محمد فتحي

محمد فتحي يكتب: براءة ازاى يعنى سعادتك؟

حكموا بالبراءة للضباط المتهمين فى قضية قتل المتظاهرين فى الإسكندرية.

ليست البراءة الأولى ولا الثانية، ولا الثالثة، ولن تكون الأخيرة فى هذه القضايا، وهو ما يجعلنا نتساءل: من قتل المتظاهرين؟

دعك من المتطرفين والهستيريين والمصابين بالتسلخات الفكرية وفوبيا الثورات ورُهاب الحرية والشرف، والذين سيؤكدون أن هؤلاء الذين قُتلوا.. يستاهلوا، وأنهم بلطجية، شفاهم الله وعافاهم ورزقهم بمرهم يرطب تسلخاتهم، ولنسأل بحق: من قتل المتظاهرين؟

سأفترض معك أن الضباط الممسوكين والمتهمين لم يقتلوا فعلاً، وسأفترض أن أوراقهم سليمة، وأن القانون لا يعرف سوى البراهين والأدلة والوقائع الثابتة، ولذلك دعنى أسألك سؤالاً: إذا كنت من محبى موقع اليوتيوب، حيث يوجد عليه فيديو بعنوان سقوط أول شهيد فى الإسكندرية فى 25 يناير، وهو الفيديو المصور من البلكونة، ويظهر صوت سيدات يتابعن شاباً وقف على بُعد ما يقرب من عشرة أمتار أو يزيد أمام قوة شرطة تمسك بأسلحتها.

يقترب الشاب منهم ثم يقف على بُعد المسافة المذكورة. يبدو أنه يتحداهم، ولا يوجد بيده أى شىء، ثم ينزع سترته ويقف أمامهم و.....

بووووف..

طلقة يسقط بعدها الشاب أرضاً، ويرتجف الموبايل فى يد السيدة التى تصور وهى تصرخ وتحسبن وتشتم فى ولاد الكلب الذين قتلوا الشاب على مرأى ومسمع من الجميع، وكل شىء مصور بالصوت والصورة، ثم تخبرنى سعادتك أن الجميع.. هه.. الجمييييييع.. حصلوا على البراءة.

عندك أيضاً فى سجلات القضايا عميد شرطة محبوس الآن لأنه أتلف عامداً متعمداً الـ«سى دى» الذى كان يحتوى على محادثات الأمن المركزى يوم 28 يناير، أو جمعة الغضب، وقد نال سيادته كام سنة فى السجن (بالقانون)، بينما مات مَن مات، ولم نستطع أن نحاسب قيادة واحدة فى الشرطة بتهمة قتل المتظاهرين حتى الآن، ولا تزال البراءات مستمرة.

لن ننسى طبعاً النقض على أحكام البراءة فى قضية قتل المتظاهرين المعروفة بموقعة الجمل، حيث قدم نائب مرسى الملاكى العام طلعت عبدالله نقضه بعد انتهاء المدة القانونية، فلم يُقبل، وتم تأييد البراءة!

كما لم ننسَ رفض الجميع لعقد محاكمات ثورية لأنها ستأخذ طابعاً انتقامياً، وسيُدان فيها العديد من الأبرياء، وستفقد ثورتنا سلميتها، لتتحول إلى ثورة دم، وهو ما جعل الأمر فى يد قوانين قديمة بالية، ونيابة لم تقدم أدلة كافية لإدانة المتهمين، لتصبح النتيجة براءة الجميع.

وليصبح السؤال: براءة ازاى سعادتك؟

من قتل المتظاهرين إذن، وكيف سيحاسَب؟ ونحن هنا لا نناقش قناعة سعادتك بكونها ثورة أم بلا أزرق، لكننا نناقش تطبيق العدل، وآلية محاسبة الفاسد والمجرم والقاتل.

هل قتل المتظاهرون أنفسهم وماتوا منتحرين؟ هل يرضى غرورك ونزواتك وشبقك لتصفية الحسابات اتهام الإخوان بقتل المتظاهرين فى ثورة يناير؟ موافق.. هات دليلك إذن وهيا نحاسبهم.

إنما ما يحدث حرام.. حراااااااام أن يُقتل كل هؤلاء ثم لا يحاسَب أحد.

ولن يحاسَب أحد أبداً ما لم نأتِ بحق الأولين، وإلا فانسوا كل ما تبغبغون به عن العدل.

نحن فى انتظار حيثيات أحكام البراءة، وفى انتظار نيابة قوية تستطيع إثبات التهم على المتهمين، وليس إهداءهم البراءة.

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: لماذا ساعدت «دورا» الثعلب سنقر؟!

أما «دورا» فهى الفتاة الصغيرة بطلة حلقات الكرتون العالمية الشهيرة التى تحمل اسمها، ويشاهدها الأطفال فى العالم، ولو سألت ابنك، أو ابنتك، سيحكى لك عنه بوصفه معلوما من الكرتون بالضرورة، لا سيما أنه مدبلج للعربية ويذاع على قناة «mbc3».. أما الثعلب سنقر فهو ذلك الثعلب المكار الذى يحاول أن يسرق من «دورا» وصديقها القرد «موزو» دائماً ما يحتاجانه فى نجاح مهمتهما التى يتعلمان فيها مع الأطفال الكثير، وبالتالى هو يمثل «محور الشر» فى الحلقات، وكعادة الشر: دمه خفيف جداً، وكعادة الخير، فى مسلسلات الكرتون فقط، فإنه ينتصر فى النهاية، وما إن يظهر الثعلب سنقر فى الحلقات حتى تطلب دورا مساعدة أصدقائها من المشاهدين وهى تسألهم: هل رأيتم الثعلب سنقر؟
 
وبالطبع تجد أبناءك يشيرون للثعلب الذى يختبئ فى مكان ما على الشاشة، وما إن تراه «دورا» حتى تطلب من أصدقائها أن يقولوا له: سنقر لا تسرق.. سنقر لا تسرق.. سنقر لااااااا تسرق!!
 
وعلى الفور يتوقف الثعلب ويهرب وهو يردد: زوغاااااااااان.
 
الحلقات تنتمى لاتجاه عالمى اسمه التعليم الترفيهى، أو الـedutainment؛ حيث يعتمد على غرس قيم وتعليم الأطفال فى مرحلة ما قبل المدرسة مبادئ الحياة وتمييز الأشياء والاتجاهات والتفكير المنطقى، وهو الاتجاه الذى بدأه من قبلها البرنامج الشهير «شارع سمسم» ذائع الصيت فى العالم أجمع، لكن ليس هذا هو المهم الآن.
 
فى حلقة عُرضت منذ فترة، وقع الثعلب سنقر ضحية ساحر، وتم حبسه فى زجاجة صغيرة من يفتحها لإنقاذه يدخل بدلاً منه فيها، ولأن «دورا» طيبة وتمثل الخير، فقد أرادت مساعدة سنقر، لكن سنقر يقدم على فعل غريب، فيحذر «دورا» من مساعدته حتى لا تُحبس بدلاً منه، وعلى الفور تقرر دورا خوض مغامرة أفرد لها المسلسل حلقتين كاملتين لتخرج سنقر من الزجاجة، وتبطل عمل الساحر، بمساعدة أصدقائها: القرد «موزو»، والخريطة، ومشاهديها من الأطفال فى المنازل الذين يرشدونها للطريق ويتفاعلون معها فيما تطلبه منهم.
 
حسناً.. عندى مشكلة يمكن تلخيصها فى السؤال: لماذا ساعدت دورا الثعلب سنقر؟
 
دعك من العبارات المحفوظة والمبادئ التى تغرس فى الأطفال بمساعدة الجميع حتى لو كانوا أعداءنا؛ فالواقع أن هناك مشكلة درامية فى كل حلقات الكرتون الأجنبية التى تتعاطى مع فكرة المساعدة والمسامحة والمصالحة والتعاون بين الخير والشر، وهى أن الخير يظل خيراً والشر يظل شراً، بمعنى أن توم حين يتعاون مع جيرى فى إحدى الحلقات لطرد خطر وعدو مشترك يتمثل فى كلب مثلاً، أو فى «قط» آلى يعمل بالروبوت، فإن الأمر لا يتعدى كونه حلقة استثنائية، تعود العداوة بين توم وجيرى فى الحلقة التالية مباشرة، وبشكل ربما أكثر شراسة، وهو نفس ما حدث فى حالة «دورا» والثعلب «سنقر»، فقد ساعدته «دورا»، لكنه فى الحلقة التالية عاد لدوره كلص يسرق منها كل ما يمكن أن يفيدها فى مهمتها، وبقى ممثلاً للشر ومصدر قلق ومضايقة لدورا.. والجديد، للأطفال الذين يشاهدون الحلقات، والذين يرددون نفس السؤال: لماذا ساعدت دورا الثعلب سنقر؟
 
الكرتون يشبه الحياة بشكل كبير، ولو جربت أن تشاهد الشخصيات السياسية التى تراها على الساحة بعينى طفل، ستعرف من منهم دورا ومن منهم سنقر، لكن يبقى السؤال: لماذا ساعدت دورا الثعلب سنقر؟ ولماذا تساعده مرة ثانية وثالثة ورابعة، ويتكرر منها نفس حسن النية الذى يصفه البعض بالغباء، وتتكرر منه نفس الخيانة والنذالة التى يعلم الجميع أنه جُبل عليها، فيما يسميه البعض تأدباً «مكر الثعالب»، لكن الأكيد والغريب فى الوقت ذاته أن دورا لا تزال تساعد سنقر وسنقر لا يزال يخدع دورا والجميع يشاهد نفس المسلسل بلا ملل، كما أن المسلسل لا يستطيع أبداً أبداً الاستغناء عن الثعلب سنقر، مهما كرهه المشاهدون، لأنه يحتاجه، وبشدة، فى حلقات جديدة ومواسم مقبلة.
القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: معرض الكتاب.. شكراً

بداية تحية واجبة للدكتور أحمد مجاهد، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، الذى أدار معرضاً (من بتوع زمان)، وأصر على إقامته، وعدم غلقه فى أيام (القلق)، متحدياً أى إرهاب محتمل، ومصراً على أن الثقافة هى الحل. لمعرض الكتاب ذكريات عزيزة لدى أجيال عديدة. ندوات هيكل السنوية، روجيه جارودى محاضراً، ومئات على أبواب قاعة الندوات، نزار قبانى يشدو بقصائده، وأنا أصافح محمود درويش فى فرح، وجيل أصبح الآن من الآباء يجرى بلهفة على جناح المؤسسة العربية الحديثة ليلحق بنسخته من روايات مصرية للجيب، حيث أكثر الأجنحة ازدحاماً، وحيث السؤال عن متى يأتى نبيل فاروق أو أحمد خالد توفيق، مع سخافات العارضين والعارضات لأجهزة الكمبيوتر والكاميرات الديجيتال بالتقسيط، والزحام حول (الحنفية) الوحيدة الموجودة، وحفلات الأوبرا وفرق الموسيقى الشعبية، ومحمد جبريل يقرأ دعاء ختم القرآن فى تسجيل وضعته صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، وشركة سفير تعرض كتب الأطفال، ومدبولى الصغير يستضيف صالح مرسى، رائد أدب الجاسوسية فى مصر، والناس توقع منه رأفت الهجان، وذكريات أخرى تلمحها على أسفلت المعرض وأنت تمشى فيه متذكراً ما كان.
 
قراء صاروا كتاباً، وكتاب صاروا قراءً، ونقاد لا يكترث بهم أحد فى الغالب لأن الكل سبقهم، والقارئ أصبح مختلفاً، ولا ينتظر رأياً نقدياً يهتم به، بقدر ما ينتظر عملاً جديداً من كاتب أحب كتاباته مهما قال عنها النقاد.
 
الشكوى الدائمة من دورات المياه ما زالت مستمرة، وتزوير الكتب أصبح بطريقة فجة تتنافى مع كون المعرض معرضاً دولياً، وهو ما يجب أن يجد له القائمون على المعرض حلاً جذرياً العام القادم بعد تكوين لجنة استشارية حقيقية تقوم بتقديم أفكار مختلفة من خارج الصندوق، وليس أفكاراً ترجع للستينات.
 
اللافت للنظر هو أن الناس عادت للرواية. أحمد مراد يتألق وما زال الأكثر مبيعاً رغم أن روايته «الفيل الأزرق» اقتربت من العام على صدورها، والجيل الذى يقف فى حفل توقيعه لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة ما بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين من العمر، بينما حسن كمال بروايته «المرحوم» يقدم أدباً رفيعاً وينتزع إعجاب القراء، ثم يلعب موقع good reads دوراً كبيراً فى تسويق الروايات الجديدة للكتاب الجدد الذين أدركوا أن الكتاب أصبح (صناعة)، فتنتهى الطبعة الأولى من «الممسوس» لمحمد عصمت سريعاً، فى تأكيد على أن أدب الرعب والإثارة يعود بقوة للصورة، ويقدم شريف عبدالهادى روايته الأولى «أبابيل» عن فساد القضاء، فتنتهى الطبعة فى يومين، وتبرز أسماء مثل أشرف العشماوى وعصام يوسف، ويقدم العم والأستاذ حمدى قنديل خلاصة تجربته فى مذكراته (عشت مرتين)، ويبحث الجميع عن رائعة إليف شافاق (قواعد العشق الأربعون)، فى حين تواصل دور النشر الشابة كفاحها ونسمع عن (دوّن) و(ليلى) و(أكتب) و(كيان) و(الرواق) و(المصرى)و(الحلم) و(كتابى) و(الربيع العربى) وغيرها من دور النشر التى تحاول ترك بصمتها وصناعة أسطورتها الذاتية، بينما يؤكد سور الأزبكية أن أسطورته لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ويؤكد على ذلك الزحام الشديد على العارضين هناك.
 
يقدم شريف بكر فى دار نشره العربى أعمال (كافكا) الكاملة، وينشر روايات من الأكثر مبيعاً فى هولندا وكولومبيا، ولا تزال الكتب الأكاديمية هى الأغلى، ولا أمل فى أن تصدر دور النشر الكبيرة طبعات شعبية من أعمالها، لكن يبدو الأمل الحقيقى فى مشروع (كتبى) للكتب الإلكترونية، والذى تم التعاون فيه بين دور النشر وفودافون، لتقديم الكتب عبر الآيباد والآيفون، وأجهزة الهاتف الذكية، لتصبح قادراً على شراء ما تريد والمحاسبة عليه بالكارت أو بفاتورة الموبايل، إضافة للكتب المجانية التى يقدمونها.
 
لا تزال رائحة عمنا إبراهيم أصلان فى جناح الشروق الذى قابلته فيه للمرة الأولى، ولا يزال صوت عمنا خيرى شلبى فى أذنى، بينما أفتقد كتاباً جديداً للمخزنجى، وأفرح بإعادة حكى المنسى قنديل للتاريخ فى كتابه الجديد، وأبحث عن نسخة من الطبعة الثانية لنساء الكارنتينا لنائل الطوخى عند دار ميريت التى افتقدت طلة محمد هاشم فى جناحها بعد أن فضل الجلوس فى المقر تاركاً الأمر لبناته المجتهدات، وتاريخ صنعه الرجل بمنتهى الشرف. بينما أحرص على مصافحة أحمد المقدم الذى رآنى طفلاً قبل سنوات فى المؤسسة العربية الحديثة وأنا أشترى أسطورة رفعت إسماعيل الأخيرة، وأتمنى الشفاء والسلامة واجتياز المحنة لأستاذى وأبى الروحى نبيل فاروق.
 
كل معرض وأنتم بخير.
القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: عن الكاتب والقارئ اللامؤاخذة

كان معرض الكتاب فرصة للقاء العديد من القراء الأعزاء والمحترمين الذين استمتعت بلقائهم، والنقاش معهم فى أكثر من حفل توقيع، أو لقاءات عابرة فى المقهى الثقافى. القارئ الذى يتفاعل مع كاتبه دائماً إضافة لأى كاتب، مهما كان الاختلاف، ويكفى أنه يعطيك من وقته ليتفاعل معك ويدلى برأيه فيما تكتب، لكن المشكلة تكمن دائماً فى المناخ الذى يسيطر عليه التفتيش فى النوايا، أو التصنيف، أو التجاوز والإساءات الشخصية، مع كثير من التخوين والتحوير وما أسميه أمراض القراءة، وهى أمراض تصيب القارئ فى كل مكان، وليس فى مصر فقط، وكان هذا محور أكثر من نقاش لبعض من سألوا عن تفاعلى مع تعليقات الموقع وشبكات التواصل الاجتماعى، ولماذا يبدو وكأننى (تِنك) شوية، ولا أكترث بآراء القراء، ولا يهمنى تقييمهم لما أكتب، وأشياء من هذا القبيل، وهو ما يجعلنى ملتزماً بالتوضيح أمام قارئ محتمل ربما يكون فهم هذه المسألة بشكل خاطئ.

شوف يا سيدى، الزبون دائماً على حق، لكن هذا فى التجارة، وليس فى الرأى، بمعنى أن المقال مادة رأى قد تستند على أخبار، لكنها فى النهاية مادة رأى قد تتفق معه أو تختلف حسبما يحلو لك، وقد يكون هذا الرأى صواباً يحتمل الخطأ أو خطأ يحتمل الصواب، لكنه يجب ألا ينصرف (أبداً) إلى (شخص) الكاتب لتصبح فرصة فى الطعن فيه، فإن كان رأى الكاتب مخالفاً لرأى حضرة القارئ فلا يعنى هذا أنه عميل أو بيقبض أو أنه خائن لوطنه.

شوف يا سيدى، عائلة الكاتب خارج الموضوع، فليس من المعقول أن يكتب الكاتب رأياً -أياً كان- فيكون الرد عليه بشتيمة الأب والأم واللى خلفوه، والشىء الذى جعل الكاتب لا يكترث بالعديد من الردود هو فكرة أن البعض تسول له نفسه الخوض فى الأعراض لمجرد الاختلاف، كما أن البعض لا يقرأ ما يكتب، ويكتفى بالتعليق على النبذة التى يختارها الزملاء فى موقع الجريدة لنشرها على «الفيس بوك» معتبرين أن ذلك هو المقال، ليطعنوا فى كاتبه دون أن يقرأوا المقال نفسه، ويكون التعليق عبارة عن شتيمة للكاتب على اعتبار أنه محسوب على (الآخر) دائماً، بل وينصرف البعض إلى التعليق على صورته التى هى فى الأساس تصوير لـ(خلقة ربنا)، ليتسابق البعض على نعته بأقذع الألفاظ من قاموس قلة الأدب المصرية الخالصة لمجرد أن صورته لا تعجبه، ويتحرق المقال، ويتحرق الرأى.

شوف يا عزيزى، القناعة المسبقة لا تجعلك تصنع نقاشاً محترماً، فلو صنفت صاحب الرأى لا تتناقش معه، لأن تصنيفك له سيطغى على نقاشك فيلغى أى فرصة للمنطق فى الحوار، كما أن العبارات الرنانة مثل (الكاتب يدس السم فى العسل) أصبحت عبارات قديمة تفتش فى النوايا أكثر ما تخلق جواً للنقاش، ولو لم يعجبك هذا العسل فلا تقربه، وإن تكرر الأمر فالعيب فيك لأنك تعرف أن به سماً وتصر على أن تتجرعه.

شوف يا سيدى، الكاتب أيضاً بشر، يخطئ ويصيب، له لحظات يرتبك فيها، وله لحظات يصبح فيها منكسراً أو تصبح رؤيته غائمة، وهى حالة تصيب كل الكُتاب تقريباً سواء اعترفوا أو لم يعترفوا، كما أنها حالة متكررة، يخسر فيها الكاتب كثيراً، ويظنه البعض متلوناً أو خائفاً من شىء ما أو أن أحداً قد اشتراه، والسؤال الذى يجب أن تفكروا فيه: هل هناك ثمن مناسب لبيع الشرف؟؟ وهل يرضى كاتب هذه السطور على نفسه أن تكون سمعته أمام أولاده أنه منافق؟؟ وما المكسب؟؟ منصب مثلاً؟؟ حماية؟؟ فلوس؟؟ سلطة؟؟

كلها أشياء صارت بلا معنى فى زمن العبث الذى نحياه والذى لن نبيع فيه برخيص أو بغالٍ، بل يكتب العبد لله ما يقتنع به وما يستطيع أن يجيب عنه حين يسأله الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ما لا يعنى الكاتب ليس القارئ نفسه فله كل احترام، وإنما تصنيفه له، أو رأيه فيما يكتب من أفكار، فالأساس أن الكاتب لا يكتب لرضا القارئ، وإنما لرضا الله عز وجل، كما أن الأساس فى الاختلاف أن نختلف بأدب، وألا تعتبر ما أكتبه وحياً، وأن تأخذ منه ما تريد وتترك منه ما تريد أو تتجاهله تماماً، أما القارئ اللامؤاخذة، أو عابر السبيل الذى يقابل مقالك مصادفة فيشتمك أو يسبك.. لا يعنينى بالمرة، وهى زكاة عن أعراضنا نسأل الله أن يقبلها.

تحياتى للقارئ المحترم مهما كانت (حِدته) فى الاختلاف طالما لم يفتش فى ضميرى، ولم يتهمنى اتهامات مرسلة، ولم يدخل أهلى طرفاً فى تعليقه، أما الآخرون، فأسأل الله أن يكونوا فى ميزان حسناتنا ككُتَّاب.

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: يا خسارة يا (عوّا)!

فليعذرنى د. محمد سليم العوا، الذى لا يعرفنى ولا أعرفه، ولم ألتقه من قبل، لكننى تعلمت منه وقرأت العديد من كتبه وكتاباته ولقاءاته التليفزيونية وقت أن كان يظهر مع زميلنا عمرو أديب فى لقاءات ممتعة؛ يفتى أحياناً، ويصوّب أحياناً، ويجادل بالتى هى أحسن فى كثير من المرات، أو يُغلظ القول حين يصير مستثاراً من عمرو أو بعض المكالمات والمداخلات، لا سيما تلك التى يكون طرفها الآخر أحد القساوسة.
 
فليعذرنى العوا لأننى لن أشارك فى حفلة تقطيعه المقامة على الطريقة القديمة، والتى فيها ما فيها من السباب وكيل الاتهامات والتفتيش فى النوايا، وربما تصفية الحسابات، وسأختار أن أشارك فى حفلة أخرى أرى فيها منطقاً وأنا أخاطب ما تبقى من احترام قديم كنت أُكنّه للعوا الذى أعرفه.
 
أصبح العوا رئيساً لهيئة الدفاع عن محمد مرسى.
 
ولا ألوم على العوا أن يصبح كذلك مثلما لامه البعض واعتبروها خيانة، مع أن مرسى فى النهاية -بعرف القانون- برئ حتى تثبت إدانته، كما أن سلفه فى الدفاع عن سلف مرسى هو الأستاذ فريد الديب المحامى اللامع والمعروف الذى دافع عن مبارك، وكان يوماً محامياً للجاسوس الإسرائيلى عزام عزام، ولم يتعرض لنفس الهجوم. لكن ليس هذا هو موضوعنا، وليس موضوعنا غياب العوا عن الساحة، فله أسباب بعضها شخصى جداً لا يجوز الحديث فيه، وشفى الله أحبابنا جميعاً، ولن أتحدث عن العوا الوسيط الدائم بين الجيش والإخوان، ولا عن العوا محامى رموز النظام السابق الذى كان معارضاً شديداً له، فإذا به يرضى بأتعاب تأتى من الدفاع عن رموزه وتبرئتهم، ولن أذكّر الكثيرين بتصريحات طائفية بغيضة للدكتور العوا اتهم فيها الكنيسة بإخفاء أسلحة، ولن أسأله عن دعمه غير المحدود للجماعة التى حكمت مصر، ولن أتحدث عن علاقته بالسيسى، ومن قبله طنطاوى وعنان.. لن أتحدث عن كل ذلك.
 
سأسأل فقط د. محمد سليم العوا بعض الأسئلة، والتى أعتبر أن أولها وأهمها: هل يعتقد فعلاً أن موكله برىء ولا يستحق العقاب ولذلك يدافع عنه، أم أنه يفعل ذلك بوازع أخلاقى وعقائدى فى المقام الأول؟
 
وسأسأل العوا صاحب الكتاب المهم عن الحق فى التعبير: ماذا كان رأيه فى أحداث الاتحادية، وما الذى فتح الله به عليه ليقوله لمرسى والجماعة؟
 
وسأسأل العوا، الذى اعتقله جمال عبدالناصر فى الستينات بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين، وكان محاميهم فى محاكماتهم أمام القضاء العسكرى، وله مرافعات عظيمة آنذاك تجعلك تنظر بإعجاب للرجل: أين الدفوع التى يمكن أن تثبت بها براءة موكلك محمد مرسى غير بطلان الإجراءات، وبطلان فض الأحراز، وعدم الاختصاص يا دكتور يا كبير؟
 
ألا تملك حججاً يا أستاذ بخلاف التشكيك فى تاريخ فيديوهات رأيناها جميعاً، وشهدها من شهدها على الهواء مباشرة؟
 
ألا تملك دليلاً واحداً لتبرئة الرجل غير بطلان فض الأحراز؟
 
ألا يوجد ما تجعل به الناس تشعر أن موكلك مظلوم؟
 
أنا، يا سيدى، لا أتفق مع الهجوم على سيارتك، وأرفضه، وأرفض شتيمتك والتمثيل بشرفك، لكنى فى نفس الوقت حزين أن تكون هذه هى دفوعك، وأنت تعلم أن محمد مرسى وإخوانه قيل لهم من مستشارين لهم: لا ترسلوا الإخوان للاتحادية حتى لا تحدث مذبحة، وتعلم أن مرسى رد قائلاً: سيبوهم يعبروا عن رأيهم، وتعرف -ومتيقن- أنه قال لقائد الحرس الجمهورى هو ورئيس ديوانه: احنا هنتصرف، قبل أن يحدث ما حدث!
 
يا دكتور عوا.. ليس الهدف إثناءك عن الدفاع عن مرسى، فسيبقى مثل سلفه ولو خرج براءة بالإجراءات.. مجرد مجرم.
 
وسيذكر التاريخ أن العوا، المحامى الكبير، كانت دفوعه فى محاكمة تاريخية، مجرد بطلان إجراءات.
القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: مصر هتفضل غالية عليّا

أستيقظ من نومى متأخراً على غير العادة. تهاتفنى والدتى وتخبرنى أن انفجاراً قد حدث عند مديرية أمن القاهرة. أسألها: فيه ناس ماتوا؟ فترد باكية بالدعاء لهم.

إلى الآن لا أستوعب فكرة كيف ونحن نيام فإن هناك من يموت من أجلنا؛ لأنه تقابل مصادفة مع إرهاب يقصده ويقصد كل من ارتدى الميرى. أعرف أن انفجاراً آخر حدث عند مترو البحوث، وثالثاً عند قسم الطالبية، وأقرأ عن تدمير محتويات المتحف الإسلامى.

هذا الصباح بطعم الدم، مرحباً بشهداء جدد فى مواكب الجنة، ولا عزاء لانتحارى قرر أن يحولهم لأرقام، فتحول هو نفسه إلى صفر على يسار مصر.

هذه المرة التفجيرات فى قلب القاهرة، فى قلب العاصمة، أسترجع كلام وزير الداخلية: اللى عايز يجرب يتفضل. وها قد جربوا يا سيادة الوزير وراحت ضحايا. صحيح أنه كان يتكلم عن تأمين السجون، لكننا الآن نتكلم عن تأمين وطن، أشعر بعد تفجيرات أمس بعدم الثقة فيك كواحد ممن يحرسون البلد. باب النجار مخلّع يا سيادة الوزير، وأنت لم تحمِ بابك، فكيف تحمى أبوابنا؟

أتفهم أن بعض دراويشه قد يهرعون للدفاع عنه، ولتأكيد أنه لا يجب إقالته فى هذا الوقت، وأعرف أن مصيره لن يكون الإقالة، وإنما خروجه فى تعديل وزارى وتوجيه الشكر له، وربما تكريمه بوسام، لكن من يكرم هؤلاء الغلابة الذين يموتون كل يوم؟

سيقول أحدهم: أنتم من تسممون بدنه، وتقولون له: لا تُحكم قبضتك الأمنية، وتهاجمونه إذا كان عنيفاً، وأقول: لا نتحدث الآن عن عنف، لكن عن تأمين، وليس تأمينا، بل هو تأمين مديرية أمن العاصمة، أفلا تعقلون؟

الإخوان ينفون، ولن يصدقهم أحد. يقول صديقى الإخوانى الذى يحلم بعودة «مرسى» للخروج من الأزمة، على حد قوله: كيف يفجر الإخوان مديرية أمن فى يوم يحشدون فيه إلى الخروج؟

المسألة عنده مسألة منطق، وهى عندى كذلك؛ فالذى ترك منصة تتحدث وتهتف بسحقنا وتهدد بنهايتنا وتؤكد قدرة الإخوان على التصعيد، والذى يريد عودة رئيس دعا للدم فى خطابه الأخير وقال عن شرعيته اللقيطة: «دونها دماؤنا، ودونها دمى»، فى دعوة صريحة للاقتتال، والذى أطلق يد الجماعات الإرهابية والتكفيرية فى سيناء، فكانت تتعاون معه حين كان فى الحكم، ثم أصبحت ذراعه العسكرية والإرهابية التى تتبنى كل التفجيرات بعد «غورانه فى داهية»، كيف يريد منى أن أصدق أن ليس له علاقة بما يحدث؟ وكيف لا ينتظر أن ينفجر الوضع فى لحظة ليصير قتلاً على الهوية، ينذر بحرب أهلية حقيقية لمجرد أنه لا يريد أن يفهم أن «مرسيه» لن يعود، وأنه خرج من التاريخ، ويزنّ على خراب عشه بأسلوب قد يجعله يخرج من الجغرافيا؟

اليوم 25 يناير. سينزل كثيرون للاحتفال، وسيكون هناك دم، و«سيزيط» الإخوان بكل هذا الدم وينفون مسئوليتهم عنه إذا لم يكن منهم، ثم يتهمون الجميع (جيش/ شرطة/ مفوضين/ شعب) حين يسقط منهم شخص واحد، بينما لا يفهمون أنهم من يتسببون فى هذا الدم.

لن أتعاطف أبداً مع من يرفض اتهام الإخوان فى أول رد فعل له على الحادث؛ لأنه لا يرى أن أحداً يملك اليقين أو الدليل على ذلك، بينما هو قادر على الجزم بأنهم مظلومون!!

وليستمر الإخوان فيما يفعلون، وليستمروا فى خروجهم، وليستمروا فى غبائهم، وسيصلون بنا لمرحلة أن يخرج على مسيراتهم من يحمل السلاح عليهم من الناس البسطاء، رفضاً لوجودهم فى الحياة، وسيفهمون لحظتها أن إقصاءهم من الحكم بيد الشعب أفضل بكثير من إقصائهم من الحياة بيد الشعب أيضاً، وللأسف الشديد، أرى ذلك يلوح فى الأفق، ويا رب سلّم مصر وارحمها واحفظ دماء المصريين.

قبل الختام أدعوك لأن تردد بصوت عال: مصر هتفضل غالية عليا، التى قالها بطل «وداعاً بونابرت» لـ«يوسف شاهين» ليحيّى صديقه، قبل أن يهتف بها الشيخ، قبل أن يهتف بها الجميع وهم يقفون فى مواجهة الحملة الفرنسية التى دخلت مصر بدعوى أنها «تحمل الخير لمصر». شاهد المشهد العبقرى، وابحث عنه وردد مع المصريين: مصر هتفضل غالية عليا.. مصر هتفضل غالية عليا.. مصر هتفضل غالية عليا.. مصر هتفضل.. غالية.. عليا.

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: الأوامر صدرت.. قطّعوا فى «صباحى»!!!

يا صباح ذاكرة السمك، ويا صباح نظريات المؤامرة، ويا صباح الغباوة البيور، ويا صباح الفل على الدببة التى قتلت أصحابها فى نظام مبارك، ثم دخلت فى بيات شتوى طيلة عامين فاحت روائحهم خلالهما، ثم عادوا مرة أخرى إلى صدارة الواجهة ليتعاملوا -للأسف- بنفس الأسلوب، ويمارسوا دورهم فى قتل أصحابهم..

ما الذى يمكنك أن تفهمه من تقطيع هؤلاء الدببة فى حمدين صباحى؟؟

سؤال مهم: وإجابته النموذجية كالتالى:

1) حمدين صباحى ليس ملاكاً.. لكنه ليس شيطاناً.

2) لحمدين صباحى أخطاء وخطايا وزلات، لكنه لم يكن يوماً خائناً لوطنه.

3) هناك لحظة كان حمدين صباحى فيها منقذاً لهؤلاء الذين رفضوا أبوالفتوح والإخوان من ناحية، والفلول والعواجيز من ناحية أخرى، وهكذا كان الحصان الأسود لأول انتخابات رئاسية حقيقية فى يونيو 2012.

4) تحول «صباحى» لزعيم معارض وأحد أعضاء جبهة الإنقاذ التى كانت أول كيان منظم وقف أمام «مرسى» وجماعته عقب الإعلان الدستورى الديكتاتورى الديكورى الشهير، إلى جوار «البرادعى» وعمرو موسى.

5) كل ما فات لا يعطى لـ«صباحى» كرامات أو حصانة من أى شىء أو نقد، لكنه فى نفس الوقت يجب ألا يُنسى فى زمن ذاكرة السمك وأمخاخ البسلة.

6) «صباحى» أول من قال بوضوح إنه سيخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأول من طالب السيسى -بصورة مباشرة- أن يعلن عن عدد من المواقف ذات الصلة بثورة يناير، وعودة النظام السابق.

من أجل كل ما فات، ومن أجل نمرة 6 تحديداً، خرج الكهنة، والدببة للتقطيع فى «صباحى» بصورة غبية تجعل النتيجة لا تخرج عن:

- تشويه لرجل لم يفعل شيئاً سوى أنه تجرأ وأعلن ترشحه للرئاسة وطلب ضمانات من مرشح آخر لم يعلن بعد أى شىء عن ترشحه.

- تصوير الأمر وكأنه أوامر جاءت من جهة سيادية ما، ومعظم هؤلاء الدببة تاريخهم شاهد عليهم فى هذه النقطة تحديداً، للتقطيع فى «صباحى».

- تعاطف يكتسبه الرجل من شرائح تراه مظلوماً فى هذه الحملات المستمرة والموجهة والتى تزداد مع مرور الوقت شراسة لإقصاء وتشويه الرجل.

- تصوير الأمر وكأن «السيسى» لو دخل انتخابات الرئاسة فهو محاط بمجموعة من الدراويش وقطاعين الطرق على كل من تسول له نفسه الوقوف أمامه أو انتقاده، وهو ما يفتح باباً لصناعة نصف إله أو ديكتاتور وليس رئيسا نحلم به.

- صناعة مجموعة مع الأعداء المستائين من قذارة ما يحدث، والذى يوحى بأنه سيتكرر مع الجميع، ويعطى انطباعاً بأننا (داخلين على أيام سودا) وهو ما يستغله الإخوان أحياناً، أو هواة التوليع فى الأمور فى أحيان أخرى.

- إعطاء انطباع أن نفس الوشوش الكالحة التى كان يستخدمها نظام مبارك وأجهزته الأمنية، ستلعب مع «السيسى» هذه المرة، وتعرض نفسها عليه على طريقة (هيت لك)، والواقع أن «السيسى» حتى الآن لم نسمع منه (معاذ الله).

مرة أخرى أؤكد: حمدين صباحى ليس ملاكاً، وله أخطاء وخطايا، وعنده ما يمكن أن تواجهه به، وتزنقه فيه، فلماذا لا يكون الأمر بنظافة، وبمهنية بدلاً من هذه الـ.... ولاّ بلاش.

بالمناسبة، لم أنتخب «صباحى» ولم أكن يوماً من المتحمسين له سياسياً رغم علاقة طيبة إنسانياً، وسلامات ودودة فى المناسبات العامة، لكن ما يحدث معه باختصار: قلة أدب.

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: كيف جرأتم على الاختلاف؟؟

«خونة، وعملاء، وطابور خامس، وقابضين من قطر، وتابعين للأمريكان، ولهم أجندات»، تهم جاهزة دائماً وصالحة لكل الأزمنة، طالما أن العقول بهذا الرخص، والتفكير بهذه الدرجة من السفه، والمزايدة هى العملة الرائجة، والإعلام هو المشجع والمحرض، والنخب هى التى تتعامل بهذا الأسلوب، فكيف تلوم على كلاب السكك إذا نبحوا عند مرورهم بمن يختلف معهم مصادفة؟؟ وكيف تغضب من ناس تتعمد فى اختلافها معك أن تهينك، وتشخصن الموضوع بدلاً من محاورتك، ومجادلتك بالتى هى أحسن؟ وكيف لا تشفق على شخص يتولى التفتيش اليومى على نيتك وضميرك، معتقداً أنه الفلتة وجهبذ عصره وأوانه الذى كشف أمرك أيها المختلف، وأنه الوحيد الذى يفهم، ويعلم ببواطن الأمور، ليظل يبغبغ بكلام كلما تكرر تضحك أنت عليه بينما تصدقه مجموعة من ضعاف العقول، وقاطعى طرق الحرية، والجهلاء حقاً وصدقاً؟؟

هذا البلد انعدم فيه الخيال سواء من نخبته أو من عابرى السبيل الذين يقابلونك مصادفة، فيصدرون أحكامهم، أو يقرأونك بمنتهى التحفز، أو يعلقون على ما تقول بمنتهى التطرف، لا لشىء إلا لأنك اختلفت؟. وكيف ذلك وهم يكرهون الاختلاف.

هل تريد أن تفهمنى أن هؤلاء الذين صنفوا الناس فى قلب الثورة إلى ثوار وأجندات وشباب شريف مغرر به، يختلفون عن هؤلاء الذين صنفوا المختلفين معهم على أنهم فلول أو تحريات عسكرية فيما بعد؟ وهل اختلف رد الفعل على من يقولون «يسقط يسقط حكم العسكر» عن رد الفعل على الذين هتفوا «يسقط يسقط حكم المرشد»؟

هل تريد أن تقول لى إن الخرفان فصيل واحد فى مصر؟؟ وإنهم رحلوا بعد 30 يونيو؟؟ طب بذمتك ودينك ألا يوجد خرفان الآن؟؟

هذا الشعب يكذب الكذبة ثم يصدقها. يهاجم الثورة، ثم ينزل ليحتفل بنجاحها. تدافع عن الجيش باستماتة، ثم تهتف «يسقط يسقط حكم العسكر»، ثم تهاجم «السيسى» بوصفه «إخوان»، ثم تدافع عنه بوصفه البطل، ثم ترفض كل من يقول «يسقط يسقط حكم العسكر»، وكما لبس الفلول كل المصائب، يلبس الإخوان باقى المصائب، أما الناس اللى فى النص، الناس الذين ملوا الفريقين وقذارة لعبهم، فيدهسهم الجميع فقط لأنهم مختلفون.

كيف تطلب المثالية وأنت لست كذلك، ثم كيف تسول لك نفسك أصلاً أن تهاجم هؤلاء الذين يسعون إليها، وتتهمهم بالخيانة لمجرد أنهم يظنون أن اليوتوبيا يمكن أن تتحقق إذا آمن بها الجميع، ثم كيف وصلنا لدرجة أن نشوه كل المختلفين معنا الآن حتى لو كانوا منا يوماً ما بحجة أننا فى حرب، ومن المسئول عن ترك الحبل على الغارب لكل هذا العبث الذى سينقلب مع مرور الوقت على من يتبعونه كما انقلب على آخرين من قبل؟؟

كيف تحول «البرادعى» من فخر لمصر إلى خائن وعميل، ثم إلى ضمير الثورة، ثم إلى جبهة الإنقاذ التى تحارب «مرسى»، ثم إلى خائن وعميل مرة أخرى؟ وكيف ينقلب الأمر من حمدين صباحى عند البعض من درجة أن يكون أملاً لهم فى البعد عن خيارات «أبوالفتوح» و«شفيق» و«الإخوان»، إلى رجل يشتمه الجميع لمجرد أنه تجرأ وأعلن نزوله الانتخابات مطالباً «السيسى» بضمانات ثورية تنحاز للثورة الحقيقية التى لولاها لما كانت ثورات أخرى؟؟

كيف جرأتم على الاختلاف يا أولاد كذا وكذا، أصبح هو لسان حال الجميع، والكل يدعو لشىء ثم يفعل نقيضه، والمصلحة هى التى تحكم، وليس المبدأ، والجهل هو الذى يحارب لينتصر ويسود؟؟

كيف شوه الجميعُ الجميعَ حتى لم يبقَ فى بلدى شىء غير قابل للتشويه، حتى لو كان نبياً مبعوثاً من رب العالمين سيصنفه الكل فى بلد لا يقبل التوبة، ولا يقبل الاختلاف، ولا يريد أهله أن يتحدوا إلا لو حدثت مصيبة.

هذا البلد محفوظ ببركة دعوات أمهات وآباء ملوا السياسة، وانقطعوا للعمل، أو للدعاء لهذا البلد، وليس بسلوك شعبه، ولا نخبته، ولا قياداته، ولا كُتابه ولا هؤلاء الذين يمرون ليبصقوا عليك على اعتبار أن هذا هو أكبر إنجازاتهم، حتى لو كان ما تفعله من أجلهم.. ألا لعنة الله عليهم.

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: برنامج السيسى

يقول الخبر الذى نشرته «الوطن» إن السيسى يعكف على كتابة برنامجه الانتخابى، تمهيداً لطرحه بمجرد ترشحه. تقول الأسطورة إن هناك أصلاً شىء اسمه البرنامج الانتخابى يطرحه المسئول / النائب / الوزير على الناس لكى ينتخبوه ويحاسبوه عليه، وتقول الوقائع إننا شعب لا تهمه البرامج أصلاً. راجع برامج مرشحى الرئاسة السابقين لمصر فى انتخابات 2012، لتكتشف أن جميع البرامج كلام جميل، وكلام معقول، ما أقدرش أقول حاجة عنه، لكن عند التنفيذ، والتطبيق: بلّغ فرار. انسى يا عمرو كما يقولون. لا هناك نهضة، ولا هناك أى مساهمة حقيقية من أصحاب البرامج للتعاون مع الدولة أو مؤسسة الرئاسة الجديدة. ستقول لى إن مرسى لم يكن يعطى أحداً فرصة، طيب وهل نفذ مرسى أصلاً نهضته؟؟.. إذا كنت من هؤلاء الذين سيجيبون: وهو حد إدّاله فرصة؟ يبقى أرجوك، اركن على جنب ولا تكمل قراءة هذا المقال لأن ما تقوله سبب أدعى للإطاحة به.

لكن سأقول لك مثلاً.. مثلاً.. يعنى.. إن برنامج أبوإسماعيل كان فيه العديد من النقاط الجيدة، واستُبعد أبوإسماعيل من انتخابات الرئاسة، لكنه كان دائم الاتصال والتواصل مع مرسى، والإخوان وخيرت الشاطر، فلماذا لم يفعل برنامجه؟ أعود وأقول إن البرامج مجرد ديكور، حتى الآن، يستعين به المرشحون، ولا يسأل عنه الشعب، وربما استغلته المعارضة فى بعض الأحيان فى حربها التى لا تنتهى ضد أى رئيس.

ونعود أيضاً لبرنامج السيسى الذى يجب أن نسأل أنفسنا: من يكتبه؟؟ وما حدود علاقته بالقوات المسلحة؟؟.. يبدو السؤال الأخير غريباً، لكننى سأوضحه بمنتهى الصراحة. أصبحت القوات المسلحة المصرية طرفاً فى المعادلة، وذراعاً للإرادة الشعبية وقت أن تثور ضد الحاكم، ولدينا ثورتان شاهدتان على ذلك. صرفت القوات المسلحة من ميزانيتها الخاصة -التى لا يعلمها أحد مهما ادعى ذلك سوى أشخاص معدودون على أصابع اليد الواحدة- الكثير على مشروعات تنموية للبلد. دخلت بخبرائها فى تنفيذ مشروعات معطلة. قامت بما لم تعلن عنه، وربما لن تعلن عنه، اعتماداً على دور وطنى، إلى جانب شرائها وتحديثها لأسلحتها، اعتماداً على الميزانية من ناحية، والمشروعات التى يسخر منها البعض بمنتهى الجهل من ناحية أخرى، ولنعد للسؤال: ما مدى الاعتماد على القوات المسلحة، وميزانيتها، فى برنامج السيسى الذى يكتبه الآن؟؟ بمعنى.. هل يستطيع السيسى حكم مصر دون الاستعانة بإمكانات القوات المسلحة، وميزانيتها؟؟

هل يستطيع تقديم نفسه كرئيس مدنى حقيقى يعتمد على خبراء ومستشارين بعيدين كل البعد عن القوات المسلحة المصرية؟؟

أعرف طبعاً أن هناك دوراً اجتماعياً تلعبه المؤسسة العسكرية، وأعرف أن هذا الدور ليس جديداً، وأعرف أن المشير طنطاوى كان أحد الذين (نشفوا) ريق ضباط الجيش حفاظاً على ميزانية القوات المسلحة لوقت (عوزة)، وأعرف أن الجيش أصبح طرفاً فى المعادلة، لكن الاعتماد على هذا الحل (السحرى) قد يجعل السحر ينقلب على الساحر، خاصة لو تم بطريقة تستنزف موارد الجيش لصالح الدولة ونسيان التسليح، والدخول به فى دوائر اقتصادية تجعله يعانى إذا عانى البلد، رغم أن المنطق ألا يحدث ذلك أبداً. أعرف كذلك أن الجيش لديه عدد من المشروعات والمبادرات المجتمعية التى يدرسها، وعلى وشك تطبيقها، إضافة لمشاكل يدرس حلها، مثل أطفال الشوارع الذين يدرس ضمهم لدور تتبعه أو يشرف على تربيتهم وتأهيلهم بالمعنى الحرفى لكلمة تأهيل، إضافة لحل مشكلة سائقى التاكسى الأبيض وأقساطهم المتأخرة، والمساهمة فى إسقاط ديون الفلاحين وغيرها من المبادرات والمشكلات، لكن يعود السؤال: ما مدى اعتماد السيسى على الجيش فى برنامجه؟

هل سنكون أمام رئيس مدنى حقيقى أم رئيس لا يستطيع التصرف دون المؤسسة العسكرية، ومواردها، وخبرائها؟؟

عندك أيضاً فى البرنامج نقاط لها علاقة بمشاكل مزمنة فى القطاع الصحى والخدمات، والتعليم، وغيرها من الملفات الخطيرة، والتى يجب ألا يخلو منها أى برنامج، فهل يملك السيسى حلولاً واقعية وعملية يمكن أن يضخها فى برنامجه أم لا؟؟

فى رأيى أن السلاح الوحيد الذى يستطيع السيسى استخدامه لحشد معارضيه وكارهيه - وهم موجودون حتى لو لم تعترف بهم - فى صفه هو شىء واحد..

شىء اسمه: الإنجاز.

فهل يستطيع؟؟

للحديث بقية.

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: وماذا سيفعل «السيسى» مع منافقيه؟؟

صحيح.. ماذا سيفعل؟؟

دعنا نتفق أولاً على أن من يؤيد السيسى وترشحه عدة أصناف:

الأول: مجموعة تحب الرجل وتراه رجلاً وطنياً قام بدور مخلص، يستحق من أجله أن يقود البلد فى هذه المرحلة التاريخية الحساسة.

والثانى: مجموعة من المنتفعين، يرون أنهم كانوا منبوذين بسبب 25 يناير، مما جعلهم يختبئون عازفين عن الظهور، أو شاعرين بألم شديد لرؤية الإخوان يحكمون و(شوية عيال) -كما يرونهم- يشكلون الحكومات وتسترضيهم الأنظمة.

والثالث: مجموعة ترى أنها عصرت «لمون» على نفسها فى حالة مرسى أمام شفيق، فخذلها، وأن الاختيار الآن سيكون بين السيسى الذى يحظى بشعبية حقيقية، مهما زادت معارضته أو اشتدت حدتها، وآخرين سيتعاملون مع الناس على طريقة فئران التجارب.

والرابع: مجموعة ترى أن ترشح السيسى كله خير، فإن أصاب فللبلد، وإن أخطأ، أو فشل، أو تعطلت مراكبه، يسقط تماماً دعوات حكم العسكر، كما سقطت من قبل دعوات حكم الإخوان!!!

من الخطأ إذن التعميم، والقول بأن كل هؤلاء منافقون.. بل أغلبهم وطنيون وجدوا فى الرجل حلاً بعد سنوات ثورة رأوها عجافاً عليهم وعلى الوطن.

طيب.. ماذا تفعل كل هذه المجموعات؟؟

بعضها يمارس عنفاً لفظياً يجب دراسته على المستوى النفسى حقاً وصدقاً، حيث لا يطيق كلمة على الرجل حتى لو فهمها خطأ، ويعتبر نقده خيانة وعمالة أو موالاة للإخوان، حتى لو جاء من أعداء حقيقيين للإخوان، وبعضهم يمارسون إقصاء أشد من هذا الذى مارسه الإخوان، مراعين أن يكون الصوت الواحد هو الغالب على اعتبار أنها حرب حقيقية، وبعضهم يمارس تبشيراً بالرجل وكأنه دين جديد أو إله يجب أن نعبده لدرجة تدعو آخرين للكفر (نشرت صفحة منسوبة للشئون المعنوية أمس على الفيس بوك صورة للسيسى معها الآية الكريمة: وهزم الأحزاب وحده.. (بالمناسبة الشئون المعنوية تستطيع إغلاق الصفحة فى ثانية لأنها صفحة غير رسمية، لكن للشئون المعنوية والمخابرات الحربية مآرب أخرى)!!!

وسط كل هذا يجب أن نطرح عدة أسئلة: يعنى مثلاً أين الرجل الحكيم -من مؤيدى السيسى- الذى يجب أن يظهر فجأة وسط هؤلاء المؤيدين لكى يقدم السيسى كقائد، وليس كإله، ويدعو الناس للهدوء، لأن ما يفعله كثيرون منهم يفقد السيسى نفسه رصيداً كبيراً عند قطاعات، يحتاجها السيسى بقوة، حتى لو أنكر من حوله ذلك.

ويبرز سؤال آخر: لماذا لا يتم التعامل مع كل هذا على أنه طبيعى جداً، وأن الناس تحب السيسى بجنون فعلاً (هؤلاء يجب أن نذكّرهم بالمناسبة بأن من الحب ما قتل، وهم على وشك)، كما أن هناك سؤالاً ثالثاً يطرح نفسه: يعنى السيسى يعمل إيه فيمن ينافقه؟؟ ويعلم أنه ينافقه؟؟ وهل يدعو السيسى البعض لنفاقه (راجع كتابات إحنا ملك يمينك يا سيسى، وهتنزل الانتخابات غصب عنك وغيرها وغيرها).

الإجابة بسيطة. السيسى لا يستطيع أن يقول لأيهم: لا تنافقنى، أو يستدعيه طالباً منه عدم (الأفورة) فيما يفعل، لكنه يستطيع أن يبعد هؤلاء عن الصورة التى يلتقطها له التاريخ. وألا يفعل مثل مرسى الذى احتضن إرهابيين ومتطرفين ومنافقين و«بوّاسين أيادى» فى استاد القاهرة، فلا يحتضن السيسى أيضاً هؤلاء الذين يعرفهم جيداً، ونعرفهم جميعاً، ونشم روائحهم.

مطلوب من السيسى أن يتصرف على أرض الواقع بعيداً عن الأقوال والعبارات الرنانة ذات الاستمالات العاطفية الواضحة. مطلوب من السيسى أن يبعد عنه منافقى كل الأنظمة الذين يجلس بعضهم فى الصفوف الأولى لندواته، وهم مدعوون دائمون لأى فعالية يكون فيها. مطلوب من السيسى أن يطمئن شريحة مهمة. مطلوب من السيسى خطاب مختلف فى لحظة قراره الترشح، يوضح فيه أنه لن يكرر أخطاء سابقيه، وأن يكون جاهزاً برؤية حقيقية لمسألة الاستقطاب وصناعة الآلهة، وأن يستغل لحظة الاصطفاف خلفه من تيارات مختلفة (مهما كره البعض ذلك فهذه حقيقة إن لم يتم التعامل معها ستدهسهم كما دهست غيرهم)، ليقدم مشروعاً وطنياً حقيقياً المجد فيه لإقامة دولة القانون، وتطبيقه على الجميع، دون حسابات.

فهل سيفعل السيسى ذلك؟؟

للحديث بقية

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: