محمد فتحي

محمد فتحي يكتب: الحالة الغريبة لعبدالفتاح السيسى

المراجعات حلوة مفيش كلام. مراجعاتك لنفسك ومواقفك بين الحين والآخر تستلزم إدراكاً لكونك مرتبكاً تواجه عالماً غريباً لم تكن تظن أنك ستصبح جزءاً منه بكلمة تكتبها أو رأى تجهر به لمن ينتظره، وسيحاسبك عليه إن آجلاً أو عاجلاً شخص لا يعرفك، لكنه يترصد لك، ويدفع ثمنه أبناؤك فى يوم ما، ويظل سبباً فى فخر البعض بك، ولعنات الآخرين، ودخولك فى لعبة التباديل والتوافيق الموجودة فى دائرة تصنيف قذرة تجعلك يوماً وطنياً مخلصاً، ويوماً خلية نائمة ومموَّلاً، ويوماً (انكلابى) حقير بعت نفسك للسلطة التى هى إلى زوال وتبدل من حال إلى حال، ويظل الارتباك سيد الموقف.

دعنى أولاً أبُح لك بسر، وهو أن المعرفة لعنة، وأن الكواليس شىء، والواقع شىء آخر، والفتى والهرى على أشده بين الجميع، والكل يحاول استخراج كارنيه العضوية فى نادى العبث ليصبح عضواً منتظماً بدلاً من انتسابه طيلة ما يقرب من ثلاثة أعوام لا يعرف فيها سوى ما أريد له أن يعرفه، بينما الحقيقة العارية يهرب منها الجميع على طريقة الأساطير الإغريقية القديمة، ولكى تتقبلها، يجب أن ترتدى بعض الملابس، فتفقد الكثير من صدقها ودقتها.

سأضرب لك مثلاً بالحالة الغريبة من الارتباك إزاء ترشح «السيسى» للرئاسة.. عندى من يؤكد أن الرجل لم يكن يريد أن يترشح للرئاسة، وأنه أعلن ذلك لأكثر من شخص مقرب، وأنه كان مخلصاً فى وعده وكلمته قبل أن تدور الدوائر على كل البغاة، ويصبح الترشح ضرورة ومطلباً للعديد من قطاعات الشعب، سواء كان سيترشح رئيساً يحظى بشعبية غير مسبوقة ومحبة جارفة من ناحية، ولعنات جاهزة لدى شريحة لا يمكن الاستهانة بها مهما قللت من شأنها من جهة أخرى، إضافة إلى لحظة تتوحد فيها الأغلبية خلف رجل واحد، بمن فيهم المرشحون المحتملون للمنافسة، وتفرض اللحظة التاريخية، وإرادة العقل الجمعى للمصريين، أن يأتى الرجل بمنطق (الراجل الجدع اللى هيلم الليلة)، لكن عندى أيضاً من الشواهد والمقدمات ما يؤكد أن ترشحه سيكون حلقة فى مسلسل صناعة ديكتاتور لا يرينا إلا ما يرى، من خلال عدد كبير من الشماشرجية الذين يتبرعون بلعب دور الدب، والذى يمكن أن يقتل صاحبه فى أى لحظة بمحبته الجارفة له، لكن أعود وأسأل: «وماذا لو لم يترشح السيسى أصلاً للرئاسة؟» لنفاجأ باختيار قريب الشبه من الاختيار الكارثى الذى وصلنا له فى الانتخابات الرئاسية وتكون المنافسة بين عدد من المرشحين الليبراليين وذوى المسحة العسكرية من جهة، ومرشح واحد مدعوم من التيارات الإسلامية والإخوان ومن عاونهم من جهة أخرى، لندخل فى نفس الحارة المزنوقة مرة أخرى، ثم يزيد الارتباك حين ستدرك من قبل الهنا بسنة أن نزول «السيسى» الرئاسة سيحرقه، وسيجعل منه رئيساً يواجه من التحديات ما لم يواجهه رئيس قبله، ليبدو الفشل وشيكاً مع مرور وقت دون إنجاز حقيقى فى مواجهة جماعة ما زالت (تلوش) هى ومن معها، لأنه لم يعد لديها شىء تخسره، ولأنها تجيد تسويق نفسها فى دور الضحية، واستقطاب تعاطف الكثيرين مع الناس مع استمرار (غباء) التعامل معها، والدعوة لمحوها تماماً من الوجود، مما يدخلنا فى (معركة وجود) مع كيان ستأتى له لحظة ويمارس جنوناً فعلياً لا مجازياً كما نراه الآن، وفى نفس الوقت فإن عدم نزول «السيسى» للرئاسة سيدفع قطاعات عظيمة من الناس لليأس لأنهم لا يريدون تكرار تجربة غير مأمونة النتائج، ولأنهم ملوا أصلاً من دور شعب التجارب الذى يمارس معه الجميع كل الألعاب، ويدفع هو الثمن فى النهاية، لكن نزول «السيسى» للانتخابات سيزيد من دوائر الضغط الخارجى وتسويق أن ما حدث انقلاب عسكرى، إلا أن الرد الجاهز سيكون: «وهل لو لم يترشح سيصبح بريئاً من تلك التهمة، وستكف الضغوط؟ وهل نوافق فى لحظة تحدينا فيها إرادة أمريكا وألمانيا وفرنسا وإنجلترا لاستمرار رئيس فاشل بحجة تطبيق الديمقراطية والشرعية، وانتصرنا فى جزء كبير من المعركة أن نتراجع مرة أخرى؟».

الموضوع مربك.

نزول «السيسى» سيعيد نغمة (حكم العسكر) لكن عدم نزوله قد يدخلنا مرة أخرى فى مرحلة (حكم الأهبل).

ترشح «السيسى» سيعيد نغمة الحاكم الفرد والدولة الأمنية بعيداً عن الحلول السياسية، وعدم نزوله سيدخلنا فى كلام فارغ مع ناس ستتعلم فينا الرئاسة ويكون لديها عقدة نقص حين تتعامل مع «السيسى» باعتباره رئيس الرئيس، الذى يجب إزاحته والصدام معه إذا أردت أن تحكم.

من الآخر.. صراع المبدأ والمصلحة لن يجدى هذه المرة.. جربنا المبدأ.. مشّوها المرة دى مصلحة، لأننا فى كل الأحوال لن نتفق لا على المبدأ، ولا على المصلحة.

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: سلام على «الحصرى»

1- لو لم يفعل الشيخ محمود خليل الحصرى فى حياته سوى تسجيله للمصحف المعلم لكفاه، لكنه فعل ما هو أكثر من ذلك.

2- هذا هو بيت العائلة.. جدى، الشيخ الأزهرى المعمم الذى يخطب الجمعة ويصلى التراويح إماماً بالناس ويتلو القرآن فى المآتم، يفتح الراديو دائماً على محطة القرآن الكريم، وأجلس بين يديه أسمعه مما حفظت فيعطينى «النص ريال» كما يسميه، وهى لدينا كانت «بريزة» فأتفاخر بها كثروة عظيمة فى هذا التوقيت، أما منزلنا فقد علق فيه أبى مكتبة صغيرة للشرائط التى كان يسجلها لكبار قارئى القرآن الكريم فى مصر، وكان يختبرنى فى أصواتهم التى يجب أن أتعرف عليها بمجرد بدئه للتلاوة، قبل أن يطلب منى أن أسمعه الآية على طريقة أحدهم، وحتى وقت قريب لم أكن أعرف لماذا اخترت فى البداية الشيخ الحصرى تحديداً لأقلده، لكن مؤخراً عرفت.

3- وُلد محمود خليل الحصرى فى قرية شبرا النملة بالفيوم، التى انتقل إليها والده قبل ولادته، وأدخله هذا الأخير «الكُتَّاب» فى سن أربع سنوات ليتم حفظ القرآن الكريم فى سن الثامنة (بالمناسبة أين اختفت الكتاتيب ومكاتب تحفيظ القرآن فى مصر؟)، وفى المسجد الأحمدى فى طنطا، قرر الشيخ، الطفل، أن يبحر فى علوم القرآن، فأجاد قراءاته العشر، وتخصص فى «علم القراءات»، وذاع صيته فى طنطا؛ حيث كان «نجم» مجالس الناس، يستبشرون به خيراً حين يبدأ مجالسهم بتلاوة القرآن، ويتمايلون على صوته وهم يقولون: الله الله يا شيخ.. وفى السابعة والعشرين من عمره، وتحديداً عام 1944، تقدم «الحصرى» لاختبارات الإذاعة ليكون ترتيبه الأول فى نتائج الاختبارات، وبعدها وفى نفس المسجد الذى حفظ فيه القرآن عُيِّن الحصرى قارئاً، قبل أن ينطلق إلى القاهرة ليجد مكانه فى مسجد الحسين.

4- فى حياته الشخصية كان «الحصرى» حريصاً على أن يحفِّظ أبناءه القرآن الكريم، ونقلاً عن صفحته على «ويكيبيديا» يقول أحد أبنائه: «كان يعطى كل من حفظ سطراً قرش صاغ بجانب مصروفه اليومى، وإذا أراد زيادة يسأل: ماذا تحفظ من القرآن؟ فإن حفظ وتأكد هو من ذلك أعطاه. وقد كانت له فلسفة فى ذلك؛ فهو يؤكد دائماً حفظ القرآن الكريم حتى نحظى برضا الله علينا ثم رضا الوالدين فنكافَأ بزيادة فى المصروف، وكانت النتيجة أن التزم كل أبنائه بالحفظ، وأذكر أنه فى عام 1960م كان يعطينا عن كل سطر نحفظه خمسة عشر قرشاً، وعشرة جنيهات عن كل جزء من القرآن نحفظه، وكان يتابع ذلك كثيراً إلى أن حفظ كل أبنائه، ذكوراً وإناثاً، القرآن الكريم».

5- أعود لأجيبك عن سؤالى قبل قليل: لماذا اخترت «الحصرى» تحديداً فى بداية حفظى للقرآن الكريم كى أتلو مثله أو أحفظ على يديه ولو بشكل غير مباشر؟ وأجيبك: لأنه السهل الممتنع.

كان «الحصرى» متقناً للقراءات العشر، لكنه فى نفس الوقت كان حريصاً على تلاوة القرآن الكريم بالشكل التقريرى الذى يجعلك تشعر وكأنك تسمع الآية كما نزلت على سيدنا النبى، عليه الصلاة والسلام. لا يعتنى بزخارف الصوت وطبقاته بقدر ما يعتنى بمخارج الألفاظ واتباع أحكام التلاوة، ليبدو وكأنه لا يبذل أى مجهود فى تلاوة القرآن الكريم بإعجازه وتشكيله الذى يستلزم مراجعة دائمة، ليرضى «الحصرى» بأن يكون عند كثير من الناس الخطوة الأولى فى حفظ وتلاوة القرآن الكريم، وياله من شرف!! قبل أن تنطلق بعده، لو نادتك التلاوة، إلى آفاق أرحب، فتنبهر بـ«المنشاوى»، وتُذهل من عبدالباسط عبدالصمد وهو يقرأ بدايات سورة التكوير فى نفس واحد، وتفرح بسماع صوت الكروان محمد رفعت، وتحب تجديد «الطبلاوى» وحرفنة عبدالعزيز على فرج وترتيل «البنا»، الذى لا يقارَن، وجمال شعبان الصياد، وتسجيلات الشيخ عنتر النادرة، وتجليات أبوالفرج الشاذلى، وشرائط السيد متولى القديمة، لكنك ستظل تذكر أن أول من حببك فى تلاوة القرآن هو محمود خليل الحصرى الذى كان أول من سجل القرآن فى العالم بطريقة المصحف المعلم، وأول من سجله إذاعياً بالقراءات العشر، وأول من ابتُعث من مصر لقراءة القرآن فى الهند وباكستان، وأول من قرأ القرآن فى قاعة إيوارت الشهيرة فى بريطانيا، إضافة لكونه أول من نادى بإنشاء نقابة لقراء القرآن الكريم ترعى مصالحهم وتضمن لهم سبل العيش الكريم، ونادى بضرورة إنشاء مكاتب لتحفيظ القرآن فى جميع المدن والقرى.

سلام على الشيخ الحصرى الذى تحل ذكراه اليوم، والذى أوصى قبل وفاته بثلث ثروته لخدمة القرآن الكريم وحفاظه.

 

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: كانت له حبيبة

فى البدء كانت أمه. تنظر لابتسامته التى ارتسمت على شفتيه وهو نائم لتدرك أن الملائكة يلعبون معه. تمسك بأطراف أصابعه وهى تساعده على المشى. تحتضن الدنيا فيه إذا استيقظ باكياً وتطبع قبلتها على جبينه. تغار من حبه لوالده الذى لم يتعب فيه كما تعبت، لكنها تدرك أن الابن سر أبيه، وأنها تعشقهما معاً. فى اليوم الأول للمدرسة تصطحب الكاميرا لتصوره. تتسلل وتنسحب حتى لا يشعر بها فيبكى.تعاتبه على أكل اللانشون حاف، وانتقاء البسطرمة وحدها من طبق البيض بالبسطرمة، وتتشاجر معه لأنه لا يريد أن يكمل اللبن، لكنها تحتضنه وهو يدخل من باب مدرسته ويعمل لها (باى باى). تحبه مدرسته وتتمنى أن تنجب طفلاً يشبهه، و(تتوحم) عليه بعد أن تتزوج، وتمرر أناملها بين شعره، وتتصنع الغضب منه إذا لم يعمل واجبه، فإذا بكى احتضنته وأعطته البونبونى وقالت له إنها تفعل معه ذلك لأنها تريده (شاطر). يجرى فى الحوش ويحرز هدفاً فى (حصة الألعاب) فتصفق له البنت التى سيحبها فيما بعد، وستبتسم فى خجل وهو يقول لها: «بحبك» لكنه سيعرف أن أجمل قصص الحب هى تلك التى لا تكتمل، وأن حبيبته لم تأت بعد. ستكبر شقيقته الصغرى، ويصبحان «ناقر ونقير»، لكنها ستحبه لأنه يأتى لها (بالتوك) حين يريد أن يصالحها، ويمسك يدها وهما يعبران الشارع ليشعرها أنها فى أمان. فى الجامعة ستحبه زميلته وسيعشقها ويخاف عليها، ويكلمها بالساعات على الموبايل، ويغار عليها من الجميع، وسيحب أن يكمل حياته معها وتصبح أم أولاده، لكنه سيقرر تأجيل التفكير فى كل شىء، وأى شىء، لما بعد هذا اليوم. تقول حبيبته التى هى أمه، ومدرسته، وجارته، وزميلة دراسته، وأخته الوحيدة: لا شىء يهم بعد المكالمة. كل شىء يضيع.

لم يكن من ضمن الاحتمالات أن يقتل فى مظاهرة سلمية، أو يدهس فى مسيرة تطالب بالحقوق، أو يفقد عينيه وهو يهتف، أو يلقى من مدرج ذهب إليه ليشاهد مباراة بعد أن تكسر رقبته، أو يفقد حياته وهو يقف فى كمين فى العريش لأنه يؤدى واجبه، لكن هذا ما حدث.

ستنظر لابتسامته وهى تدرك أنه مع الملائكة الآن، وتمسك بأطراف أصابعه لمرة أخيرة قبل أن يغطوه بالقماش الأبيض، وتطبع قبلة على جبينه، وتجلس لتنتظر من يأتى بحقه.

ستمشى فى كل المسيرات، وتحضر كل الاجتماعات، وتظهر فى كل البرامج، وتصدق كل الوعود، لكن الأكيد أن من قتلوا ابنها لم يحاسبوا بعد، وأنهم ينامون هانئين بينما تحضن هى ذكراه فى كل أماكن البيت الذى شهد ضحكه معها.

ابنها الذى كان يحمل اسماً وحلماً فى وطن أفضل، وكانت له حبيبة تحملت رؤيته، والخرطوش يملأ جسده والدماء تسيل منه وعيناه مفارقتان للحياة وما زالت رائحة ملابسه هى كل ما تملك فى الحياة، أملاً فى عدل وعد به رئيس، ومحاكمة حقيقية تعهد بها ولم يفعلها حتى الآن. هو أيضاً كانت له حبيبة لا تتمنى أى شىء الآن سوى أن تذهب إليه، وتترك كل هذا العبث.

(ينشر للمرة الثانية بتصرف، لأن شيئاً لم يتغير بعد)

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: دع القوس مفتوحاً لمزيد من الشهداء

لم يتوقف الدم بعد..

لا أوقفته الثورات، ولا تغير الأنظمة، ولا خلع الرؤساء، ولا تبديل الحكومات.

لم توقفه الهتافات، ولا المظاهرات، ولا الاعتصامات، ولا الاشتباكات. لم يحاسَب أحد، ولن يحاسَب أحد، بل يذهب الجميع ضحية غباء الجميع.

كيف وصلنا لهذه المرحلة من الغباء والاندفاع والحماقة والتهور، رغم أن هدفنا جميعاً: وطن على مقاس الحلم؟ بل كيف وصل الحلم إلى كابوس مزعج لا نستطيع أن نستيقظ منه مهما فعلنا؟

حوادث القطارات كما هى، والفساد كما هو، والغلابة يدفعون الثمن دائماً.

نفس الفيلم، بنفس السيناريو، بنفس التصريحات اللاحقة، بنفس المطالبات، والشىء الوحيد الجديد هو الأسماء، لكن للأسف: نفس النتائج.

اسألوا الجنود الذين يموتون كل يوم فى سيناء برصاص إرهابيين تم تفويض القائد العام للقوات المسلحة لمواجهتهم، ولم تنكسر شوكتهم بعد.

جنود غلابة ستسقط أسماؤهم من الذاكرة، ولن ينزل أحد للتظاهر من أجلهم، ولن يرسم لهم أحد جرافيتى، ولن يخرج من يهتف: عايزين حقوقهم، لأن الكل منشغل بالخناقة التى لا تنتهى.

ولأن استخدام القوة والعنف فى مواجهة الإرهابيين والجماعات التكفيرية، ستتبعه ثورة على الطريقة، وادعاءات بأن ذلك ضد القانون، وإذا كان ذلك وفق القانون، لن يسقط أحد، بسبب فشل ندفع الآن ثمنه.

أين حق جنودك يا سيسى؟؟

أين الثأر من قَتَلَتِهم يا وزير دفاع مصر؟؟؟

ومتى تكشف عن قَتَلَة جنودنا فى رفح عام 2012 يا صاحب أشهر تفويض فى تاريخ مصر الحديث، وهو التفويض الذى لم يشعر أحد بنتائجه الحقيقية حتى اليوم؟؟؟

الكل يغنى على ليلاه، والنتيجة أننا نضيع، وأن النبلاء يدفعون الثمن.

اسألوا شهيد محمد محمود الجديد، والذى نزل ليحيى ذكرى شهداء محمد محمود، فترك اسمه فى دفتر إحياء ذكرى الشهداء العام المقبل.

لماذا كان النزول أصلاً؟؟ ولماذا كان الاشتباك؟؟ وكيف ننسى الشهداء طيلة العام ثم نتذكر حقوقهم فى ذكراهم، وكيف لا نتحرك إلا فى هذه الظروف الملتبسة، وكيف تذهب دماء الناس هدراً، وستظل كذلك لأن أحداً لا يفهم، ولا يعقل، ولا يريد أن يفكر أو يقدر الأمور؟؟

من قتله، وكيف سيحاسَب، ومتى سيحاسبون إذا كان القتلة يتبادلون الأدوار مع الضحايا فى مسرحية عبثية لا نعرف متى ولا كيف تنتهى؟؟

يا الله..

كيف يضيع الحق بهذه البساطة وسط أناس نسوا المبدأ وتذكروا المصلحة؟؟

وكيف نريد وطناً مثالياً، ونحن أصلاً لسنا كذلك؟؟

كيف خسرنا كل هذا الرصيد من الأمل الذى كان يلازمنا دائماً فى وطن بحجم الحلم، فى أقل من ثلاثة أعوام؟؟

هل هذا هو ما نزلنا من أجله؟؟

وهل تكفى الأسطوانة المشروخة الخاصة بسرقة الثورة، لكى نصبّر أنفسنا، ونستخدمها كشماعة بين الحين والآخر؟؟

اللعنة علينا جميعاً طالما ظلت الدماء تُهدر..

وطالما ظل القوس مفتوحاً لمزيد من الشهداء.

 

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: مصر ما بتتغلبش

آه والله.. مصر ما بتتغلبش

من الممكن أن تغفو، وأن تنام، لكنها تستيقظ فى اللحظة المناسبة

مصر تمرض، ولا تموت

مصر ما بتتغلبش، مهما ظن أى شخص أو جهة أو حتى كتاب تاريخ أنها انهزمت.

مصر ما بتتغلبش لا فى ماتش كورة، ولا فى أحداث ستنتهى إن آجلاً أو عاجلاً، ولا فى حروب يمر عليها وقت كبير حتى ندرك أننا قادرون على الانتصار فيها، وأن هزيمتنا المؤقتة لم تكن بسبب عدونا، بقدر ما كانت بسبب أنفسنا.

أكتب هذا المقال والدنيا فى التحرير قابلة للاشتعال فى محمد محمود بسبب غباء إدارة الموقف المعتاد الذى ينتهجه الجميع بنجاح ساحق فى الدولة المصرية، بدءاً من حدوتة النصب التذكارى الذى تم تدميره وطمسه وتشويهه بعد ساعات من إقامته فى الصباح الباكر لتكون الرسالة التى وصلت للجميع أن رئيس الوزراء أضعف من أن يفتتحه فى وقت تدب فيه الحياة فى الميدان، وأنه (خائف) من أى ردود فعل تم تأجيلها بالفعل لساعات قبل أن يشوه النصب الذى تم اختيار أسوأ الأوقات والظروف لافتتاحه.

أكتب هذا المقال والدنيا فى التحرير ومحمد محمود قابلة للاشتعال، وكيف لا والداخلية المتهم الأول فى أحداث محمد محمود قتلت القتيل وها هى تمشى فى جنازته، وتقيم سرادق عزاء عند عمر مكرم، وبدلاً من كشف ملابسات هذه الأحداث ومحاسبة القتلة، يتحدث بيان للداخلية عن تعزيته للشهداء، ويا ليت الداخلية صمتت، ويا ليتها ما نصبت سرادقاً مستفزاً أعتقد أنه سيتأثر مما سيحدث؟

أكتب هذا المقال قبل مباراة المفترض أن الكل يعلم أن المنتخب لن يصعد بعدها لكأس العالم، لكننا، وكعادتنا، نتمسك بالأمل فى المستحيل، بعد أن نضيع كل فرص الممكن.

قد ينهزم المنتخب، لكن مصر ما بتتغلبش.

قد تكون الأحداث على أشدها، والدماء تؤكد أن نوفمبر شهر المصائب فى مصر بامتياز، لكن رغم كل ذلك، والله العظيم.. مصر ما بتتغلبش.

قد يشمت من يشمت، وقد يفرح من يفرح، ويبكى من يبكى، لكن أرجوكم جميعاً، (خلّوا العلم مرفوع) بعيداً عن كف رابعة المستفز، والصور الركيكة للسيسى، لأن الباقى الوحيد فى المعادلة لا الإخوان على بلطجتهم ولا السيسى على ما له من دراويش، وإنما مصر.

خلّى العلم مرفوع وأنت تدرك مهما حدث، ومهما كانت النتائج التى سينتهى عليها اليوم أن مصر ما بتتغلبش.

كل الذين احتلونا ظنوا أنهم قادرون على هزيمتنا، لكنهم كانوا مؤقتين، وبقيت مصر.

كل الذين أرادوا سرقة هذا الوطن، أخذوا ما أخذوا وغاروا غير مأسوف عليهم، أو قبعوا فى السجون، أو ألقاهم التاريخ فى مزبلته، وبقيت مصر.

كل الذين يتآمرون على مصر، سيكيدون لنا كيداً، وسيمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين، وهو الأعلى والأعلم بأن مصر.. ما بتتغلبش.

مصر مرت بما هو أصعب، وشهدت ما هو أسوأ، وحدث معها ما هو أقذر.

ثم انتهى كل شىء ليصبح صفحة واحدة فى كتاب التاريخ،

صفحة يمكن نزعها بشرط التعلم منها.

مصر لا تسقط مهما اهتزت

وكلما ظن البعض أنهم سيجهزون عليها، وقفت لتعلن أنها باقية.

علموا أولادكم أن يبقى العلم مرفوعاً.

علم مصر وليس كف رابعة الذى سيصبح شعاراً بديلاً لجماعة خرجت من التاريخ.

علم مصر وليس صورة السيسى الذى لا يرضى بأن يضع صورته بديلاً للعلم، ولا أن يتاجر بها نفس الذين أضاعوا هذا الوطن مرات ومرات.

علّموا أولادكم أن أخطاء آبائهم لم تكن فى مجرد حسن نيتهم، ولا فى نزاعاتهم مع الآخرين على وطن كل منهم يريده على طريقته وحده دون أن يشاركه الآخرون، ولكن لأنهم انشغلوا بيسقط يسقط، أكثر من انشغالهم بـ(يصعد يصعد)، وبتشويه بعضهم البعض، بدلاً من تجميل صورة الوطن.

علّموا أولادكم، أن كل ذلك سيمر، مهما طال، ومهما كانت نتائجه.

والله العظيم سيمر، وتبقى مصر.

علّموا أولادكم أن مصر.. ما بتتغلبش.

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: من يصنع الرئيس القادم؟

خلال اليومين السابقين ناقشت فكرة (صناعة الرئيس)، فالرئيس الذى لا تجده يمكنك صناعته، والسيسى فى مأزق سواء ترشح أو لم يترشح، وفى كل الأحوال لا توجد حلول يبدو أنها قريبة أو مدروسة، ولا توجد حتى رغبة فى مواجهة حاسمة ولو اسماً، لأنها عملياً لن تكون كذلك، كما أن اللجوء للوجوه القديمة من وجهة نظرى فشل بعد الأداء المترهل لها فى الفترة السابقة ليبدو واضحاً للجميع أنهم أقل من حكم مصر، وأننا لا يجب أن نخضع لتجارب جديدة، وقلت إن الرئيس القادم يجب أن يحظى بحد (أقصى) من التوافق إذا أردناه أن يعمل وألا يكون (عروسة جوانتى) فى أيدى غيره، مؤكداً أن فكرة (الرئيس الكاريزما) إلى زوال، وأن فكرة (الرئيس المؤسسة) هى التى يجب أن تحكمنا الفترة المقبلة، وكانت ردود الأفعال غاية فى التباين بشأن الأسماء المطروحة، وسواء كانت هذه الأسماء هى عدلى منصور أو مصطفى حجازى أو أى اسم آخر، فالهدف ليس الاسم، أو الترشيح، وإنما نشر طريقة التفكير الخاصة بالخروج من صندوق نفس الأسماء المعلبة، إلى براح صناعة رئيس على مقاس أحلام المصريين، مستنداً بالطبع إلى كفاءة، وإلى فريق رئاسى يفهم الفكرة ويقدم نموذجاً محترماً وحضارياً لدولة المؤسسات التى إن صلحت مؤسسة الرئاسة بها أثر ذلك على باقى مؤسسات الدولة.

وأعود لأكرر أن إخراجى للإخوان المسلمين من دائرة الاهتمام برغباتهم فى الرئيس القادم، تعود إلى أنهم سيعترضون أو يعارضون أى اسم ما لم يكن منهم سراً أو علناً، ومع ذلك، فيجب ألا تغفل أنهم أول من طبقوا تجربة (صناعة الرئيس) حتى وإن فشلت.

ثم أعود لألفت نظر سعادتك أن رفضك للإخوان لا يعنى إخراجهم من المعادلة، ومعهم التيارات الإسلامية الأخرى، ففى النهاية، وحتى لو أقصيتهم جميعاً من العمل السياسى، وأخرجتهم من معادلات المناصب والمشاركة فى إدارة البلاد عقاباً لهم على ما اقترفوه خلال سنة كبيسة من الحكم، والإجابة من وجهة نظرى (دون ترتيب) كالتالى:

1- الأزمة تصنع رئيساً.. هناك أزمة تستدعى وجود بطل أو مخلص فتتصاعد شعبيته فينادى به الناس، بغض النظر عن ظروف الأزمة واحتمالية صناعتها، كما أن هناك العديد من الأزمات التى صنعت رؤساء لمجرد أن يكونوا بديلاً (مرسى مثلاً)، ومن ناحية أخرى فالأزمة قد تهدم فرص الرئيس، بمعنى أن أزمة كبيرة يتم التعامل معها من شخص مرشح للمنصب بأسلوب غبى قادرة على إسقاطه وإكساب منافسيه رصيداً لم يكونوا فى انتظاره.

2- الإعلام يصنع رئيساً.. هربرت شيلر اعتبر وظيفة الإعلام وظيفة المتلاعبين بالعقول، ونظريات الإعلام، وظروف هذا البلد وتباين فئات شعبه تؤكد أن الإعلام قادر على تسويق الرئيس وإنجاحه ثم فرعنته، أو إفشاله وتسفيهه، وهنا: فتش عن مُلّاك الإعلام ومصالحهم وتحالفاتهم.

3- الجيش يصنع رئيساً.. هذا البلد لا تستطيع إخراج الجيش من معادلاته السياسية مهما ظننت أنك قادر على ذلك، ومهما ادّعى هو العكس. الجيش يجب أن (يرضى) عن الرئيس بنسبة أو بأخرى.

4- الأعداء يصنعون رئيساً.. سواء كانوا أعداء حقيقيين أو وهميين، فوجودهم يصنع خوفاً يعجّل بصناعة رئيس يواجه هؤلاء الأعداء.

5- المجتمع الدولى يصنع رئيساً.. أمريكا وعدد آخر من الدول ذات المصالح تشارك بنسبة أو بأخرى فى صناعة رئيس مصر شئنا أم أبينا. وقد تقول سعادتك.. كيف أخرجت الناس من كل الأطراف السابقة فى صناعة الرئيس، وهنا يجب أن أعترف لك اعترافاً مهماً: الناس فى مصر لا تصنع الرئيس.. بل تصنع الفراعنة، وهم فى كل المعادلات موجودون بشكل أو بآخر لكن ليس فى موقع الفاعل، بل فى موقع المفعول به المنصوب.. عليه.

غداً قد نشرح أكثر...

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: مزيج بين «الأسود» و«الثعالب»

كان السيسي يقابل الإخوان أيضاً، الذين لفت نظرهم تدين الرجل وحفظه للقرآن وحرصه على الصلاة فاعتبره «محترماً» و«مخلصاًً» و«بتاع ربنا» كما كان للرجل قنوات اتصال مع خيرت الشاطر بالضرورة الذي اعجب بشخصية «السيسي» وراهن على ولائه «للقيادة» أيا كانت بحكم تكوينه العسكري، وبعد انتخابات لم تكشف كواليسها حتى يومنا هذا،أصبح «مرسي» رئيساً للجمهورية، ومكتب الإرشاد رئيسًا لرئيس الجمهورية، وتم ترشيح الثعلب لكي يترقى ، لكن من قال إن الثعلب حين يترقى يبقى ثعلباً؟

 

«هو واحد ممن قضوا طفولتهم يرون فى جمال عبدالناصر بطلاً / أسداً حدث له انكسار بعد النكسة، لكنه عاد من الانكسار بطلاً بإرادة شعبية، ليصبح الحاكم بأمره.. لم يحارب فى أكتوبر 1973، لكنه واحد ممن أدركتهم نشوة النصر لدى الثعلب فقرر أن يلتحق بالكلية الحربية».

(1)

فى كتب الاجتماع السياسى ومراجعه المختلفة هناك اسم توقفت عنده كثيراً هو اسم «فلفريدو باريتو»، وهو عالم اجتماع ذو خلفية اقتصادية مبهرة، ويحلو للبعض أن يعكسوا الأمر فيعتبروه عالم اقتصاد ذا خلفية اجتماعية، لكن بداية معرفتى بالرجل كانت من خلال كتاب تم تدريسه على طلاب دفعة قسم الإعلام بآداب حلوان عام 1997، للدكتور جمال أبوشنب، وهو عن «الصفوات العسكرية فى دول العالم الثالث»، وفيه كلام عن «باريتو» لم نكن نتصور أن نستخدمه فى شىء غير امتحانات التيرم، لكن ها هو «السيسى» يذكرنا به من جديد.

يرى «باريتو» أن الصفوات العسكرية الحاكمة تمثل صراعاً بين نوعين:

* صفوة الأسود.. وتم تشبيهها بالأسود لأنها تتسم بالقوة والبطش وقادرة على الاستيلاء على الحكم من خلال هذه القوة، ووقتها تم اعتبار جمال عبدالناصر ممثلاً لهذه الصفوة. رجل عسكرى بصحبة جيش قام بانقلاب على الملكية الحاكمة، تطور لأن سماه الإعلام «الحركة المباركة»، ثم استقر تعريفه الإعلامى على كلمة «ثورة يوليو 1952»، وبعد أن استولى الجيش على الحكم بالقوة (ودون إراقة دماء) حدث أن طوّر «عبدالناصر» من إمكاناته، فأطاح بمحمد نجيب بمنتهى القوة ودون إراقة دماء أيضاً ليصبح رئيساً للجمهورية، وعلى خلفية هذه القوة استطاعت الأجهزة الأمنية أن تتغول فى البلاد وتصبح لها اليد الطولى فى الرقابة أحياناً وفى الاعتقالات والتنكيل بالمعارضين فى أحيان أخرى، حتى حدثت النكسة، ووقتها كان لا بد من كبش فداء، وهكذا «انتحر» عبدالحكيم عامر، وتمت إقالة ومحاكمة العديد من القيادات الأمنية، وبقى الأسد فى الحكم، حتى قضى الله أمراً كان مفعولاً ومات «عبدالناصر»، لتأتى صفوة مختلفة تحكم مصر، وهى النوع الثانى الذى تكلم عنه «باريتو»، وسماه:

* صفوة الثعالب.. والثعلب بطبيعته ماكر، يقبع كثيراً فى الظل فى انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض، وقد يخطط كثيراً حتى يصل لهذه اللحظة التى يحكم فيها، أو تأتيه الظروف بالحكم نتيجة حتميات تاريخية وصراعات بين الأسود وبعضها البعض، وهذا النوع يمثله ثعلب من طراز رفيع اسمه محمد أنور السادات، واحد من الضباط الأحرار، واحد من المتهمين فى قضية مقتل أمين عثمان، ثم واحد ممن لم يشهدوا «وقت» حدوث الثورة، حيث كان فى «السينما». وبغض النظر عن تفسير هذه الواقعة، وهل كان المقصود بها التمويه حتى يحمى نفسه من المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى لو فشلت حركة الجيش، أو المقصود بها أن يمثل خط هجوم ثانياً يجمع شتات الضباط الأحرار، كما فسر المحبون للرجل هذا التصرف، فإن الأكيد أن هذا التصرف هو تصرف الثعالب، ولم يكن «السادات» محبوباً من بعض الأسود، لكنه ظل بعيداً عن صراعاتهم، يشرف أحياناً على جريدة الجمهورية التى أنشأها النظام الجديد، وله تسجيلات نادرة فى الإذاعة المصرية وهو يلقى خطبة الجمعة! ثم يصعد رويداً رويداً ببطء ولكن بثقة حتى يصل لرئيس البرلمان، ثم نائب الرئيس، وحين يموت الأسد يصبح الثعلب رئيساً بعد فترة من الكمون مليئة بالدهاء.

طيب.. إذا طبقنا النموذجين على عبدالفتاح السيسى، ضابط الجيش الذى أصبح رئيساً للمخابرات الحربية، فعضواً بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد الثورة، وصولاً لكونه وزيراً للدفاع، ثم أخيراً، أطاح، بأمر الشعب، برئيس الجمهورية شخصياً قبل أن يتراجع خطوة للوراء، ولا يحسم جدلاً ودعوات متزايدة لنزوله الانتخابات الرئاسية المقبلة، فهل ينتمى «السيسى» لصفوة الأسود أم صفوة الثعالب، أم أن الرجل نموذج مختلف؟ الإجابة عن هذا السؤال تستدعى مزيداً من الشرح وهو كما يلى..

(2)

اسمه عبدالفتاح سعيد حسين خليل السيسى. هو من مواليد 1954، وبالتالى هو واحد ممن قضوا طفولتهم يرون فى جمال عبدالناصر بطلاً/ أسداً حدث له انكسار بعد النكسة، لكنه عاد من الانكسار بطلاً بإرادة شعبية، ليصبح الحاكم بأمره. بعد أن أعاد الشعب «الأسد» الذى تنحى، صار من المستحيل أن يطيح به شىء إلا الموت، وقد كان.

حين تولى «السادات»/ الثعلب حكم مصر، كان عبدالفتاح السيسى يشاهده مثل آخرين. لم يحارب «السيسى» فى أكتوبر 1973، لكنه واحد ممن أدركتهم نشوة النصر لدى الثعلب، وهكذا قرر أن يلتحق بالكلية الحربية بعد انتصار الثعلب.

قرر «السيسى» أن يكون متميزاً فابتعد عن السياسة تماماً، وركز فى دراساته العسكرية محاولاً أن يثبت تميزه فى نظام عسكرى صارم لا يعترف سوى بالأقدمية، لكنه فى الوقت نفسه يتيح مجالاً لهؤلاء «المتميزين» الذين يعترف بهم الجميع، ليستفيد منهم، ولهذا ركز «السيسى» فى دراساته العسكرية فقط، ولم يعرف عنه رغبته، ولا شغفه، فى الحديث عن السياسة وتحولاتها، بل رضى أن يكون ضابطاً مطيعاً إلى جانب تميزه، وهكذا حصل على ماجستير من كلية القادة والأركان عام 1987، وماجستير من كلية القادة والأركان البريطانية عام 1992 بنفس التخصص، وحصل على زمالة كلية الحرب العليا من أكاديمية ناصر العسكرية عام 2003، ثم كانت النقلة المختلفة حين درس فى الولايات المتحدة الأمريكية، ليحصل على زمالة من كلية الحرب العليا الأمريكية عام 2006.

هناك رافد مختلف من الثقافة العسكرية دخل لعبدالفتاح السيسى بدراسته فى أمريكا، رافد له علاقة بثقافة تتحدث كثيراً عن الديمقراطية، وعن أساليب تطبيقها التى يمكن (حسب العقلية الأمريكية) فرضها على نماذج بعينها، إما من خلال تدخلات أو ضغوط أو -أحياناً- حروب تحت مسميات مختلفة كان آخرها الحرب على الإرهاب!

كان السيسى «ترساً» فى آلة كبيرة فى هذه الأثناء، وكان خريف نظام «مبارك» قد بدأ، مع حديث مستمر عن التوريث، وعن موقف الجيش منه، وبعد أن صار «مقرباً» من القيادة العسكرية بتميزه وطاعته للأوامر لدرجة أن المشير طنطاوى كان يقول عنه إنه مثل ابنه.. تدرج «السيسى» فى المناصب، وتولى قيادة المنطقة الشمالية العسكرية، ثم استقر به الأمر فى النهاية إلى واحد من أخطر مناصب القوات المسلحة، حيث تولى إدارة المخابرات الحربية، ثم قامت الثورة، وكل ذلك يعتبر تمهيداً لكى نجيب عن السؤال الذى نكرره الآن: كيف فكر «السيسى» بعد الثورة؟ ولعل الإجابة آتية، أو هكذا أتصور..

(3)

كانت الثورة بمثابة «نجدة» للجيش المصرى. فى اللحظات الأولى لم يكن أحد يتخيل أن تنجح وأن يبقى الزخم الثورى بهذه الطريقة، لكن أحداً لم يتصور فى الوقت ذاته الاستقبال الأسطورى للجيش وقت نزوله للشارع، والمنطقى أن عبدالفتاح السيسى، مدير المخابرات الحربية، ربما يكون قد أجرى تقديراً سريعاً للموقف رفعه إلى القيادة العامة مفاده أن الجيش محبوب عند الناس، فى لحظة يهتز فيها نظام «مبارك» بقوة، ويمكن إسقاطه، مع بقاء الجيش فى صورة «المنقذ» أو «المخلص»، وهو ما كان.

تمت إزاحة «مبارك» بعد ثورة من الشعب المصرى/ غباء فى إدارة الأزمة من «مبارك» ورجاله/ «ضغط» من المجلس العسكرى الذى كانت هذه هى فرصته الوحيدة والكبيرة للإطاحة بمشروع التوريث/ تراجع فى الموقف الأمريكى من «مبارك»، ليتولى المجلس العسكرى إدارة شئون البلاد، وكان «السيسى» هو «أصغر» أعضاء المجلس العسكرى سناً، وكان لافتاً للأنظار بشدة وهو يتحدث مع نشطاء سياسيين ورجال إعلام وأدباء ومثقفين، فى اجتماعات خاصة، أُعلن عن بعضها ولم يعلن عن الآخر.

ولأنه صاحب عقلية مختلفة عن عقلية «عواجيز» المجلس آنذاك، فقد اعترف بقصة فحوص العذرية لوسائل إعلام دولية، وواجه الأمر بمبرر أن ما يحدث من فحوص لحماية النساء من التعرض لمخاطر التحرش والاغتصاب، وحماية الجنود والضباط من اتهامهم بممارسات جنسية مع المقبوضات عليهن، وكان «السيسى» سيكمل مواجهة الأمر ربما بالإعلان عن تحقيقات داخلية ستجرى لمعاقبة بعض المتجاوزين فى أساليبهم، لكن كان هناك غضب من جناح آخر داخل المجلس العسكرى لهذه التصريحات، وغالباً تم توجيه «أوامر» لـ«السيسى» بعدم الإدلاء بتصريحات إعلامية، وإن ظل يقوم بدوره فى لقاء القوى السياسية المختلفة وكان منهم «الإخوان المسلمون»، وربما فى هذه الملابسات بدأت شخصية «الثعلب» تتشكل عند «السيسى»، فقرر أن يكمل عمله لكن فى الخفاء وفق ما اكتشفه بعد ذلك من «حرق» العديد من لواءات المجلس إعلامياً، وصراعات «الأسود» داخل المجلس وقتها للإطاحة ببعض المشتاقين لدور أوسع، واستبعادهم أو تحجيمهم عن رغبتهم فى الترشح للرئاسة (طارق المهدى مثلاً تم استبعاده إرضاءً لإسماعيل عتمان، وسامى عنان رضخ لتعليمات المشير بعدم إثارة رغبته فى الترشح).

كان «السيسى» يقابل الإخوان أيضاً، الذين لفت نظرهم تدين الرجل وحفظه للقرآن وحرصه على الصلاة، فاعتبروه «محترماً» و«مخلصاً» و«بتاع ربنا»، كما كان للرجل قنوات اتصال مع خيرت الشاطر بالضرورة، الذى أعجب بشخصية «السيسى» وراهن على ولائه «للقيادة» أياً كانت بحكم تكوينه العسكرى، وبعد انتخابات لم تكشف كواليسها حتى يومنا هذا، أصبح «مرسى» رئيساً للجمهورية، ومكتب الإرشاد رئيساً لرئيس الجمهورية، وتم ترشيح الثعلب لكى يترقى، لكن من قال إن الثعلب حين يترقى يبقى ثعلباً؟

(4)

بعد تولى «مرسى» المسئولية ارتفعت أسهم «السيسى»، وتصادف أن وجد الاسم ترحيباً من «المشير»، وهو ما لم يعجب سامى عنان، وفى ملابسات يعرف كواليسها «عنان» و«السيسى» شخصياً، تم تسريب معلومات مضللة لإعلامى محسوب على تيارات أمنية لها علاقة بقرب «السيسى» من الإخوان، وكون زوجته منتقبة، وكان من الواضح أنها ضربة لأى مستقبل محتمل لـ«السيسى» الذى تعامل مع الأمر بهدوء شديد جعل القيادة نفسها تصدر نفياً لما ورد من معلومات، لكن فى 12 أغسطس 2012 كان «السيسى» على موعد مع قرار توقعه هو شخصياً، وهو الإطاحة بالمشير والفريق فى خطوة جماهيرية رفعت من أسهم «مرسى» وقتها، وتوقع الجميع بدء محاكمة «طنطاوى» وسامى عنان عن مسئوليتهما السياسية عن الدماء التى أريقت فى الفترة الانتقالية، لكن «مرسى» خيّب ظن الجميع بمنحهما وسامين وتعيينهما مستشارين له، ويقول البعض: إن ذلك كان بإيعاز من «السيسى» شخصياً، الذى أخبره أن الجيش لن يستقر ولن يطمئن للقيادة الجديدة، لو رأى القيادة القديمة تحاكَم، وسيحدث شرخ كبير لن يستطيع أحد ترميمه، ولن يستطيع القيام بمهامه وقتها، ولقى الأمر هوى عند الإخوان واستهجاناً لدى قوى ثورية عديدة، لكن هذا كان شرط «السيسى».

فى الأيام التالية، أدرك «السيسى» أن كلمة «مرسى» مش من دماغه، لكنه كان فى صراع بين طاعة أوامر القائد الأعلى المنتخب والمصلحة الوطنية التى تقتضى تدخله وتدخل الجيش لتلطيف الأجواء على الأقل، لا سيما بعد أحداث الاتحادية والتعديلات الدستورية، وهكذا قرر «السيسى» أن يجمع القوى المختلفة مع «مرسى» فى جلسة مصالحة فى أحد نوادى القوات المسلحة، ولم يعجب الأمر جماعة الإخوان المسلمين، وتسبب فى ثورة عارمة من خيرت الشاطر الذى عنّف «مرسى» شخصياً كما تقول العديد من المصادر، فاتصلت الرئاسة بالجيش طالبة إلغاء اللقاء.. وقد كان. ومثّل الأمر إهانة لـ«السيسى» عند البعض، لكنه أكسبه نقطة فى صالحه عند تيارات أخرى رأته يريد أن يصلح ويجمع الناس فى مواجهة رغبة أكيدة من «مرسى» وإخوانه للانفراد بالحكم، وهكذا خرج الثعلب منتصراً من هذه المعركة انتصاراً يمكن أن تسميه انتصاراً تراكمياً يضاف إلى انتصارات أخرى داخلية تمثلت فى مواجهات بينه وبين خيرت الشاطر فيما يتعلق بالموقف قبل 30 يونيو، وكان «المربك» لـ«مرسى» أن «السيسى» يؤكد أنه مع الشرعية، لكنه فى الوقت ذاته يؤكد أن الجيش ينحاز لإرادة الشعب، وهو ما مثل لغزاً لم يترجمه أعضاء مكتب الإرشاد حينها، حتى خرج «السيسى» فى أحد الاحتفالات ليتحدث حديثاً عاطفياً وصل للناس مباشرة، وركزت عليه وسائل الإعلام، وكان نقطة انطلاق قوية للثقة فى أن «السيسى» يعطى «مرسى» إنذاراً مبكراً، ثم فضل «السيسى» أن يلعب دور الناصح الأمين، فقدم لـ«مرسى» تقديرات موقف متتالية عن السخط الشعبى وعن عدم رضا الناس عن العديد من التصرفات والقرارات، لكن من قال إن «مرسى» كان يسمع؟

هناك حكاية متداولة فى الكواليس مفادها أن خيرت الشاطر شعر بالخطر فى هذه الأثناء، وأنه اتصل بمدير المخابرات الحربية الجديد وطلب لقاءه فى اجتماع سرى، وحين وصل «خيرت» لمقر المخابرات الحربية، وحين دخل المكتب، وجد «السيسى» فى مواجهته.

وهناك حكاية أخرى أكثر توثيقاً، هى أن الإخوان والرئاسة حاولوا التواصل مع اللواء أحمد وصفى، قائد الجيش الثانى، ليعرضوا عليه القبول بمنصب وزير الدفاع بعد الإطاحة بـ«السيسى» وحركة الاعتقالات التى ستواكب 30 يونيو وما بعدها، لكن «وصفى» أخبر «السيسى» بالأمر وقطع خطوط الاتصالات.

لكن الحكاية الأكيدة التى حكاها «السيسى» بنفسه هى اتفاقه مع «مرسى» على بنود خطابه قبل الأخير، الذى تصور فيه «السيسى» أن القيام بعدة إجراءات قد يخفف من حدة الناس ويمنع تفجر الأوضاع فى 30 يونيو، وفى المساء لم ينفذ «مرسى» الاتفاق الذى أبدى موافقته عليه من قبل، وفجّر الأوضاع من جديد. وهنا، هنا فقط، قرر الثعلب أن يتحول إلى أسد، لكن كانت معضلته الوحيدة هى: كيف يمكن أن يفعل ذلك دون حشد جماهيرى هائل؟.. وكان الحل فى 30 يونيو.

(5)

فى اليومين السابقين مباشرة لـ30 يونيو كانت الأمور قد وصلت لمرحلة اللعب على المكشوف، وكلما قابلت أحداً من النخبة أو من الإعلاميين أو حتى من المواطنين البسطاء كانوا يتفقون على شىء واحد: «اصمدوا ثلاثة أيام فى الشوارع، وسينزل الجيش على رغبة الشعب».

والحقيقة أن أكثر ما ساعد على هذا الصمود هو الإخوان أنفسهم عبر منصة «رابعة العدوية»، وهنا قرر «السيسى» أن يتدخل بالقوة، ودون إراقة دماء فى هذا اليوم، ليتحفظ على «مرسى» ومستشاريه، ويهرب عدد كبير من رجاله، ويختبئ البعض الآخر، ويقبض على كثيرين منهم، وهنا تحول الثعلب إلى أسد يستولى على الحكم بالقوة.. لكن أى قوة؟

هى قوة الحشود الجماهيرية التى أطاحت بـ«مرسى» وأعطت مشروعية لما فعله الجيش المصرى، و«السيسى» شخصياً، ولأنه درس فى الولايات المتحدة الأمريكية فقد لاعب «السيسى» أمريكا بنفس سلاحها، وهو فكرة «فرض» الديمقراطية، وفى مشهد تم إخراجه على عجل لكن بشكل جيد وموجى، ظهر «السيسى» مع ممثلين لطوائف مختلفة من الشعب تم انتقاؤهم بعناية ليعلن عن «خارطة مستقبل»، ويؤكد أن ما حدث هو خطوة فى سبيل الديمقراطية.

(6)

من المؤكد أن «باريتو» إذن يمكن أن يحار فى فهم موقف «السيسى» بعد كل ما حدث؛ فقد شعر «السيسى» أن طبيعة الأسد لا تناسبه بعد كل ذلك، وإن بعث برسالة للجميع مفادها أنه يستطيع أن يكون كذلك فى أى وقت، لكنه يفضل دور الثعلب، وهو ما يحدث منه الآن، لا سيما فى مسألة ترشحه للرئاسة، والأكيد أن الرجل إن لم يترشح لمنصب الرئيس، فقد أصبح رئيس الرئيس.

القسم: 
المصدر: 

.. ومصطفى حجازى قد يكون حلاً

أمس طرحت سؤالاً للإجابة واسماً للتفكير..

أما السؤال فهو: ماذا سنفعل فى إشكالية حرق الجميع؟

السيسى نجم الشباك والشاطر حسن وبطل الأبطال وزعيم يشتاقه البعض، وهو فى الوقت نفسه قاتل وخائن عند فريق ليس بالقليل مهما ظننت أنه كذلك.

والوجوه القديمة احترقت بغبائها السياسى أو مواقفها المخزية أو تصرفاتها المائعة أو دهستهم الأيام والحوادث لتثبت أنهم لا يصلحون لإدارة بلد بحجم مصر.

فماذا سنفعل؟ وقلت إننا فى حاجة ماسة لـ(صناعة) الرئيس المقبل. وطرحت اسم عدلى منصور، وختمت المقال..

وجاءت العديد من ردود الفعل عبر تعليقات ومكالمات، فالبعض استحسن الطرح، واعتبره منطقياً، ويحل جزءًا كبيراً من الأزمة، لا سيما أن الرجل لم تصدر عنه تصرفات مخزية، أو يحرق نفسه بغباء سياسى أو بهرتلة خطابية، وقرارات عشوائية كسابقيه، ويكاد الرجل يكون نموذجاً لرئيس يمشى على الحبل بمنتهى التوازن حتى لا يسقط، كما أنه لم يسع للمنصب حقاً وفعلاً، بل سعى إليه المنصب لاعتبارات تتعلق بمنصبه لا أكثر ولا أقل، ومع ذلك فأداؤه جيد.

إلا أن البعض الآخر يراه مثالاً آخر للرئيس (الإمعة) ولا يثق بأن قراراته من رأسه، رغم تقليص صلاحياته أصلاً، كما أن الاعتقاد السائد بأن السيسى يحكم من خلاله -وهو اعتقاد غير صحيح بالمناسبة وقد نتحدث عنه لاحقاً- يمنع شريحة كبيرة من الناس (التى ترى السيسى خائناً و«سى سى» قاتل) من قبول عدلى منصور، والذى يشتمونه ويسبونه ويصفونه بـ(عدلى طرطور).

يعنى باختصار سنعود لنفس الجدل. رئيس يراه الناس ظلاً لا أكثر ولا أقل، ويراه آخرون راجل (كُبَّارة) لم تخرج منه (العيبة).

وهنا بدأ الاسم الآخر يبرز..

مصطفى حجازى.. فهل يصلح أن يكون حلاً؟

حجازى مستشار الرئيس للشئون الاستراتيجية والسياسية، خطف الأضواء فى أول مؤتمر صحفى ظهر فيه، وأبلى بلاء حسناً أمام وسائل الإعلام العالمية، ويبدو أن دوره فى الكواليس أهم بكثير من دوره فى العلن، إضافة لكونه وجهاً مقبولاً عند قطاعات عريضة، يسهل تسويقه وصناعته كرئيس ببعض الحملات التى سيواجه من خلالها اتهامات محدودة، بعيدة كل البعد عن (التبعية) أو (الهرولة) أو حتى (التخوين).

هو نموذج لأستاذ جامعى تعلم تعليماً متميزاً، وأدى دوراً مهماً فى الفترة الانتقالية، ويحظى بقبول شعبى جيد، وعلى علاقات طيبة بمختلف التيارات، وإن قلت لى إن الإخوان يكرهونه، فدعنى أقُل لك إن الإخوان سيكرهون الجميع ما لم يكن منهم، ولذلك يجب أن يخرجوا من معادلة صناعة الرئيس طالما لم يتعاملوا بالذكاء الكافى للعودة، وفضلوا عليه غباءهم فى لعب دور الضحية والعناد، للظهور بمظهر المقاوم العنيد وخصم الدولة القوى، وهو الدور الذى يمكن أن يتم تحجيمه مع مرور الوقت.

صحيح ستجد لمصطفى حجازى أيضاً عيوباً قاتلة، لكن من قال إن من سيحكمنا سيكون ملاكاً، أو إننا سنرضى أن يتحول إلى نصف إله.

من فضلك، لاحظ أن فكرة الرئيس البطل أو الزعيم اتهرست فى أكثر من عهد ونظام، وتكرارها يبدو أشبه بتعيين «حزلؤوم» رئيساً، ولذلك يجب الخروج من مأزق الرئيس الكاريزما البطل، لمرحلة الرئيس المؤسسة صاحب فريق العمل، والقادر على إدارة الأزمات.

باختصار مرة أخرى.. ما أريد أن أقوله بوضوح، وبشكل مباشر لا لبس فيه، أن التفكير فى الحلول الخاصة بـ(صناعة الرئيس المقبل) أهم بكثير للخروج من المأزق الكبير الذى نواجهه من العودة لنفس الوجوه القديمة، ونفس الصراعات التى قد تقودنا فى النهاية لمرشح ليبرالى أو ذى خلفية عسكرية فلولية، فى مواجهة مرشح يحظى بدعم إسلامى، ليتكرر نفس الموقف، ونحصل -فى الغالب- على نفس النتائج.

أما من الذى سيصنع الرئيس، فهذا حديث آخر، ينبغى أن نجهد أنفسنا فى التفكير فيه.

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: الرئيس الذى يجب أن نصنعه

بالراحة وبشويش وبشىء من المنطق..

لو ترشح الفريق السيسى للرئاسة، وهو نجم الشباك حالياً، فمن المرجح، إن لم يكن من المؤكد، أنه سيفوز، لكن سيتبع ذلك معارضة شرسة من الإخوان وضغوط دولية وحروب إعلامة غربية، مع حرب نفسية مفادها أن الجيش لم ينحَز إلى إرادة الشعب فى 30 يونيو، بقدر ما كان يحمى مصالحه فى أن يظل على سدة الحكم وأن يدير البلاد من خلال قائده العام الذى سيصبح وقتها قائداً أعلى..

لكن يظل السؤال: وماذا لو لم يترشح «السيسى»؟

نظرة واحدة على أسماء المرشحين المحتملين كفيلة بأن تجعلك تشعر بعمق المأساة..

وجوه محروقة، أو «ملطوطة»، أو مبشرة بدخولنا مرة أخرى فى مرحلة «التجارب»، بعيداً عن الخبرات اللازمة لإدارة بلد فى أزمة، لديه من المشاكل ما يزيد على حاجته ويقبل التصدير!!

أيديولوجيات متباينة، وأسماء لا تحظى بالحد الأقصى من التوافق، بل بمزيد من علامات الاستفهام، ووضع لا يحتمل أى فشل جديد، بعد إغلاق باب الثورات لاستنفادها الحد الأقصى للحدوث فى بلد مثل مصر، إضافة لحروب الكواليس والحلول الربانية غير المتوقعة التى قد يدخل فيها «عزرائيل» طرفاً لاستبعاد وجه أو وجهين لاعتبارات الحياة والموت، وكل ذلك لن يؤدى لشىء إلا لمزيد من وجع الدماغ والسقوط لدولة «متلصّمة» ببركة ربنا وشعبها وصمود جيشها.

أنا متفهم وجهة نظر سيادتك وأنت تقول: يعنى لا السيسى عاجبك ولا المرشحين عاجبينك، نعملّك إيه يعنى؟

لا تفعل شيئا أكثر من محاولة التفكير بمنطقية، للبحث عن حل، وليس للخناق، وفرض وجهة نظرك التى تحتمل الصواب والخطأ ولا تجدى معها البلطجة الفكرية لفرضها، تماماً مثل وجهة نظرى.

انهارت أصلاً بالنسبة لى، وبالنسبة لهذا الشعب، ولسنوات قادمة، فكرة «الرئيس»، ليبدو شعار «يسقط الرئيس القادم» ملائماً لطبيعة الفوران الشعبى الذى يتأرجح بين حدث وآخر، ويدخل اسم الرئيس فى دوائر تجعله منتقَص الإرادة ومنزوع الشعبية وقليل الهيبة والقيمة، عند شعب أصبح يكتب وجهة نظره على الحوائط والأتوبيسات، ويرسم شعاراته على الأسفلت.

لا مكان لرئيس قادم عنده هيبة، أو يحظى بتوافق شعبى عام، إلا إذا تمت صناعته، وهذا سيقودنا لأسئلة منطقية لها علاقة بمن الذى سيصنع، ومن الذى سيؤهل هذا الرجل، ومن ثم: من يضمن ألا يصاب بحمى الكراسى حين يجلس لتنهار الصناعة فى مهدها؟

ومع ذلك، فإن فكرة «صناعة الرئيس» فكرة جديرة بالتفكير، إن لم يكن لانتخابات 2014، فمن أجل مستقبل سيظل رهناً لمقامرات الشعب (وليس إرادته) حول أسماء ووجوه توحى بالثقة، ثم تسقط مع مرور الوقت قبل حتى أن تتولى المنصب.

الاختيار الثانى هو الفكرة التى يجب أن نفكر فيها كثيراً ونستعد لها من الآن، وهى فكرة «الفريق الرئاسى»؛ حيث الرئيس يوكل بملفات محددة، ويعاونه فريق رئاسى من مختلف التيارات، بشرط الكفاءة وليس الاسم (وهى آفتنا التى لا أعتقد أننا سنتخلص منها قريباً) من أجل إدارة «رشيدة» و«محترمة» فى بلد يحتاج لفريق إدارة أزمات أكثر من احتياجه لوزراء، ويحتاج لمدير أكثر من احتياجه لرئيس.

وأرجوك أرجوك أرجوك، لا تفكر فى موضوع الدولة البرلمانية الآن، فنحن -فعلاً- لسنا بحاجة لاستبدال فكرة الرئيس الفاشل والملطوط ببرلمان كامل فاشل وملطوط، وأضف لذلك أننا فى مصر قضينا على فكرة الأحزاب بفكرة سيادة الحزب الواحد، فما كان من الحزب الوطنى تكرر مع «الحرية والعدالة»، وسيتكرر مع فكرة الحزب الحاكم التى ذهبت ولن تعود قريباً، ويبدو المخرج الوحيد لهذه الإشكالية فى اندماجات كبيرة تختصر الأحزاب فى مصر إلى ثلاثة أحزاب كبرى لا أكثر ولا أقل ممثلة لتيارات اليمين والتيارات الليبرالية والتيارات «اللى فى النص» كما يحلو للبعض أن يسميها.

من دون ذلك لن يأتى رئيس يريح الناس ويدير الأزمة، ولا برلمان مناسب لظروفنا.

طبعاً حضرتك ستقول لى: إن الوقت لا يسمح بذلك، وإن الكلام يبدو نظرياً، وإن خارطة المستقبل لن تضمن حدوث كل هذا، لكننى سأعود وأقول لك: هذا هو الحل من وجهة نظرى، ولو كانت لديك حلول خارج الصندوق فاطرحها أبوس إيدك.

أما لو قلت لى: من سيتولى البلاد فى فترة انتقالية حتى حدوث ذلك، أو يحكمها فى السنوات الأربع المقبلة بعيداً عن «السيسى» والأسماء إياها، فلا تغضب، بقدر ما تحاول التفكير مرات ومرات ومرات بعيداً عن أى تسرع أو رأى مسبق أو اتهامات معلبة فى هذا الاسم:

عدلى منصور.

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب : متحدث عسكرى بـ400 جنيه.. إخص!

هذا المقال من النوعية التى يجب أن تبدأها بأن تقسم بالله العلى العظيم على حب جيش بلادك ودوره الوطنى واحترام القادة العسكريين، ثم يجب أن تقول بين كل جملة وجملة «مع احترامى لسعادتك» و«أرجو أن يتسع صدرك»، وكل هذه الجمل التى لن تعفيك من شتيمة الدراويش، التى نحتسبها عند الله طالما نكتب ما يرضيه ونستطيع أن نرد عنه يوم السؤال، وبينى وبينك الخبر مستفز، ولولا أنه نُشر على صفحات الشروق لما صدقته، ولولا أننى حتى وقت كتابة المقال ظللت متابعاً للموقع فى انتظار أى تكذيب أو اعتراض أو تصحيح للخبر، أو حتى حذفه، حتى لحظة كتابتى لهذه السطور، فوجدت الأمر كما هو لما كتبت هذا المقال.

الخبر عن ندوة للمتحدث العسكرى، العقيد أركان حرب أحمد محمد على، يتحدث فيها عن «أسرار» الفترة الانتقالية، ملبياً دعوة جمعية شباب الأعمال، بأحد فنادق القاهرة، علماً بأن «رسم» حضور الندوة هو 370 جنيهاً للمشتركين بالجمعية و400 جنيه لغير الأعضاء. لو أنك ترى أن الخبر عادى ومفيهوش حاجة أرجوك لا تكمل قراءة المقال، أما لو استفزك زى حالاتى فدعنا نتحدث فيه بمنتهى الأدب، وليرزقنا الله ثباتاً انفعالياً لا نصاب بعده بفقع الـ... المرارة طبعاً.

يعنى إيه المتحدث العسكرى يحضر ندوة فيتحدث فيها عن «أسرار» المرحلة الانتقالية؟ وكيف يتحدث أصلاً عن «أسرار» لها علاقة بطبيعة عمله التى يفترض أنها محاطة بسرية؟ وكيف يرضى بهذا العنوان لندوة يحضرها؟ ولماذا جمعية شباب الأعمال تحديداً؟ ثم دعك من كل هذا ولنركز فى المهم: هو المتحدث العسكرى بـ400 جنيه؟

يعنى هذه هى قيمته وقيمة المنصب الذى يحمله؟ هل رضيها لنفسه؟ وهل رضيها له قادته الذين وافقوا له على حضور ندوة بهذه القيمة البخسة التى لا نعرف لها مقابلا؟

وأين ستذهب الـ400 جنيه؟ لصالح من؟ وهل هى ثمن حضور الندوة فقط؟

يعنى لو فكر أحدهم فى التصوير بجوار الأخ أحمد فهل سيدفع رسوماً أكثر؟ وهل المصافحة لها سعر؟ وهل الصورة + المصافحة + الندوة عليهم عرض؟ وهل يمكن لمن يحضر الندوة ويصافح ويتصور أن يأخذ مع كل ذلك «بطاطس فريسكاس» وزجاجة مياه «صافى» مع 2 كيلو مكرونة الملكة؟ ومتى نرى أحمد على بالمرة على روتانا سينما؟ ومتى نستفيد منه كأحد روافد الدخل القومى لمصر فى الفترة القادمة ما دامت ندوته بـ400 جنيه؟

يعنى تخيل لو أن هذه الندوة العظيمة عند الهرم ويصحبها ركوب الجمل، وفكر فى الفائدة التى ستعم على مصر!!

هل أنت غاضب من التشبيهات، غاضب وتريد شتيمة الكاتب على اعتبار أنه قليل الأدب؟

دعنى أخبرك أن قلة الأدب هى أن يكون هذا الخبر بهذه التفاصيل التى نشرتها «الشروق» صحيحاً، ولتسأل نفسك: ما وظيفة المتحدث العسكرى باسم القوات المسلحة أصلاً؟ ولماذا تم استحداثها؟ وهل يفترض به أن يكون «جاذباً للنساء»؟ وهل يفترض به أن يلبى دعوات الإفطار والسحور فى رمضان لتخرج صوره ويتاجر الجميع بها، ويُشتم بسببها، ويأخذ «تعويرة» معنوية فى وجهه وفى وجه وظيفته التى يفترض فيها الرصانة والصرامة وعدم التدخل فيما لا يعنيه بعيداً عن مكالماته الودية أحياناً مع بعض المذيعين للتعليق على كلام ضيف ما أو الاعتراض عليه أو معقباً بشكل ودى عند رئيس تحرير هنا أو هناك على مقال من المقالات؟ أذكر أننى بعثت برسالة لأحمد على فى رمضان الأخير مؤكداً له أننى -كمصرى- تأذيت من ظهوره فى إحدى المناسبات واستغلال صوره بشكل فج مع النساء اللواتى التقط معهن بعض الصور فى هذه المناسبة، وظننت، وبعض الظن إثم، أن الرجل سيفكر ملياً فى خطواته، لكن أحمد على -الذى عقّب أحد كبار ضباط الجيش، غير راضٍ، على أدائه قبل عدة أشهر فى تسجيل مسرب شهير أمام الفريق السيسى نفسه- لا يبدو أنه يدرك أنه يحرق نفسه، ويضع اسمه وسط لغط لا يليق بوظيفته ولا بطبيعته كمقاتل نال أعلى الدراسات، ولا أعرف كيف يوافق له «السيسى» على هذا الظهور لمجرد أنه جاذب للنساء، وما فائدة أن يكون جاذباً للنساء ولكلام كل من هب ودب؟

أقسم بربى، إننى حزين وأنا أكتب هذا الكلام، لكنها كلمة حق.. راجع نفسك يا سيادة العقيد لو سمحت.. نريدك مفخرة لمصر.. مفخرة بالخاء وليست بحروف أخرى. ولو صممت على ما تفعله، فأرجوك: ارفع ثمن التذكرة المرة المقبلة.

القسم: 
المصدر: