك التضامن مع مؤسسات وأجهزة الدولة فى مواجهتها للإرهاب وللعنف والإصرار على حتمية المزج بين الأدوات العسكرية والأمنية وبين الأدوات القانونية والتنموية والمجتمعية وعلى حتمية أن تتوقف الدولة عن التورط فى العصف بسيادة القانون وفى انتهاكات للحقوق وللحريات وفى إجراءات العقاب الجماعى وسوق المبررات الفاسدة لذلك تحت يافطة «مقتضيات الحرب على الإرهاب».
 
2) الدولة الوطنية العادلة والقوية هى نقيض دولة حكم الفرد، هى نقيض دولة الوضعية الاستثنائية للمكون العسكري الأمنى وهيمنته على إدارة الشأن العام واستتباع مؤسسات وأجهزة الدولة الأخرى على نحو يرتب انهيار أدوارها وتآكل فعاليتها، هى نقيض دولة استبعاد المواطن والمجتمع المدنى والقطاع الخاص من المشاركة فى إدارة الشأن العام باستقلالية وحرية، هى نقيض دولة التهديد الدائم بالعقاب والقمع والرفض الدائم لتداول السلطة بعيدا عن المكون العسكري الأمنى المهيمن وعن النخب المتحالفة معه. وﻷن الكثير من هذه الظواهر الكارثية يحيط بنا فى مصر ويزج بنا إلى متواليات الاستبداد والإرهاب والتخلف وينهى فرص استعادة مسار تحول ديمقراطى، فإن مسئوليتنا هى معارضته السلمية والعلنية دون مساومة ــ من داخل الوطن وليس من خارجه.
 
3) الدولة الوطنية العادلة والقوية هى أيضا نقيض دولة الامتناع عن تداول الحقائق والمعلومات، هى نقيض دولة الأسرار والاستعلاء على المواطن والمجتمع بتجاهل مقتضيات الشفافية والمساءلة والمحاسبة، هى نقيض دولة فرض الرأى الواحد والصوت الواحد على الناس والصناعة المستمرة لثلاثية الخطر / الخوف / الصمت للحيلولة بين المواطن وبين طرح الأسئلة الضرورية عن تفاصيل القرارات والسياسات العامة وطلب المساءلة والمحاسبة الفعالة لشاغلى المناصب العامة. هنا، وﻷن مصر مازالت دولة «الأسرار الكبرى» ودولة المواطن الذى لا يعلم لا تفاصيل النشاط الاقتصادى لبعض المؤسسات والأجهزة ولا تفاصيل مشاركة قواته المسلحة فى الحرب على اليمن، تتمثل مسئوليتنا فى توعية الرأى العام وفى المعارضة السلمية والعلنية لاستعلاء منظومة الحكم / السلطة على المواطن والمجتمع ولتداعيات ذلك بالغة السلبية على الدولة الوطنية وعلى منعة مؤسساتها وأجهزتها المرتبطة عضويا بالعدل والشفافية وبقبول شاغلى المنصب العام للمساءلة والمحاسبة وبالإصلاح المستمر وبإشراك الناس.
 
4) الدولة الوطنية العادلة والقوية هى دولة الحياد إزاء تمايزات المواطنات والمواطنين الاقتصادية والاجتماعية، وهوياتهم الدينية والمناطقية، وتفضيلاتهم وآرائهم فى الحياة الخاصة والمجال العام، وتمايزاتهم المرتبطة بالنوع. وإذا كانت قطاعات شعبية واسعة قد رفضت، من بين أمور أخرى، عصف الرئاسة المنتخبة للدكتور محمد مرسى بمبدأ حياد الدولة وتورطها فى الترويج لخطاب إقصائى بامتياز لم يتردد فى توظيف تمايزات الهوية الدينية والمذهبية وخروجها على القواعد الدستورية والقانونية لتمرير استبعاد شاغلى المنصب العام المختلفين معها وللعبث ببعض مؤسسات وأجهزة الدولة، فإن تراكم المظالم والانتهاكات اليوم باتجاه المختلفين مع منظومة الحكم / السلطة الحالية وتعميم هيستيريا التصنيف والتخوين والعقاب الجماعى ورفض جر الخطوط الفاصلة بين المعارضة السلمية وبين ممارسة العنف وحمل السلاح يباعد أيضا يين الدولة وبين الالتزام بمبدأ الحياد ويعيد فى أوساط شعبية غير معدومة الأهمية إحياء الصورة النمطية السلبية عن الدولة «الظالمة» التى تميز ضدهم. هنا أيضا تتمثل مسئوليتنا فى المعارضة السلمية والعلنية، وفى الانتصار لحقوق وحريات ضحايا الظلم والتمييز والمطالبة بجبر الضرر عنهم، وفى الضغط من أجل إقرار الدولة لعدالة انتقالية تحاسب على انتهاكات وممارسات التمييز فى الماضى القريب والحاضر دون تجزئة وتضع ضمانات واضحة لعدم تكررها أو تكرر الإفلات من العقاب.
 
القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: النجاة بمصر ــ ملاحظات تأسيسية (3)

نشر فى : الجمعة 24 أبريل 2015 - 9:40 ص | آخر تحديث : الجمعة 24 أبريل 2015 - 9:40 ص

 

إذا كانت أهمية الانتصار لمقوم الديمقراطية تنبع من ضرورته لإخراج مصر من متواليات الاستبداد والإرهاب والتخلف المحيطة بنا، فإن الانتصار لمقوم سيادة القانون يمثل ضرورة كبرى ثانية. فقط سيادة القانون هى التى تضمن المساواة بين جميع المواطنات والمواطنين وفقا لمبادئ راسخة، فقط هى التى تصون حقوقهم وحرياتهم ومبادراتهم الطوعية ــ فردية وجماعية ــ إزاء نزوع الدولة الدائم لإخضاع المواطن والسيطرة على المجال العام، فقط هى التى تنص على قواعد التقاضى العادل ومن بينها براءة المتهم حتى تثبت إدانته ومحاكمته أمام قاضيه الطبيعى.
اليوم فى مصر، يستدعى الانتصار لمقوم سيادة القانون ما يلى:

 

1) المطالبة باعتماد قانون لحرية تداول المعلومات ملزم لمؤسسات وأجهزة الدولة. فلا مساواة فعلية بين المواطنات والمواطنين ولا حماية لهم إزاء نزوع الدولة لإخضاعهم دون إقرار حقهم فى المعرفة وفى الحصول على المعلومات المتعلقة بالشأن العام دون حجب أو حذف أو اجتزاء.
2) الضغط السلمى والعلنى لسد الثغرات فى البنية الدستورية والقانونية المصرية لجهة ضمانات الحقوق والحريات – نحتاج على سبيل المثال لتحديد قانونى قاطع لجرائم التعذيب وعقوباتها، ولتنقية المواد الدستورية والقوانين من نصوص قديمة وحديثة تعصف بحقوق وحريات المواطن، وتهدد قواعد التقاضى العادل، وتفتح الباب واسعا لتوظيف غير عادل للقانون يتعقب ويقمع ويظلم الفقراء وليس الأغنياء، الضعفاء والمهمشين وليس الأقوياء والقادرين، المختلفين مع منظومة الحكم/ السلطة ومعارضيها وليس جموع المؤيدين والمنتفعين والسائرين فى الركب والصامتين خوفا.
والإشارة هنا إلى نصوص دستورية وقانونية تقضى بجواز محاكمة المدنيين عسكريا، وتتوسع فى اختصاصات القضاء العسكرى، وتلغى الحد الزمنى الأقصى للحبس الاحتياطى، أو تتسم بصياغات مطاطية ــ كما فى تعديلات قانون العقوبات وفى قانون الإرهاب والكيانات الإرهابية ــ ليس لها غير أن ترتب تراكم المظالم والانتهاكات.

 

3) الضغط السلمى والعلنى لصون مرفق العدالة ــ القضاء ــ من الاختلالات التى يحدثها به تطبيق نصوص التعقب والقمع والظلم ونصوص الصياغات المطاطية هذه، وحمايته من اهتزاز الثقة العامة به بفعل تراكم المظالم والانتهاكات.
4) مراقبة ومساءلة ومحاسبة مرافق إنفاذ القانون المتحصنة باستخدام قوة الدولة الجبرية، وفى مقدمتها وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، لجهة الالتزام بمبادئ سيادة القانون وضمانات حقوق وحريات المواطن. ويرتبط بذلك توثيق جميع الانتهاكات التى تتورط بها مرافق إنفاذ القانون، والكشف العلنى عنها، والضغط السلمى من أجل الوصول إلى مساءلة ومحاسبة منضبطة وإلى جبر للضرر عن الضحايا ــ اليوم، على سبيل المثال، تتواتر أنباء حالات التعذيب والموت داخل أماكن الاحتجاز الشرطية وإساءة استخدام القوة الجبرية والسلطة الرسمية من قبل بعض عناصر الأجهزة الأمنية، وجميع ذلك يستلزم المساءلة والمحاسبة.
5) الضغط السلمى والعلنى لتطبيق مبدأ الرقابة القانونية الشاملة لكافة مؤسسات وأجهزة الدولة ــ المنتخبة والمعينة، وخضوعها دون استثناء لآليات وإجراءات المساءلة والمحاسبة القضائية. وليس لغياب مبدأ الرقابة القانونية الشاملة أو لضعف تطبيقه من نتائج سوى حضور دولة الاستبداد والمؤسسة الواحدة والحاكم الفرد.

 

6) ولأن النواقص الراهنة بشأن سيادة القانون ذات صلة عضوية بالأحداث المتتالية منذ صيف 2013، يستدعى تجاوزها التمسك بالإدانة المبدئية للمظالم والانتهاكات التى تورطت بها مؤسسات وأجهزة الدولة فى فض اعتصامى رابعة والنهضة أو فى التعامل مع الفعل الاحتجاجى لجماعة الإخوان وأنصارها بعد 3 يوليو 2013 والمطالبة بالمساءلة والمحاسبة وجبر الضرر فى إطار منظومة للعدالة الانتقالية ــ تماما كما ينبغى دون معايير مزدوجة إدانة ممارسات الخروج على القانون والعنف التى حدثت فى الاعتصامات أو تكررت فى مسيرات ومظاهرات الإخوان وارتبطت بخطاب كراهية ضد المجتمع وبتبرير فاسد لحمل السلاح وللإرهاب وللقتل، والمطالبة بمساءلة ومحاسبة قانونية منضبطة للمتورطين والمحرضين.
7) التمسك بموقف الإدانة المبدئية للمظالم والانتهاكات التى تتورط بها مؤسسات وأجهزة الدولة ضد شباب وطلاب ومواطنات ومواطنين يرفضون السلطوية الجديدة ويأبون الصمت عن القمع وتهجير المواطن من المجال العام، تماما كما ندين الخروج على القانون والنظام العام وممارسات العنف من قبل نفر من المواطنين ونطالب بمحاسبتهم.
غدا أتابع.. غدا، هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

 

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: النجاة بمصر ــ ملاحظات تأسيسية (2)

نشر فى : الخميس 23 أبريل 2015 - 9:20 ص | آخر تحديث : الخميس 23 أبريل 2015 - 9:20 ص

 

إذا كانت النجاة بمصر من أزمتها الراهنة تتمثل فى الانتصار لمقومات الديمقراطية وسيادة القانون والدولة الوطنية صاحبة المؤسسات والأجهزة المتماسكة بعدلها وشفافيتها، وإذا كان الانتصار لمقوم الديمقراطية يستدعى الإصرار على المطالبة السلمية بتعديل بعض القواعد الدستورية ورفض القوانين والتعديلات القانونية صريحة السلطوية ومقاومة مكارثية الرأى الواحد والصوت الواحد ومواجهة الوضعية المزدوجة لموات السياسة كنشاط سلمى وحر وتعددى ولطغيان المكون الأمنى على كل ما عداه من اعتبارات فى إدارة منظومة الحكم / السلطة للشأن العام؛ فإن الانتصار لمقوم الديمقراطية يظل اليوم أيضا على ارتباط عضوى بالالتزام بأربعة مواقف مبدئية تؤسس لشرعية الفكرة الديمقراطية التى تفقد دونها المصداقية والتماسك:
1) التمييز بين 30 يونيو 2013 التى حملت مطلبا ديمقراطيا واضحا ــ الانتخابات الرئاسية المبكرة كآلية شعبية ﻹنهاء رئاسة الدكتور محمد مرسى المنتخبة التى عصفت بالدستور وسيادة القانون وتجاهلت مقتضيات التوافق المجتمعى وهددت هوية البلاد، وبين 3 يوليو 2013 التى عطلت الآليات والإجراءات الديمقراطية ومكنت المكون العسكرى ــ الأمنى من السيطرة على إدارة الشأن العام وورطت مؤسسات وأجهزة الدولة فى مظالم وانتهاكات للحقوق وللحريات ودفعت تحت يافطات مرشح الضرورة ورئيس الضرورة بالقيادة العسكرية إلى رئاسة الجمهورية.
2) إدراك أن إجراء الاستفتاء على الدستور 2014 والانتخابات الرئاسية 2014 ــ على الرغم من التحفظات العديدة التى وردت عليهما لجهة التعبير الحر عن الرأى الآخر وحدود تفعيل حق المواطن فى الاختيار (فالترويج لترشح ورئاسة الضرورة رتب إلغاء الكثير من مضامين الحق فى الاختيار)، منح ترتيبات حكم ما بعد 3 يوليو 2013 إطارا من المشروعية القانونية، وترجم فى صناديق الاقتراع تأييدها من قبل بعض القطاعات الشعبية التى يتعين الامتناع عن الاستعلاء عليها أخلاقيا وإنسانيا وحماية للسلم الأهلى.
3) غير أن إقرار حضور إطار من المشروعية القانونية ومن القبول الشعبى لترتيبات حكم ما بعد 3 يوليو 2013 لا يعنى الصمت عن القواعد الدستورية والقوانين صريحة السلطوية، ولا الصمت عن إماتة السياسة والطغيان الأمنى، ولا الصمت عن المظالم والانتهاكات المتراكمة والعصف بسيادة القانون وبمرفق العدالة وشروط التقاضى العادل، ولا الصمت عن تهجير المواطن من المجال العام وفرض مكارثية الرأى الواحد. بل يعنى الممارسة المستمرة للمعارضة السلمية والعلنية للسلطوية الجديدة من داخل الوطن وليس من خارجه ــ وإن أغضب هذا من يتناسون حقائق تاريخ وجغرافية مصر وسمات مجتمعها ومع التفرقة الحاسمة بين أوهام العمل المعارض من الخارج وبين الحق الطبيعى فى الاهتمام بشئون البلاد والتعبير الحر عن الرأى والانتصار للحقوق وللحريات من الخارج كما فى الداخل.
ويعنى أيضا دفع المعارضة للعمل على استعادة مسار تحول ديمقراطى حقيقى فى مواجهة الحكم وبإصرار على مطلب التداول السلمى والحر للسلطة ــ وبالقطع ليس بتأييد منظومة الحكم / السلطة الحالية ولا من داخلها كما يدعى زيفا بعض المزايدين ورافعى لواء التشويه عند الاختلاف الذين يهددون الفكرة الديمقراطية بالتهافت والركود.
نفر المزايدين هذا يريد للناس ــ وعبثا يريد ــ أن يسقطوا من ذاكرتهم الجمعية ومن وعيهم الراهن مواقف البدايات التى جرت الخطوط الفاصلة بين من رفض الخروج على الآليات والإجراءات الديمقراطية فى 3 يوليو 2013 وحذر من هيمنة المكون العسكرى ــ الأمنى وأدان منذ اللحظة الأولى المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات دون معايير مزدوجة وواصل المطالبة بتطبيق العدالة الانتقالية لمساءلة ومحاسبة المتورطين وعارض القواعد الدستورية والقوانين صريحة السلطوية ولم تحد لا مكارثية الصوت الواحد ولا هيستيريا العقاب الجماعى من التزامه بالفكرة الديمقراطية، وبين من أيد / شارك / تبنى الرمادى من الآراء / صمت فى البدايات ثم (وهو ما يظل أمرا محمودا ولا شك) أعاد النظر فيما بعد.
نفر المزايدين هذا يريد للناس ــ وعبثا يريد ــ أن يسقطوا من ذاكرتهم الجمعية ومن وعيهم الراهن الخطوط الفاصلة بين أصحاب المواقف الديمقراطية، وبين من يدفعهم الهوى الأيديولوجى والسياسى أو حسابات المصالح للاقتراب من تبرير العنف وللخلط بين الانتصار للديمقراطية والاستدعاء الفاسد لقيمها ومبادئها لتمرير ممارسة العنف ضد المواطن والمجتمع والدولة الوطنية ويمتنعون بإصرار الباغين عن إعادة النظر والمراجعة والنقد الذاتى.
4) الانتصار لمقوم الديمقراطية بالعمل على الاقتراب اليومى من المواطنات والمواطنين، دون استعلاء أو تمييز، لإحياء التعاطف الشعبى معه وتفكيك المقايضات الفاسدة للسلطوية الجديدة ــ إما الأمن وإما الحرية، إما الخبز وإما الحرية، إما رئيس الضرورة وإما غياب الاستقرار والفوضى والانهيار ــ واستعادة وعى الناس بالروابط الإيجابية بين الديمقراطية وبين الأمن والتنمية المستدامة والتقدم والاستقرار وتماسك المجتمع والدولة وجميعها لا تتحقق إلا بالعدل.

غدا أتابع.. غدا، هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

 

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: النجاة بمصر ــ ملاحظات تأسيسية (1)

نشر فى : الأربعاء 22 أبريل 2015 - 9:25 ص | آخر تحديث : الأربعاء 22 أبريل 2015 - 9:25 ص

بين صخب فاسد للسلطوية الجديدة تنتجه دوائر رسمية ونخب اقتصادية ومالية وإعلامية وحزبية تقبل استتباعها للحكم نظير الحماية والعوائد، وبين نزوع البعض داخل الحركة الديمقراطية المصرية إلى التورط فى استدعاء سلطوى ومزدوج المعايير لفكرتى المصداقية الأخلاقية والاتساق الفكرى على نحو يمارس ديكتاتورية الرأى الواحد باسم الحق ويرتب رفض الاختلاف باسم الحرية ويحدث باسم العدل ضجيجا لا ينتهى من المزايدات فارغة المضمون، تختلط القيم والمبادئ والمفاهيم على الناس وتتداخل مضامينها لتنفر الكثيرين من مواصلة الاهتمام بالشأن العام وتغيب عن الأذهان مقتضيات إخراج مصر من متواليات الاستبداد والإرهاب والتخلف المتكالبة عليها وتضيع تفاصيل الآراء والمواقف. هنا نصبح إزاء مسئولية عظيمة تتمثل فى مقاومة صخب السلطوية الجديدة وضجيج المزايدين دون خوف، وإجلاء المضامين الأساسية لقيم ولمبادئ ولمفاهيم الحق والحرية والعدل دون تردد، والتأسيس لوضع مقتضيات مواجهة الاستبداد والإرهاب والتخلف أعلى سلم أولويات الوطن دون مساومة.

فمصر لا نجاة لها من أزمتها الراهنة، إلا بانتصارنا لثلاثة مقومات جوهرية لوجودنا على أرضها الجميلة: 1) الديمقراطية التى تمكن المواطن من المشاركة بحرية ودون خوف فى تحديد جوهر الصالح العام وفى صناعة القرار العام والبناء السلمى للتوافق المجتمعى وتمكنه أيضا من مساءلة ومحاسبة الحكام عبر آليات الانتخابات الحرة والدورية وإجراءات تداول السلطة وتفعيل مؤسسات الرقابة الشعبية وأجهزة مكافحة الفساد وسوء استغلال المنصب العام. 2) سيادة القانون التى تضمن المساواة بين جميع المواطنات والمواطنين وتصون حقوقهم وحرياتهم ومبادراتهم الفردية، وتنص على قواعد التقاضى العادل ومن بينها براءة المتهم حتى تثبت إدانته ومحاكمته أمام قاضيه الطبيعى. 3) الدولة الوطنية صاحبة المؤسسات والأجهزة القادرة على احتكار الاستخدام المشروع للقوة الجبرية للحفاظ على حقوق وحريات المواطن فى الواقع المعاش (إنفاذ القانون) وعلى تمكين المجتمع من إدارة علاقاته بسلمية للاقتراب تدريجيا من القيم العليا للتقدم والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وعلى حماية النظام العام العادل الذى لا يقايض الأمن بالحرية ولا يخلط بين الاستقرار بمضامينه الإيجابية وبين تورط مؤسسات وأجهزة الدولة فى صناعة الاستبداد أو المظالم أو الانتهاكات والفساد تتورط بها مؤسسات وأجهزة الدولة.

  • اليوم فى مصر، يلزم الانتصار لمقوم الديمقراطية بما يلى:

1) المطالبة السلمية بتعديل القواعد الدستورية التى تقر للمؤسسة العسكرية وضعية استثنائية تجعل منها دولة فوق الدولة، وتلغى بشأنها مبادئ الشفافية والرقابة والمساءلة والمحاسبة عبر السلطات التشريعية والتنفيذية المنتخبة، وكذلك النصوص الدستورية التى تشرعن المحاكمات العسكرية للمدنيين.

2) رفض القوانين والتعديلات القانونية صريحة السلطوية كقانون التظاهر وقانون الكيانات الإرهابية وتعديلات قوانين العقوبات والإجراءات الجنائية والقضاء العسكرى وغيرها والدعوة السلمية لتعديلها ديمقراطيا، وجبر الضرر عن ضحاياها من شباب وطلاب يواجهون عقوبات سالبة للحرية ومن مواطنات ومواطنين يواجهون كارثة الحبس الاحتياطى غير المحدد بأفق زمنى نهائى أو يزج بهم تباعا إلى القضاء العسكرى.

3) مقاومة مكارثية منظومة الحكم/السلطة التى تفرض على نحو مباشر وعبر وسطائها من النخب الاقتصادية والمالية والإعلامية الرأى الواحد والصوت الواحد، وتوظف هيستيريا العقاب الجماعى والتخوين ومقولات التآمر لاستبعاد الرأى الآخر المدين لانتهاكات الحقوق والحريات، وتستهدف عبر القمع والتهديد المستمر به صناعة حالة من الخوف بين الناس تمكن من إخضاعهم لإرادة الحكم/السلطة أو تهجرهم من المجال العام وتفقدهم من ثم القدرة على مساءلة ومحاسبة الحاكم.

4) مواجهة الوضعية المزدوجة لموات السياسة كنشاط سلمى وحر وتعددى ولتعويل منظومة الحكم/السلطة على طغيان المكون الأمنى على كل ما عداه من اعتبارات فى إدارتها لشئون المواطن والمجتمع والدولة ــ والتى تعيد تفاصيل مشهد الانتخابات البرلمانية المقبل التدليل عليها بجلاء صادم.

غدا أتابع.. غدا، هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

 

القسم: 
المصدر: