محمد فتحي

جيش عظيم غصب عنك

نعم هو جيش عظيم غصب عنك.

جيش يتعلم من أخطائه التى يقع فيها فيحوّل الهزيمة إلى نصر، ويطهر نفسه ذاتياً من أى قيادات فاسدة، أو يتعداها لتصير تاريخاً يُعرف منه كيف يخطط للمستقبل.

نعم هو جيش عظيم غصب عنك، وحين كنا نختلف مع مجلسه العسكرى ولواءاته، لم تطاوعنا ألسنتنا على شتيمة جيشنا، والتشكيك فى وطنيته، وإطلاق شائعات حول وجود انقسامات داخله، لأن سقوط هذا الجيش هو سقوطنا جميعاً، وبديله مرعب، لكنك أعمى القلب والبصيرة وتريد اتباع مبدأ: فيها لاخفيها، وصدقنى لا ستكون فيها، ولا هتخفيها، والأيام أكبر دليل.

نعم هو جيش عظيم غصب عنك.. حتى لو أخطأ بعض أفراده، وحتى لو كنا نهتف ضدهم أو حتى سنهتف لو فعلوا ما يستوجب ذلك مجدداً، فلا ننكر أن الجندى المصرى خير أجناد الأرض، وهى المقولة التى كانت حديثاً شريفاً حين كنت تستخدمها وأنت على وفاق معه، وتعتبره داعماً لك، ثم حوّلتها إلى حديث ضعيف حين اختلفت معه، وهتفت ضده. نعم هو جيش عظيم غصب عنك.. جيش عقيدته القتالية التى لم تتغير أن العدو الأول هو إسرائيل، وأنه مهما طال الزمن سيبقون أعداءنا، مهما أجّلت السياسة والمعاهدات المواجهة القادمة. نعم هو جيش عظيم غصب عنك، وأشرف وأنبل وأعظم من هتافاتك البذيئة وأنت تسير فى مسيراتك لتصفه بأنه (جيش نوال)، وتشبه متحدثه العسكرى الذى تتوارى خجلاً خلف دراساته الحربية، وقيمته العسكرية فى العالم أجمع، بالنساء، وإذا قامت حرب فى تلك اللحظة فقيمة هذا الرجل الذى تسبه وتشتمه أهم منك ومن جماعتك ومن أكذوبة شرعيتك، صحيح أن أحمد على أخطأ بظهوره فى مناسبات اجتماعية تسبّبت له فى العديد من المشاكل، لكن أعرف جيداً قصة تسريب صوره بسبب شهوة أحد الزملاء ورغبته فى تصوير نفسه وكأنه مقرّب من الرجل ومن المؤسسة، كما أعرف أيضاً أن أحمد على لن يحضر مناسبة اجتماعية أو إعلامية أخرى ما بقى حياً. جيش مصر جيش عظيم غصب عنك، ورغبتنا فى أن يبتعد عن السياسة مازلنا نجددها، لكن نحفظ له العهد، والانحياز لإرادة الشعب فى ثورة وليس انقلاباً كما حاولت ترويج الأمر ليتأكد لك أن كلامك كله بلا قيمة، وأن الأمر الواقع أن الخونة سيحاكمون، وأن نموذج الرئيس الإمعة الرويبضة لن يحكم مصر ثانية.

جيش مصر جيش عظيم غصب عنكم جميعاً، ولن تنجح محاولات إفساد فرحة الاحتفال بالذكرى الأربعين لانتصارنا العسكرى الوحيد فى القرن العشرين فى حرب أكتوبر التى دعوتم فى احتفالات العام السابق القتلة والإرهابيين وردّ السجون للاحتفال بها، وحشدتم لها بتليفون كما تحشدون لها الآن. جيش مصر جيش عظيم غصب عنك، ووارد جداً أن نختلف مرة أخرى فى القريب العاجل أو المستقبل البعيد مع بعض قياداته، ووارد جداً أن ندخل فى صدام مع (أشخاص) به، أو نرفض (سياسات) معينة له فى الفترة الانتقالية، ووارد أيضاً أن يعود هتاف: «يسقط يسقط حكم العسكر»، لكننا نتوارى خجلاً واحتراماً وننحنى لجندى يحمل كفنه على إيده ويقف على الحدود، أو ضابط يعد نفسه للشهادة لأن خدمته جاءت فى العريش، وينتظر أن يفتح الإرهابيون الذين أخرجهم رئيسكم المعزول من السجون النار عليه، ونوجه تعظيم سلام لشهداء صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، ولن نكون أداة لهدم جيشنا مهما اختلفنا مع أى (شخص) فيه، ولن نهتف أبداً أبداً أبداً ضد جيش بلدنا..

يا سفلة.

كل عام والجندى المصرى المحترم، والشعب المصرى العظيم بألف خير.

ويبقى انتصار أكتوبر أكبر من قذارة كل من يريد تلويثه.

القسم: 
المصدر: 

«التاتش بتاعهم» الله يحرقه

هو (التاتش بتاعهم) الذى يذهب بنا إلى 60 داهية، ويبوّظ سمعتنا، ويجعلنا نشد فى شعرنا، بسبب ما يجرى حولنا من ناس يفترض بهم الحكمة فى معالجة الأمور، لكنهم يفضلون أن يضعوا (التاتش بتاعهم) فينيلوها بـ60 ألف نيلة.

نحن الذين ابتلانا الله بنائب عام ملاكى، كان اسمه عبدالمجيد محمود، فاستبدله مرسى بنائب عام ملاكى اسمه طلعت عبدالله، فاستبدله النظام الجديد بنائب عام المحسوبية هشام بركات، الذى قام سيادته بنقل ابنه من نيابة الأسرة لنيابة أمن الدولة العليا، وابنته من النيابة الإدارية لمكتب التعاون الدولى بوزارة العدل، وزوج ابنته من القضاء إلى المكتب الفنى للنائب العام، ويالها من عائلة قضائية محترمة!!

سيقول واحد حبيبهم إنهم عباقرة وجهابذة ويستحقون النقل والترقية والبدلات والبرستيج، وسنقول لهم إن الأسطورة تقول: هناك من هو أفضل دائماً لكنه ليس ابن نائب عام أو مستشار، ولهذا فليذهب إلى داهية، كما تقول (الأصول) المحترمة التى يعرفها ولاد الأصول فقط: اتقوا مواطن الشبهات، لكن ماذا تفعل فى التاتش بتاعهم؟

وبمناسبة المحسوبية، نشرت (الوطن) مستندات تؤكد سفر نجل وزير الأوقاف وزوجته لأداء فريضة الحج على نفقة الوزارة بالمخالفة للقانون، ولأن التاتش يحكم، فقد رد السيد وزير الأوقاف على الأمر بإيصال ملعوب فى تاريخه بشكل لا تخطئه عين!! وهكذا يلعب التاتش بتاعهم دوراً فى جعلنا نضحك، ونشد فى شعرنا!!

هناك أيضاً التاتش بتاعهم فى القضية المتعلقة بتوفيق عكاشة وقناته الفراعين والشبهات حولها وحول كونها بابا خلفيا لأجهزة أمنية، إضافة إلى سفالتها وانحطاطها وقذارتها، والشتائم والاتهامات المجانية التى تذاع خلالها، سواء من (العكش) أو (أنثى العكش) أو ضيفهما الشهير ببذاءاته، ورغم قلة الأدب والسفالة المتكررة من المذكورين، فإن أحداً لم يقترب منهما حتى كانت اللحظة التى قررت فيها إدارة «النايل سات» أن تغلق المحطة لمخالفتها بنود العقد، لكنك لا تعرف من تدخل من أى جهة ليجبر «النايل سات» على قبول اعتذار ركيك، كتبته القناة على شاشتها لتعود من جديد، ليكون التاتش بتاعهم الله يحرقه، معناه أن العكش مسنود، وأنه سيعود بالمخالفة للقوانين وبنود العقد، ولم يخبرنا أحد لماذا تتقاعس الشرطة عن القبض على عكاشة المحكوم عليه بحكم نهائى بالحبس فى قضية سب وقذف طليقته وعدم الاعتراف بابنه؟ وسلم لى على القانون.

التاتش بتاعهم أيضاً وصل لمستويات عليا، فاللواء أحمد وصفى، قائد الجيش الثانى الميدانى، رجل وطنى ومحترم، وأفسد محاولات مرسى والإخوان لضرب استقرار الجيش المصرى، لكن يبدو أن الرجل الذى تتبارى وسائل الإعلام على استضافته ويرفض، قرر فجأة أن يقبل، ليقوم بسلسلة حوارات إعلامية عبر قنوات فضائية وصحف مختلفة، يتجرأ كل منهم أن يؤكد أن ما فعله (انفراد) و(حصرى) بينما نفس الرجل مع مذيع آخر أو صحفى مختلف فى وسيلة إعلامية أخرى ليقول نفس الكلام، وهو ما يؤكد أن التاتش بتاع الشئون المعنوية فى حاجة لمراجعة، أو أن أجهزة استقبالنا هى التى تعطلت لكى لا نفهم أن أحمد وصفى يتم إعداده ليصير وزيراً للدفاع، إذا ما ترشح الفريق السيسى للرئاسة، وفى كل الأحوال، كان يمكن للتاتش بتاعهم أن يكون أكثر ذكاء لكن «هى عادتهم والا هيشتروها»؟؟

القسم: 
المصدر: 

عن المخابرات التى نعشقها

كتبت كثيراً عن جهاز المخابرات العامة المصرية، لم أكن أتصور أن أغلب كتاباتى عنه كانت فى صورة نقد حاد بسبب قياداته أحياناً، وبسبب تصرفات تشم فيها رائحتها فى أحيان أخرى، لأن المكانة التى توجد فى قلوبنا للمخابرات المصرية عظيمة وضخمة.

بعد النكسة تمت محاكمة صلاح نصر، مدير الجهاز الأسطورى والشهير، فى القضية الشهيرة بفساد جهاز المخابرات، رغم أن الكثير من تلاميذه ظلوا يعملون ويدينون له بالفضل، لأنه بعيداً عن مخالفاته يعد الأكثر تأثيراً على الجهاز والأبرز فى تأسيسه وتنظيمه بصحبة رجال أفذاذ لا نعرف حتى أسماءهم الحقيقية، وظل البعض يخاف من مجرد المرور بجانب أسوارها، لكن بفضل أعمال أدبية ودرامية للراحلين العظماء صالح مرسى وماهر عبدالحميد، ثم بمجهود ضخم من أستاذى د. نبيل فاروق بدأنا نعرف أحمد الهوان ورفعت الجمال وقصص الصعود إلى الهاوية وسامية فهمى، وصرنا نعشق شخصية أسطورية حفرت بصماتها فى أرواح أجيال، وهى شخصية أدهم صبرى ضابط المخابرات المصرى الملقب بـ«رجل المستحيل» الذى أبدع نبيل فاروق فى وصفه، ثم اهتزت بشدة صورة الجهاز بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتورط قادتها السابقين فى لعبة السياسة القذرة، لنكتشف ضحالة بعضهم، وتواضع البعض الآخر، لدرجة شككتنا فى المثير من ثوابتنا، لا سيما فى الأدوار التى لعبها كل من يحمل صفة خبير استراتيجى وأمنى لمجرد أنه كان ضابطاً أو وكيلاً للمخابرات، وكأن ذلك يسمح له بـ(الفتْى) و(الهرى) والنزول من حنفيات البرامج، ليشتبك كثير منا مع أسماء صارت مقررة علينا فى حياتنا بعد أن كان اسم مدير الجهاز مجهولاً لدى الجميع.

ثم خرجت أعمال درامية ركيكة، وفيلم وثائقى ضعيف لمحاولة تحسين صورة الجهاز، وتسبب ذلك فى مقارنة تلك الأعمال بالصورة الكاريكاتورية التى صنعتها نادية الجندى للجهاز حين مثلت دور عميلة للمخابرات المصرية وهى تردد كلمة السر: «خالتى بتسلم عليك»!!!

لماذا أكتب كل ذلك؟؟

أكتب كل ذلك لأقول للقيادات هناك: حرام.. لا تتورطوا فى السياسة. حجِّموا كل من يتكلم باسمكم مختبئاً خلف صفة وكيل الجهاز سابقاً، وأعيدوا علينا سرد أحداث لا يعرفها أحد، عن بطولات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

لا أطالب باستخدام نفس قانون الإفراج عن الوثائق والمعلومات الذى تتبعه الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، بكشف العديد من المعلومات كل فترة وفق القانون تتراوح بين 25 و50 عاماً وتصل أحياناً لـ75 عاماً، لكن أطالب فى ذكرى الاحتفالات بحرب أكتوبر بأن تكشف لنا المخابرات عن دورها العظيم فى هذه الحرب، وأن توكل لمن يستحق فرصة الكتابة عن عملية عظيمة مثل عملية خرائط النابالم التى لا يعرف أحد كيف تعاملت معها المخابرات المصرية بمنتهى الحنكة والمهارة، وكيف كان محمد نسيم ابن الجمالية ضابط مخابرات فذاً، ومن طراز رفيع يشهد به العالم، وكيف كان الفريق أول رفعت جبريل ثعلباً حقيقياً قبض على الجاسوس الإسرائيلى باروخ مزراحى، وكيف طاردته وحدات «الموساد» فى الصحراء حتى استطاع العودة بالجاسوس الذى بادلته مصر بفدائيين فلسطينيين.

اجعلوا من قصص البطولات مقررات دراسية لطلاب الإعدادية والثانوية، وعرفوهم على صفحات عظيمة من تاريخنا لا تزال حبيسة الأدراج لأن الأمر على ما يبدو يدار بالعقلية القديمة، للدرجة التى تجعل إسرائيل تشكك بين الحين والآخر فى أشرف مروان، ورفعت الجمال، بينما المخابرات المصرية تلتزم الصمت.

نحن فى انتظار الكشف عن بطولاتكم المتعلقة بحرب أكتوبر فى هذه الأيام العظيمة، ليعلم الناس أن المخابرات العامة المصرية فيها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأن بطولاتهم لا تفنى، ولا تستحدث من عدم، ولن ينساها أحد أبداً

كما أننا فى انتظار أن تتفرغوا -فقط- للصراع مع أعداء مصر فى الخارج، والداخل.. وهم أكثر من الهمّ على القلب

ممكن؟؟

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: مقعد فى الجنة.. جنب الشباك!!!

كثيرون هم الأراجوزات فى حياتنا، هناك من يرتدى منهم قناع المناضل، أو قناع الإعلامى، أو قناع السياسى، أو حتى قناع رئيس البلاد، لكن هذا لا يغير من حقيقة كونهم أراجوزات بمعنى الكلمة، ولن يغير القناع من تكوينهم وتركيبتهم النفسية مهما كانت المسميات والألقاب التى يتوارون خلفها، أو المهنة التى ينتمون إليها.

أمس.. أرسل لى الصديق طه فرغلى صورة لمانشيتات جريدة الشعب، والتى كانت كالتالى:

■ «6 أكتوبر: يوم الفرقان بين الحق والباطل».

■ «احجز مقعدك بين الجنة والنار».

■ «سنزحف للتحرير، وهو أنسب يوم للشهادة والقصاص من قتلة الشعب».

وعلى يسار العناوين الرئيسية علامة رابعة الصفراء وبجانبها 6 أكتوبر، وأسفلها صور السيسى ومحمد إبراهيم وعلى جمعة!!!

تصدر هذه الجريدة فى مصر، وتطبع فى مطابع حكومية، وتوزع على باعة الصحف، فى الوقت الذى يتباكى فيه كثيرون على إغلاق قنوات دينية محرضة، ويقولون إنهم يواجهون حصاراً إعلامياً وتضليلاً كبيراً، وتزييفاً للواقع.

حسناً.. هذا هو الواقع.

لم يتعظ أحد من الدرس، وما زال يصور الأمر على أنه صراع بين أصحاب الجنة، وأصحاب النار، ولا يزال الباشا المناضل يتصور أن معه مفاتيح الجنة والنار، وأن من سينزل معه سيتخير مقعده فى الجنة، بينما من يرفض أو ينزل ضده سيتخير مقعده من النار.

جريدة «الشعب» لها تاريخ لطيف، فهى مثلاً كانت الجريدة التى نشرت شتائم زكى بدر وزير الداخلية الأسبق للمعارضة فى صفحتها الأولى شاملة سب الدين والبذاءة وشتيمة الأب والأم وفلان ده ابن كذا كذا، وعلان ابن كذا وهكذا، رغم أنها ذات خلفية إسلامية.

وهى ذات الجريدة التى نشرت مقالاً لمحمد عباس يحرض فيه على رواية لأديب سورى وهو يكتب: من يبايعنى على الموت؟، فخرجت مظاهرات عنيفة من جامعة الأزهر، وكان طلابها الذين تظاهروا لم يقرأوا الرواية أصلاً، وإنما حملوا مقال عباس، الذى دارت به الأيام حتى أصبح رئيساً لحزب أبوإسماعيل!!!

أما مجدى حسين نفسه فهو ذلك الرجل الذى قدم نفسه كمناضل اعتقل لسنوات، وكان حاضراً للاجتماع الشهير مع مرسيه عن أزمة سد النهضة فطلب من الجميع أن يقسموا على المصحف ألا يخرج الموضوع خارجهم رغم كونه كان مذاعاً على الهواء!!

وفى نفس الوقت فمجدى حسين من محرضى منصة رابعة، وهو أيضاً من أشهر المحرضين فى صفحته على فيس بوك، وله (بوست) مشهور قبل 30 أغسطس يقول فيه نصاً: «لا تتعجلوا اقتحام المبانى الحكومية.. المهمة الرئيسية تفكيك الجيش والشرطة»!!!!

مجدى حسين إذن ضمن (رهط) من الإخوان المسلمين ومناصريهم لم يتعلم الدرس، ولا يزال يرى أنها معركة دينية، وأن التحريض والتسخين وإشعال الموقف فى السادس من أكتوبر هو الذى سيفرق بين الحق والباطل، ولا مانع لديه أبداً أبداً من أن يموت الناس فى هذا اليوم، فهم إن كانوا ضمن معسكره فسيكونون شهداء يدخلون الجنة، وإن كانوا من الآخرين فهم أولاد كلب، وسيدخلون النار!!!

والمصيبة الكبرى أن (غباء) ما يفعله مجدى حسين، وأمثاله، وغباء ما يفعله (عصام العريان) ببياناته، هو ما يؤدى فعلاً لإيجاد مبرر لمزيد من العنف ضد من سينزل الشارع فى هذا اليوم لو تطورت الأمور، وخرجت عن السيطرة فى محاولة لضرب كرسى فى الكلوب يوم ذكرى انتصارنا الوحيد، والأكيد، فى القرن العشرين.

أمثال مجدى حسين سواء كانوا فى معسكره أو فى المعسكر المضاد هم سبب وكستنا جميعاً، لكن مجدى ورفاقه ممن يعدوننا بالجنة لو كنا معهم، ويهددوننا بالنار وكأنهم متحدثون رسميون باسم ربنا سبحانه وتعالى، هم الذين يستحقون منا كل احتقار، والمشكلة أن القبض على أمثاله، ومصادرة جريدة محرضة تحمل هذه العناوين، فرصة ذهبية لهم للمتاجرة التى يتميزون فيها سواء فى الدم.. أو فى الدين.

 

 

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: 

حتى لا يصبح مثل دستور الإخوان

قبل عدة أشهر تعاملت مع الدستور الذى عكف الإخوان ومناصروهم على إعداده بمبدأ: دعنا نرَ أسلوب العمل والنتائج قبل أن نحكم.

كان أسلوب العمل مقيتاً، والغرور وصل لأقصاه، والناس من داخل اللجنة تردد أنه أعظم دستور فى الكون، واللجنة تتعامل بتعالٍ غريب وإقصاء شديد للآخر، وبدلاً من أن تكون ممثلة للمصريين أصبحت ممثلة للتيار الإسلامى بإخوانه وسلفييه وجماعته الإسلامية، وهكذا حدثت الخلافات، ثم الانسحابات، ثم تم طبخ الدستور فى «نص الليل»، ولم يحدث التوافق الذى وعد به «مرسى وإخوانه»، وتم العمل بمبدأ: الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا. وتم الدفع بالدستور سريعاً للاستفتاء الذى نعرف جميعاً أن المصريين لم يقولوا فيه أبداً أبداً: لا.

هكذا رفضنا الدستور، ورفضنا الجهل الذى تم التعامل به مع صياغة مواده، مع المواءمات السياسية التى جعلت جهلاء، بالمعنى الحقيقى للكلمة، يشاركون فى التخطيط لمستقبل مصر ووضع دستورها.

حسناً.. ما الذى تغير فيما يحدث الآن من لجنة الخمسين القائمة على وضع الدستور الجديد؟

أنا أعتقد أنه لا شىء.

- تم التعامل مع الأمر بمبدأ الأغلبية والإقصاء، واللى يحبنا ما يضربش نار.

- اختيارات اللجنة تنم عن «شللية» و«محاباة» و«كوسة» واضحة فى بعض الأسماء التى لا تختلف عن الأسماء التى انتقدناها فى دستور الإخوان.

- جلسات الحوار التى تم تنظيمها لا يسمح فيها بالكلام لأكثر من ثلاث دقائق، ولا تكفى لحوار مجتمعى حقيقى ملىء بالاقتراحات المهمة.

والآن.. ما المعضلة التى تواجهنا؟

المعضلة قلتها للصديق العزيز محمود بدر، ممثل حركة تمرد فى لجنة الخمسين.

حتى لو لم يعجبنا الأداء، وحتى لو كانت هناك تحفظات لنا على الأسماء، فنحن فى انتظار النتيجة، ولا يستقيم أبداً أن يكون فى هذه النتيجة ما هو مخالف لكل منطق.

يعنى مثلاً: هناك توافق من القوى السياسية المختلفة، بمختلف تياراتها، حول ضرورة إلغاء محاكمة المدنيين محاكمات عسكرية، بينما الجيش يرفض ذلك.

من الذى سيحسم هذا الجدل فى النهاية؟ وما المعنى الذى سيصل للجميع حين تخرج المادة كما هى بلا تعديل أو إلغاء؟

المعنى واضح.. كل ما يحدث مسرحية، وكل من فيها لهم أدوار محددة سلفاً.

سيقول أحدهم: نحن فى حرب. نحن فى حالة استثنائية ولا نعرف ما الذى يمكن أن يحدث غداً. وأقول لهؤلاء: طيب ما انت أصلاً تحكمنا الآن بالطوارئ، وإذا كان الوضع استثنائياً فلماذا تريد فرضه فى القانون؟ وإذا كان لك من القوة والسلطة والطوارئ ما يجعلك تقبض على الناس وتعتقلهم بموجب قانون الطوارئ فى الظروف الاستثنائية الحالية، فما الذى يجعلك مُصراً على استمرار هذا الوضع لو كانت نواياك سليمة؟

الأمر نفسه يتفق مع المادة الخاصة بإلغاء حبس الصحفيين فى قضايا النشر.

هناك توافق حول تلك المادة، ودعك من النقابة المرتعشة والنقيب المقلب الذى شربه الصحفيون بالهنا والشفا. هذا حق أصيل للصحفيين الذين لا يفهم منتقدوهم أنه لا توجد على رأسهم ريشة، وأنهم يحاكمون ويحبسون فى القضايا العادية المتعلقة بسلوكهم الشخصى مثلهم مثل الجميع، فلماذا تصر على حبسهم فى قضايا النشر؟ ولماذا لا تستبدل النشر بغرامة تقطم وسط الصحفى المتجاوز هو وجريدته واللى مشغلينه بدلاً من حبسه بالمزاج والتلفيق؟

ثم إذا سمحت أخبرنى بالله عليك.. إذا كان هناك توافق من الجميع على تلك المادة، ثم خرج الدستور دون وجود هذه المادة فما معنى ذلك؟

أخيراً.. أصدقاؤنا وزملاؤنا والشخصيات العامة، وحتى من نكرههم من الموجودين فى لجنة الخمسين.. هناك شىء اسمه المبدأ.. فإن خرج الدستور الذى تسهمون فى صياغته عكس مبادئكم التى صدعتمونا بها ليل نهار فاعلموا أنكم كنتم عرائس جوانتى لا أكثر ولا أقل، يرتديكم صاحب السلطة الحقيقية، ووقتها أعتقد أنكم ستواجهون صعوبة كبيرة فى مواجهة أقرانكم الذين لن يقبلوكم، مثلما لم تقبلوا أنتم هؤلاء الذين أخطأوا من قبل.

لا تلعنوا الإخوان، ثم تكونوا مثلهم..

خصوصاً فى الدستور.

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: سامى عنان ده روحى روحى روحى

تقول الخالة نعيمة:

- «أصدكائى الأطفال.. أهلاً بيكم فى حلقة جديدة من...»..

استنى استنى استنى.. بقول لك إيه يا واد.

- نعم يا خالتى.

- إمبارح وانا قاعدة بخيط فى قفا خالتك مصر، انت مش غريب يعنى، العيال ولادها ضاربينها بمفك ومعلم فيها وعمالة تشلب دم لغاية دلوقت..

ببص لقيت ريحة غريبة من ناحية الجرايد.. وزغاريط زغاريط زغاريط زغاريط.. كان فيه حاجة إن شاااااااااااااااااااااااااااااااااااء الله..

- لا.. ده سامى عنان بيلمع نفسه يا خالتى نعيمة.. أصله ناوى ينزل انتخابات الرياسة عقبال عندك.

- يلا.. ما هى لمت!!

- واضح إنك بتحبيه أوى يا خالتى.

- شوف، هو سامى من دون كل اخواته روحى روحى روحى روحى.. قال إيه بقى سامى عنان وهو بيلمع نفسه، عشان أنا عارفاه بيحب ينخع؟

- أبداً يا خالتى.. عمل فيها ملاك برىء طاهر، وقال لك ما ضربناش المصريين، ولا سلمنا البلد للإخوان.

- قال كده يا واااااد؟!

- آه والله يا خالتى.. اللى خلاه جاتله الجرأة يتكلم ويطلع تانى أصلاً مش هتجيله إنه يقول كده؟

- يلا بخاطره.. انت عارف الواد ده أنا عاجناه وخابزاه. إنما دوناً عن كل اخواته سامى ده روحى روحى روحى روحى.. وعلى كده جاب سيرة البت؟

- بت مين يا خالتى؟

- البت اللى قلعوها وسحلوها فى التحرير.. ما هو اللى عمل كده واحد من رجالته.

- لا يا خالتى.. بلع لسانه وما اتكلمش.

- ولا سيرة محمد محمود، والانتخابات، وأحداث مجلس الوزراء، والناس اللى اتعذبت فى مجلس الشورى، والناس اللى ماتت؟

- لا والله يا خالتى.. عمل من بنها.

- يلا بخاطره.. هو طول عمره الواد ده دوناً عن اخواته غاوى يعمل من بنها.. تبقى الناس بتموت وتتقتل فى الشوارع وهو ولا هنا.. ولا كلمة ولا نفس.. مش بقول لك: سامى ده روحى روحى روحى روحى.

- واضح إن انتى بتعزيه يا خالتى.

- خلاص بقى خلينا نبدأ الحلقة..

«أصدكائى الأطفال.. أهلاً بيكم فى حلقة جديدة من برنامجكم.. وهحكيلكم عن واحد كان منصبه كبير، وبيدوّر على رئاسة البلد، فراح مسلط إعلامى أراجوز عشان يقول إن السيسى إخوان، ويشتم فيه ويشكك فى إخلاصه للجيش و...».

استنى استنى استنى.. بقول لك إيه يا واد..

- خير يا خالتى؟

- إمبارح وانا بخيط فى قفا مصر، انت مش غريب يعنى، كان فيه مجلس كده ماسكها فى فترة انتقالية طفّحها الكوتة، وطلع عينين اللى جايبينها، ببص لقيت ريحة غريبة كده جاية من 3 جرايد، وزغاريط زغاريط زغاريط زغاريط.. كان فيه حاجة إن شاء الله؟!

- آه.. ده كان سامى عنان بيفكر ينشر الجزء التانى من مذكراته وخد كتف قانونى.

- برضه؟ كان عايز يعملها تانى برضه؟ مش كفاية عملها على روحه المرة الأولانية؟

- آه والله يا خالتى.

- ويا ترى هيجيب فيها سيرة مرسى لما ركنه ع الرف، وفضل مستشار ليه، وبلع لسانه بعد ما لبسه الجلابية، وبعدين جه يعمل الـ7 رجالة ويستقيل بعد يوم 30؟

- لا يا خالتى.. ربنا حليم ستار.

- ولا هيجيب فيها سيرة الخبر اللى سربه المجلس بتاعه إن رئيس مصر ممكن يكون دكتور جامعة، وكان ساعتها مرسى لسه ما اترشحش أصلاً، ولا الإخوان داخلين الرياسة.

- متهيألى مش هيعرف يتكلم فى دى يا خالتى.. بلاش إحراج للراجل.

- يلا بشوقه.. حاكم هو لما بيتكلم بيلخبط الدنيا واحنا لو اتكلمنا مش هنخلص.. خلينا فى البرنامج.

«أصدكائى الأطفال.. أهلاً بيكم فى حلقة جديدة من برنامجنا: اختشى يا سامى و...»..

استنى استنى.. بقول لك إيه يا واد..

إمبارح وأنا بخيط فى ورك خالتك مصر، انت مش غريب يعنى، فيه اللى عايز الصدر وفيه اللى عايز الورك وأنا بحاول أخيط اللى أقدر عليه، لقيت من ناحيتكم زغاريط زغاريط زغاريط زغاريط.. كان فيه حاجة إن شااااء الله؟

- أيوه كنا بنقول إن سامى عنان مش هيحكمنا ولو شاف حلمة ودنه، وإن وضعه الطبيعى إنه يتحاكم هو وطنطاوى.. وهيتحاكموا يا خالتى.. اعتبريه وعد.

 

 

 

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: 

درس «عبدالناصر» الذى لم يتعلمه أحد

يظل جمال عبدالناصر حاضراً رغم الغياب.

يظل رمزاً لمرحلة تحول فيها المصريون إلى أصحاب حلم، بعد أن كانت حياتهم كوابيس يحاولون اللحاق بدورهم فيها.

يظل الوحيد الذى رأوه فى دور «المخلِّص» و«المنقذ»، بعد سنوات عجاف من الانزواء فى ظلام احتلال رضى به كثيرون وتعاملوا معه كواقع ينبغى التعامل معه كمفردة طبيعية فى حياتهم.

لست من دراويش «عبدالناصر»، ولست من الموغلين فى كراهيته، لكن الرجل يظل حالة متفردة فى تاريخ مصر الحديث، وصاحب بصمة مستمرة فى حياة المصريين، ولو أن هناك علماً يمكن تسميته علم نفس الشعوب لظل «عبدالناصر» لغزاً كبيراً مثيراً للجدل عند باحثى هذا العلم.

فهم عبدالناصر سيكولوجية الشعب المصرى، وشعروا بأنه منهم ويتكلم بلغتهم، لدرجة جعلتهم يقبلون منه أن يقول لهم: «أنا الذى علمتكم الكرامة»، ولم ولن يقبلوها من غيره.

قبلوا أن يسجنهم رجاله، ورفضوا قمعهم، لكنهم ظلوا يدعون له، ويترحمون عليه حتى يومنا هذا!!

صحيح أنه من الصعب أن تجد شخصاً مشاعره موضوعية تجاه جمال عبدالناصر تحديداً؛ حيث تفقد الموضوعية معناها أمام كاريزما غريبة لرجل حار كثيرون فى فهمه، لكن الدرس الذى لم ينتبه إليه أحد، أو لعلهم عرفوه، لكن لم يفهموه، وربما فهموه لكنهم لم يستطيعوا تطبيقه، هو أن جمال عبدالناصر نموذج حقيقى لزعيم يكسب الشعب والناس البسطاء، فيواجه به أى عدو، أياً كان، وللأبد، ومهما ظن خصومه أنه خسر، يخرج منتصراً ومحبوباً أكثر من الشعب.

حتى فى أشد لحظات «عبدالناصر» ضعفاً، كان من الذكاء والشجاعة بحيث يعترف بالهزيمة بعد النكسة، ويكلف زكريا محيى الدين بأن يحل محله، لكنه خرج منتصراً من جديد، بعد أن خرج الناس من أجله، ورفضوا تنحيه.

علاقة غريبة بين الجنرال الذى يكلم البسطاء بلغتهم، ويشعرون أنه منهم، فيكسب فى النهاية معاركه مهما طالت، ولذلك فـ«عبدالناصر» ما زال منتصراً حتى اليوم، ولم يتعلم أحد ممن حكموا مصر بعده هذا الدرس:

اكسب الناس.

كن مع الشعب تربح كل معاركك أياً كانت.

لا تدخل فى معارك تافهة لتأمين منصبك وكرسيك، بل ادخل فى معارك الناس، وسينحازون لك فى كل معاركك المقبلة لأنهم سيعتبرونك بطلهم.

حتى الذين رفضوا «عبدالناصر» وكرهوه، وحتى خصومه، لم يستطيعوا أن يهزموه؛ لأنهم لم يتعلموا هذا الدرس، وحين ناصبوه العداء لم يفهموا أنهم يناصبونه ومَن معه مِن ملايين البسطاء الذين يحلمون ويحلمون ويحلمون، وهكذا كان «عبدالناصر» الزعيم المصرى الوحيد الذى خرج من كل معاركه منتصراً حتى لو تمت هزيمته مثلما حدث فى النكسة.

صحيح أنه كان عظيم المجد والأخطاء، لكن هذا الشعب يحب ويكره، ولا يقيم زعماءه بميزان الإنجاز والبرامج الانتخابية، فإن كسبته وأحبك فاحرص على ألا يكرهك فتخسره إلى الأبد، وهذا ما فعله «عبدالناصر» رغم أخطائه وخطاياه، ورغم قوته وبطشه، ورغم الحوادث والأحداث.

وحين مات «عبدالناصر» الذى حلت ذكراه بالأمس، كان خروج الناس وكأنه استفتاء حقيقى على بقائه فى قلوب الشعب إلى الأبد، وحتى الشعوب العربية أقامت له عزاء وجنازات رمزية. بالأمس سألنى الأستاذ محمد عاشور عن تفسيرى لمحبة أجيال عديدة لـ«عبدالناصر» رغم أنها لم تولد فى عهده ولم تعش عصره، وكان ردى أنه ميراث المحبة.

تحية لـ«عبدالناصر» فى ذكراه، ودعواتكم أن يتعلم الرئيس القادم من درس «عبدالناصر» التاريخى والمستمر.

القسم: 
المصدر: 

البحث عن زمن البراءة

فى الطريق إلى مدرستى القديمة أعددت نفسى لكل الاحتمالات؛ فهناك من أساتذتى من لن يتذكرنى وهناك من خرج على المعاش وهناك من تم نقله وهناك من توفاه الله.

قلت لنفسى إن شيئاً لن ينتقص من البهجة التى أبحث عنها، وقررت أن أتقبل مجريات القدر والأيام وتصاريف الزمن على البشر.

فى مدرسة الشهيد مصطفى الطباخ الابتدائية فى الشرابية كانت «دادة ليلى» فى نفس مكانها بجوار الباب، وبنفس ابتسامتها القديمة، وكأنها على حطّة إيدك، بينما فرّاش جديد ينظر لى بدهشة: رايح فين يا أستاذ؟

كيف تحول الـ«ياض» أو الـ«يالا» إلى أستاذ إن لم تكن الأيام يداولها الله بين الناس؟ ربما لهذا قطّبت جبينى متصنعاً الوقار الذى يلائم الأستاذ وأنا أسأله عن أساتذتى القدامى وعينى تجرى فى الحوش وأنا ألمحنى أحدف النخلة الكبيرة بالطوب لتسقط أى بلحة محتملة، وأقف عند الإذاعة المدرسية لأقرأ القرآن وأنادى على المدرسة: مدرسة صفاااا.. مدرسة انتبااااه، ثم أعزف بلادى بلادى على الإكسليفون وأنا أردد: «دوفافا دوفافا مى فا صول لا فا»!!

كان الطابور وقتها يبدو وكأنه عرض رجل واحد، مثل معظم الأمور وقتها، أما الآن فالحوش أصغر بكثير من هذا الذى كان يقطع أنفاسنا، رغم أنه نفس الحوش الذى كنا نستضيف فيه كمونة والحضرى وعلاء ميهوب ولاعبى الأهلى ليلعبوا الكرة فى رمضان مجاملة لسمير كمونة الشرابياوى الذى افتتح هناك الآن مقهى ومدرسة كرة لاكتشاف الموهوبين فى مركز الشباب.

تقول لى سيدة فاضلة: عايز حاجة يا أستاذ؟

أنظر لها نظرة مكتشفى الحياة على الكواكب الأخرى وأسألها عن محمود عبدالله، زميل مدرستى الذى صار أستاذاً بذات المدرسة وزميلاً لأساتذته القدامى.

يخرج لى «محمود» ويلوح لى، وأصعد لفصلى القديم باحثاً عن الولد الكلبوظ الذى كان يجلس فى ٤/٣ على أول دكة فى المنتصف، فأجد مكانه ٤ بنات!!

«محمود» ابن حلال، ومن الزملاء الذين كنت، وما زلت، أحبهم، كان يمسك بخرزانة يقسم لى إنها لزوم الشغل وإنه لا يستخدمها.

يصطحبنى محمود للأستاذ مصطفى مسعود، أحد عباقرة الحساب فى المدرسة، الذى درس لى وأنا فى سنة رابعة، وما زلت أتذكره فى حصة احتياطية فى نهاية الثمانينات وهو يعلمنا أحكام التلاوة بصوت خاشع.

أصافحه فى لهفة، وأحتضن فيه براءة قديمة وفخراً بتلميذ يراه فى التليفزيون ولا يزال يتشرف بأنه أستاذه.

يتكرر الأمر مع الأستاذ أحمد عبدالعزيز الذى كان بمثابة الوالد لنا، والذى يشرح كل المواد بنفس المهارة والاقتدار، فألتقط معه صورة أحرص على أن أُريها لأولادى.

أخرج من المدرسة سعيداً مبتهجاً، وأكرر الأمر مع مدرستى الإعدادية «نهضة مصر الإعدادية بنين» مصافحاً الأستاذ أنور عبدالمقصود، مدرس الإنجليزى المحترم صاحب الضمير المتقد، وأضحك وأنا أحتضن علاء النوبى الذى يقول لى: انت فين يا كلب ولا ما بتظهرش غير فى التليفزيون؟

أفرح بوصفه وأضحك من قلبى وأصطدم بالعيال فى الفسحة، لكنى أخرج بالحقيقة المرة بعد أن أسمع بعضهم يتحدث فى السياسة.

سيكبر هؤلاء بعد سنوات ليتمنى كل منهم أن يزيح الآخر تماماً من حياته ظناً منه أن والد أحدهم قتل والده بطريقة أو بأخرى.

وسيحاول بعضهم أن يبحث عن البراءة.. لكن فى زمن آخر.

القسم: 
المصدر: 

الناس دى فين يا وديييع؟؟؟

اكتشقت فجأة أن عدداً ليس بقليل ممن أفرد لهم الإعلام مساحات، واحتفى بهم، اختفوا تماماً، وصاروا ذكرى ما إن تسمع عنهم حتى تقول: يااااااه.. راحوا فين دول؟

الشاب الذى تسلق أسوار عمارة السفارة الإسرائيلية، حتى وصل إلى السطح وانتزع العلم الإسرائيلى ووضع المصرى بدلاً منه، وخناقة الإعلام على استضافته، وظهوره الدائم مع صفوت حجازى، والشقة التى قيل إنها أعطيت له مكافأة، والشاب الآخر الذى شكك فيه وقال إنه هو الذى تسلق العمارة ورفع العلم!!! أيااااام..

الضباط الملتحون ومظاهراتهم المستفزة، وخروجهم على وسائل الإعلام، وتسليط الضوء عليهم، ومساندة حزب النور ومشايخه لهم.. راحوا فين دووووول؟

الأخ الفاضل المحترم بتاع: جبنة نستو يا معفنييييين (الإفيه أن اسمه: غفران)!

نبيه الوحش المحامى غريب الأطوار رافع القضايا على الفنانين والراقصات.

خالد عبدالله.. يا واد يا مؤمن.

الأخ الذى ظهر فى أحد الفيديوهات أثناء أحد حصارات مدينة الإنتاج الإعلامى وهو يؤكد: «أنا وهبت نفسى لله يا ولاد الـ... هعوركم فى مؤخراتكم (مشييها مؤخراتكم) يا ولاد الـ....».

اللواء شفيق البنا الذى عمل مع الرئيس الأسبق مبارك، وظل يظهر فى البرامج ليتحدث عن فساد العائلة.

أشرف بارومة.. مرشح الرئاسة المصرية الذى لم يترشح أصلاً، وإنما أغرق الشوارع ببوستراته التى توحى بأن (عدل) مصر سيكون على يديه.

حزب الأمة، لصاحبه الراحل أحمد الصباحى، الذى أكد حين ترشح فى مسرحية انتخابات الرئاسة عام 2005، أن صوته لمبارك، وكان من أشهر مشروعات الحزب إنشاء مدرسة للحلاقة وإخراج أجيال جديدة من الحلاقين، إضافة لتفسير الأحلام.

(لو كان المقال لم يعجبك حتى الآن، أو يقلب عليك المواجع، يمكنك مد الخيط على استقامته بعيداً عن السياسة، وستندمج أكثر، وتقول: ياااااه.. أيااااام).

خذ عندك مثلاً.. أين ذهب هؤلاء؟؟

المطربون العباقرة خالدو الذكر: سامح يسرى (والله ما فاكرله ولا غنوة).. إبراهيم عبدالقادر (ما أثرش فيه دمع الهوى لما بكى).. شهاب حسنى (ناااادم.. ع اللى جرى منى).. حلمى عبدالباقى (ذكرياااات.. ذكريااااات.. عمر عدى وعمر فاااات).. خالد على (محتار اختار مين فيهم.. هما الاتنين عاجبنى).. أحمد جوهر (وحدانى يا ليل وحدانى.. ولا مرة الدنيا ادتنى).. فريق جليانا (عوااالى يااااا.. عواااالى ياااااا.. عواااالى ياااااا).. حسام حسنى (كل البنات بتحبك.. كل البنات حلويييين.. طبعاً يا سيدى يا بختك.. وانت اللى قدك مين).

طاهر القويرى.. (الشمعدان زى ما بتحبه.. بيحبك كمان وكماااان).

محمد عطية.. أول من فاز بجائزة ستار أكاديمى، الذى ذهب الناس لاستقباله فى المطار، ثم مثل بطولة فيلم، ثم انتهى به الأمر مذيع مباريات بلاى استيشن!!!!

طلعت عطية.. مطرب الأطفال المحترم.. الأستاذ عيد حواش.. مذيع الفقرة الزراعية فى برنامج صباح الخير يا مصر.. إنت فين يا عيييد؟ د.إبراهيم الكردانى.. مذيع النشرة أحياناً.. مقدم صباح الخير يا مصر أحياناً.. مقدم البرامج التعليمية للغة الإنجليزية أحياناً.. أحد العاملين فى الأمم المتحدة!

القائمة تطول..

ويمكنك أن تضيف إليها العديد من الأسماء، وأن تسأل نفسك.. أين ذهب هؤلاء؟

درس آخر المقال: الدنيا دوارة يا مدحت.

القسم: 
المصدر: 

هيكل فى التسعين

هذا هو الأستاذ الذى يفتخر بكونه (جورنالجى) أكثر من أى لقب آخر، وهذا هو أنا (عيل) صغير يدخل دار الأوبرا المصرية ليحضر أمسية شعرية لفاروق جويدة باعتباره أعظم الشعراء (قلنا كنت عيل). يدخل هيكل مفاجئاً الجميع قبل بدء الأمسية ويرفض أن يجلس فى الصف الأول وينتقى مكاناً عادياً بجوار العيل الذى يعرفه عن طريق أحد أساتذته الذى أخبره أنهم يحاسبون هيكل بالكلمة فى الصحافة الأجنبية، فاستنكر عيل ذلك وقال: على كده صباح الخير تقف عليه بكام؟

هذا هو محمد حسنين هيكل يجلس بجانبى مرتدياً عويناته والجميع يتهافتون للترحيب به ولا يعيروننى اهتماماً، فلا أتكلم حتى يهدأ الجميع -ويا ليتنى ما تكلمت- فأقول له: مش ناوى تكتب مذكراتك يا أستاذ؟ ينظر لى وكأنه تفاجأ بوجودى، فأكمل بمنتهى البلاهة: حاجة كده زى الأستاذ أنيس منصور!!

شىء ما فى عيون الرجل وملامحه المصدومة جعلنى أتوقف عن استرسالى فجأة وكأن الكلام انتهى، لكنه ابتسم فجأة ابتسامة غريبة وهو يقول لى بعد فترة صمت: إن شاء الله.

يومها قررت أن أعرف هذا الرجل، وأن أقرأ كل كلمة كتبها ولو كانت تعليقاً مختصراً، ولو كانت أقواله عند النائب العام بعدما غضب عليه السادات، ولو كانت جملة عابرة..

بعدها لم أفوت عدداً كتب فيه من مجلة وجهات نظر، لأعيد اكتشاف الصحافة التى أدرسها من رجل عصامى بنى نفسه بنفسه رغم أنه لم يكن فى بداياته خريج أحد المعاهد الصحفية أو منتسباً لكلية من كليات الإعلام، وكان الرجل وقتها كاشفاً للعديد من الأسرار لعلاقاته بالرؤساء والزعماء الأحياء منهم والأموات، لا سيما بعد وفاة ملكى الأردن والمغرب، وفى هذه الفترة أصدر عمرو أديب مجلة لم تستمر كثيراً لكن عنوان عددها الأول الرئيسى كان: أستاذ هيكل.. ماذا سيقولون عنك -لا قدر الله- بعد وفاتك؟!

فيما بعد تعاطفت مع الرجل حين قرأت له ما يمكن تسميته بمذكراته التى سألته عنها من قبل فى كتابه البديع بين الصحافة والسياسة، لأقرأ عن خلافاته مع مصطفى أمين ودولة أخبار اليوم بكل زعمائها وزملائه القدامى، ثم قررت أن أقرأ الحكاية من الشاطئ الآخر فقرأت مذكرات موسى صبرى، والذى لم يكن يدع مناسبة إلا ويهاجم فيها هيكل، ثم قرأت أغلب الكتب التى هاجمته وانتقدته، وصولاً إلى «تفكيك هيكل» لـ«سيار الجميل».

صرت أحفظ هيكل وأتمنى لقاءه، وجاءت الفرصة حين احتفلت جريدة «الدستور» بعامها الأول فشبطت فى إبراهيم عيسى والزملاء وهم فى طريقهم إليه ليجروا حواراً معه. لكن إبراهيم عيسى موجود، فمن يمكن أن يتحدث، وكلما هممت بمقاطعة إبراهيم عيسى ولو برفع إصبعى للسؤال يكمل عيسى ولا كأننا معه، حتى فى الصورة التى التقطناها تخيرت موقعاً بجوار الرجل، فأعطانى أحد الزملاء «كتف قانونى» لأظهر فى الصورة بالكاد.

يمكن أن أكمل فى هذه السكة لأشرح يوم (شبطت) مرة ثانية فى شريف عامر وهو يجرى مع الأستاذ حواراً محترماً، وكيف يستعد شريف وكأنه فى اختبار كشف هيئة للقبول فى الحربية، مؤكداً أن الأستاذ دقيق فى مواعيده، لكن هذا هو عيد ميلاد الأستاذ التسعين، ولا أعتقد أن المساحة يمكن التهامها بذكريات شخصية أكثر من ذلك، ولهذا أريد أن أقول للأستاذ انطباعات عيل صار رجلاً -أو هكذا يظن- فى ثلث عمره أو يزيد، فقد كنت أحد هؤلاء المنفسنين والرافضين لوجود هذا الكم من الوثائق المرتبطة بتاريخ مصر لدى الرجل، لكننى سألت نفسى من يمكن أن يحميها سواه، ثم تطور الأمر لمن يمكن أن يحميها من بعده، وما زلت أحد هؤلاء الغاضبين من عزلة الأستاذ عن الشباب واقتصار لقاءاته وفنجان القهوة معه على مجموعة من رؤساء تحرير وكبار الكتاب، وكأنه اكتفى بالدورات التى عقدتها مؤسسته والذى كان الحضور فيها فى بعض الأوقات بالواسطة، وحتى إطلالاته على الشاشة مع لميس الحديدى التى تعيد صياغة نفسها مع الرجل، كنت أتمنى أن يكون للرجل إطلالة مختلفة مع شباب قاموا بثورة لم يتوقعها هو شخصياً، وجيل بلا أساتذة تقريباً لأن أساتذتهم هجروهم أو اهتموا بتثبيت أقدامهم فى ماكينة السلطة أو تجارة بمواهبهم، وإن كان لهؤلاء الذين نعرف قربهم من الأستاذ نصيب من الرجل يفخرون به ويكتبونه فى مذكراتهم، فإن خبرة الرجل التى يجب أن تنتقل لجيل مختلف قد يتعلم منه الأستاذ أهم بكثير فى هذه المرحلة التى نرجو أن يدركنا فيها قبل أن نكفر بالتاريخ نفسه، سواء نحن، أو طلاب الصحافة فى المحروسة.

يا أستاذ هيكل.. هذه السطور ليست انبهاراً بشخصك كما قد تظن أو يظن البعض، وليست طلباً للانضمام إلى مريديك ودراويشك، لكنها محاولة من (عيل) لأن يقول لك كل سنة وانت طيب على طريقته، وأخشى أن أقول لك عقبال ١٠٠ سنة فتفهمها خطأ لأنك اقتربت منها بالفعل.

عمر مديد للجورنالجى الذى مهما اختلفنا معه، فلن نختلف عليه.

القسم: 
المصدر: