محمد فتحي

محمد فتحي يكتب: «الشعبطة» فى فرحة الأهلى

قبل كل شىء..

هناك لقطتان يجب الحديث عنهما..

اللقطة الأولى لشيكابالا، الفهد الأسمر الذى يظلم موهبته كثيراً بسلوكه، لكنه يظل الأكثر مهارة والأطيب قلباً والأكثر احتراماً وتفاعلاً مع جماهير «الكيان» الأبيض..

شيكابالا يلقى بالكأس للجمهور.. الجمهور هو صاحب الفرح الحقيقى، وهو صانعه، وهو من يستحق البطولة..

الجمهور الذى صبر كثيراً سيأتى يوم ليتذوق طعم الفرحة..

شيل شيكابالا والجمهور وحط رئيس وشعب، وادعُ الله أن يرزقنا فرحة لا تفنى ولا تستحدث من عدم.

اللقطة الثانية لأكثر لاعب -من وجهة نظرى المتواضعة- يلعب بضمير..

قد لا يكون لاعباً مهارياً يحترف «الترقيص»، لكنه الأهم فى العشر سنوات الأخيرة، ولو بيدى لكرّمته باعتباره نموذجاً للاعب المصرى الذى لو توافر منه 11 لاعبا يمكن حل أزمتنا الكروية.

هذا اللاعب اسمه أحمد فتحى.. شكراً يا «أبوملك».

وإلى المقال:

شوف يا سيدى..

هذا شعب يريد أن يفرح..

«يتلكك» من أجل الشعبطة فى أى فرحة حتى لو كانت فرحة التتويج بلقب أصبح «معتاداً» مع فريق عظيم مثل النادى الأهلى.

هذا شعب على استعداد لأن يفعل أى شىء فى سبيل هذه الفرحة، وأن يتناسى كل الخلافات إذا كانت الفرحة هى التى ستجمعه مرة أخرى، مهما حاول أحدهم ضرب كرسى فى كلوب فرحته.

فاز الأهلى، ففرحت مصر..

ومن قبله، فاز الزمالك بكأس مصر فشعرت قطاعات عريضة من هذا الشعب أن المستحيل ممكن، وعادوا إلى الكلمة الشهيرة التى ظلوا يسخرون منها لسنوات: الزمالك قادم، لدرجة أن البعض ربط بين فوز الزمالك بكأس مصر وإمكانية التغيير ونجاح الثورة!!

صحيح أن فى كل فرح من يريد إفساده، لكن الحقيقة أن الناس فرحت..

والدروس المستفادة كثيرة:

أولها: أن التاريخ لا يعترف سوى بالنتائج، ومهما قال أحد عن بطولة كأس مصر التى فاز بها الزمالك أنها منزوعة الدسم، وأن الأهلى لم يلعب بها، فالواقع أن التاريخ لن يتذكر ذلك، وسيكتب فيه فقط أن الزمالك فاز ببطولة كأس مصر لهذا العام، وهو ما يمكن تطبيقه على باقى حياتنا.. المهم «النتائج».

وثانيها: أن «الألتراس» مكانه فى المدرجات وليس فى التظاهرات، وأن احتواء «الألتراس» ممكن، بدلاً من محاربتهم، وأن انشغالهم بالرياضة والتشجيع مع إيجاد مدونة سلوك رياضى تخص المشجع المصرى ويشارك فى صياغتها، مع فتح صفحة جديدة مع «الداخلية» بدلاً من حالة العداء الدائم التى لا تنتهى، أهم بكثير من الصدام معهم.

وثالثها: أنك لا تستطيع إخراس أحد لمجرد أنك تكرهه. يجب أن تحل الموضوع بدلاً من أن يبقى صداعاً فى رأسك لا ينتهى.

ورابعها: أن الاعتزال فى قمة التألق أفضل بكثير من الاعتزال فى الوقت الضائع، فأن يقول الناس: لماذا لا يلعب فلان؟ أفضل من أن يقولوا لماذا يلعب فلان؟

وخامسها: أن أكذوبة «توقف النشاط الرياضى» لا تؤثر على مستوى فريق يدار بشكل احترافى؛ فالأهلى والزمالك فازا ببطولتين فى ظل توقف هذا النشاط.

وسادسها: أن المدرب الوطنى يستطيع أن يفعل كل شىء لو توافرت له الظروف، فلا يوجد حظ فى كرة القدم، ونسبته محدودة للغاية، ولا تجعل من ينحاز له الحظ يفوز ببطولة كبيرة أياً كانت نسبة هذا الحظ.

وسابعها: أن الفرحة هى العامل الوحيد الذى يمكن أن يجعل المصريين فى حالة توحد مرة أخرى.. فرحة حقيقية، لحدث عظيم، أو حتى فرحة عادية «يتشعبطوا» فيها، فلا مكان لعودة مصر إلا بفرحة.

فهل نجد فرحة بحجم الوطن؟

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: احبسوا «النوشتاء».. أو اخرسوا

الموضوع أصبح مستفزاً لدرجة الغثيان..

آه والله، قد أتفهم أن لقب «ناشط سياسى» ابتذل من كثرة استخدامه من كل من هب ودب، وقد أتفهم أن بعض هؤلاء كان له رصيد خسر الكثير منه، إما بمواقف مدهشة وإما بعنف لفظى، وإما بادعاء الحكمة بأثر رجعى، وإما لأى سبب كان، ليس أبسطه الظهور المكرر والملح على شاشات الفضائيات والسفر المتكرر تلبية لدعوات البعض لحضور ندوات وفعاليات دولية فى الخارج، لكن لا أتفهم أبداً أن يتم اتهام هؤلاء بالخيانة والدفع بوثائق مضروبة للنيل منهم وتشويه سمعتهم من كل «اللى يسوى واللى ما يسواش» بإطلاق شائعات حقيرة بمعنى الكلمة عليهم نابعة من خلافات شخصية، أو من كره واضح لكونهم أبرز وجوه ثورة 25 يناير، والذين يتم حرقهم الآن بشكل ممنهج، إسقاطاً لكل المحسوبين على «25 يناير»، مع محاولة تصويرها كنكسة وليست كثورة. صحيح أن هذا الحرق يساعد عليه حماقة وتهور بعض هؤلاء النشطاء، أو اندفاعهم و«أفورتهم» الثورية أحياناً، أو أخطاء التجربة التى تجعلهم فى «وش المدفع» عرضة لأى انتقاد، أو حتى لأسلوب بعضهم المتجاوز، لكن هل هذا يعنى اعتبارهم خونة وعملاء وممولين من الخارج آناء الليل وأطراف النهار؟ وكيف يجد من يتهمهم بهذه الاتهامات الخطيرة طريقه إلى شاشات الفضائيات ومواقع الصحف، بينما يضل طريقه إلى النائب العام المعنى بالتحقيق فى الأمر؟ وهل كل ما يهم هؤلاء هو تشويه «النوشتاء» كما يسمونهم، أم محاسبتهم بمنتهى العدل؛ فالتشويه طريقه الإعلام وجلسات الشرشحة الإعلامية التى تُعقد على بعض القنوات، أما طريق المحاسبة فيبدأ من عند النائب العام، ولينَل المخطئ والخائن والممول جزاءه إن ثبت عليه شىء، وليخرس تماماً كل من لا يستطيع أن يثبت ذلك، محاولاً النيل من سمعة أشخاص إن أخطأ بعضهم من وجهة نظرك، فليس جزاؤهم أن يخاض فى أعراضهم وشرفهم وذممهم المالية ووطنيتهم التى أصبحت مثار مزايدات الجميع. قل لى بالله عليك: كم وجهاً من المحسوبين على ثورة 25 يناير لم يتم تشويهه أو حرقه بهذه الوسائل الرخيصة؟ بل الأدق: كم منهم خرج من «المفرمة» شريفاً معافى فى بدنه أو سمعته؟

الإجابة: لا أحد.

وقل لى بالله عليك، كم واحداً من الذين يتهمونهم كان معهم فى نفس الصف الثورى قبل أن تأتى له «شوطة» تجعله يوزع اتهاماته المجانية يميناً ويساراً؟ وكم منهم تلون مع كل الظروف؟ وكم منهم يُعرف أصلاً بعدائه لثورة 25 يناير؟ وكم منهم كان معروفاً بأنه إعلامى فضائح يحركه أحدهم مثل الماريونيت، أو يرتديه كأى عروسة جوانتى؟

الإجابة مرعبة.. من المسئول عن قتل طموح وطنى لشاب عبقرى ومحترم مثل وائل غنيم للدرجة التى تجعله يهجر البلد إحباطاً واكتئاباً وهرباً من اتهامات تهد جبلا؟ وكيف يتم الترويج لأن أسماء محفوظ مثلاً على علاقة بالموساد، مع نشر صور لها فى اجتماع المجلس الأعلى للجواسيس؟ وكأن اجتماعاتهم تصوَّر وتُنشر على «فيس بوك»، ليتضح فى النهاية أنها صورة لها مع أحد مسئولى الاتحاد الأوروبى فى اجتماع شهير نشر عنه فى كل الصحف، ومن المسئول عن اعتبار إسراء عبدالفتاح عندها عربية «بى إم» من «فلوس التمويل» وتسكن فى «فيلا»؟ والقائمة تمتد عبر العديد من الأكاذيب والشائعات الممنهجة عن نشطاء آخرين مثل نوارة نجم التى اتهمت بكوكتيل اتهامات من التشكيك فى دينها وعقيدتها إلى تمويلها من كل المنظمات الماسونية المتحدة وجمعية رعاية دب الباندا من الانقراض وأحمد دومة وعلاء عبدالفتاح وغيرهم وغيرهم.. لا ينفى ذلك أن عدداً ليس بقليل من هؤلاء النشطاء ارتكب أخطاء كارثية فى حق نفسه حين سمح للجميع بتصويره على أنه محتكر الثورة والوطنية، وأصبح ملء السمع والأبصار فى فترة قليلة بالنسبة لناس دهسها الزمن قبل أن تظهر فى واجهة أى حدث محترم، كما أن تجاوزات بعضهم اللفظية أعطت انطباعاً بأنها ثورة «قليلة الأدب» لناس لا يجب أن يصعدوا ليحكموا أو يدلوا حتى بآرائهم فى شىء.

الخلاصة: يا كل من يهتم باتهام «النوشتاء» وتوزيع الاتهامات المجانية عليهم.. اذهب بكل ما لديك للنائب العام فوراً.. قدم بلاغك، ولتنتظر كلمة العدالة بدلاً من تشويه ناس سيملأون صحيفتك بدعواتهم عليك حين تلقى الله يوم تجتمع الخصوم.

ويا كل «النوشتاء».. تقترب الثورة من عامها الثالث، وأعتقد أن سن «الفطام» الثورى قد انتهت.. ركزوا، وحاسبوا أنفسكم قبل أن يحاسبكم الآخرون.

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: سيبوهم يموتوا

الله العظيم أقول الحق..

أيوه.. رأيتهم جميعاً يموتون.. لم أكن أريد لهم أن يموتوا هكذا، أو يموتوا الآن، أو يموتوا أمامى، لكنهم ماتوا، وكلهم غارقون فى دمائهم.

هؤلاء الذين كانوا بجوارى منذ قليل يضحكون أو يغنون أغانى وطنية، أو يهاتفون أهاليهم ليطمئنوهم، أو يغلقون المكالمة مع حبيباتهم اللواتى شعرن بقلق غريب عليهم، أو يتفقون على موعد المقابلة بعد ساعة، فجأة سقطوا كالحجر أمامى، وللوهلة الأولى ارتبكت، تقدمت خطوة، ثم تراجعت مع صوت الرصاص والغاز الكثيف الذى انطلق ناحيتنا، لكن آخرين حسموا أمرهم وأسرعوا إلى من استطاعوا الوصول إليه يحملونه، بينما استطعت أخيراً التحرك إلى المستشفى الميدانى، وقلبى يخفق فى عنف..

والله العظيم أقول الحق..

أيوه.. أنا طبيب ميدانى، وكنت هذا اليوم هناك، وبغض النظر عن رأيى السياسى كنت أؤدى عملى الذى لا أستطيع تأديته فى مستشفى حكومى محترم؛ لأن المرتب لا يكفى، ولأن البلطجية يهاجمون استقبال المستشفيات ويضربون الأطباء دون أن يردعهم أحد، ولأن المستشفيات الخاصة عالم آخر لم أستطع اختراقه بحكم المافيا الحاكمة له. لكننى الآن أرى موتَى يسقطون.

والله العظيم أقول الحق..

نزلت يوم 28 يناير، وكنت موجوداً طيلة الـ18 يوماً، ونزلت فى «محمد محمود»، وذهبت إلى المشرحة أودع أشخاصاً عرفتهم قبل موتهم بلحظة، وأحطت مجرى الدماء على الأسفلت بأحجار ظناً منى أن ذلك سيبقى ذكرى أصحابها الذين رحلوا دون أن يدركوا أنهم قُتلوا فى سبيل قضية خاسرة بفضل الخونة والمتاجرين بدمائهم، وكانوا جميعاً يزوروننى فى أحلامى، وأرى وجوههم وأجسادهم المخترَقة بالرصاص إذا وليت وجهى يميناً أو يساراً، وحين أسعل أشم رائحة الغاز التى لم تفارقنى بعدُ، فتدمع عينى لا إرادياً، ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى، وإن أغمضت عينى قليلاً أسمع الصراخ المتداخل الذى لن أنساه أبداً: «عينيييى».. «شيلوه بسرعااااا».. «حراااااام».. «انزلووووا».. «يا ولاد الكاااااالب».. «لأااااااااااا».. «إسعااااااااف».. «لييييييه».. «دكتور بسرعااااااا».. «حسبنا الله ونعم الوكيل».

والله العظيم أقول الحق..

كنا نكتب على «تويتر» و«فيس بوك»: «محتاجين بيتادين وسالاين وقطن وشاش وأدوية مخدرة عند المستشفى الميدانى»، لكنهم كانوا يقبضون على كثيرين ممن كانوا يريدون أن يوصلوا لنا الأدوية، كما تكفل البعض بسرقة بعض الأدوية.

لا تتعجب.. الكلاب دائماً تجد لها مكاناً حتى فى المعارك الشريفة؛ لأن أحداً لم يفهم قبل ذلك أنها كلاب!!

والله العظيم أقول الحق..

حين نزلت إلى «رابعة العدوية» لم أكن «إخوان»، والله العظيم أنا أكرههم كما أكره حماقات الثوريين وكذب الليبراليين ونذالة الشرطة وقذارة قيادات البلد فى أى عهد، ولكن نزلت، كما نزلت من قبل. نزلت بعد «الحرس الجمهورى» تحديداً..

لا تطلب منى رأيى فى الحادثة ولا فى الإخوان، فلم تطلبه منى من قبل، ولو طلبته لرددت عليك بنفس الرد: أنا نزلت حتى أستطيع أن أضمد جراح أحدهم، أو أجعل آخر ما يراه الآخر ابتسامتى وسط وجعه الذى سينتهى إلى الأبد بعد قليل، بينما يطاردنى وجهه مع باقى الأشباح والأموات التى تجلس معى وأشم رائحة أنفاسها ممتزجة بطعم الدماء على حلقها، ولذلك كنت هناك..

أمس، مات طفل فى اشتباكات وسيموت آخرون فى مسيرات، وسأظل ألوم نفسى على شىء لا أعرفه، وكأن الأطباء يملكون أن ينقذوا الجميع من موت سيختطفهم هم شخصياً يوماً ما إذا ما قرر أحدهم أن المستشفى الميدانى وأطباءه خطر على الجميع مثلما اعتقلوا أطباء من المستشفى الميدانى فى «رابعة» بلا تهمة، واعتبروهم إرهابيين وساووا بينهم وبين من حمل سلاحاً من الإخوان أو مؤيديهم، لكن لا شىء يهم ما دام المنطق السائد هو: سيبوهم يموتوا.

(ملحوظة: السطور السابقة لا تخص شخصاً بعينه، ويمكنك اعتبارها قصة خيالية أو مخططا ماسونيا لأى حاجة).

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: يعنى إيه إعلامى محترم؟

لا أملك إجابة.. لكن أملك تحربة تستحق أن أطلعكم عليها.

التجربة لكرونكايت.. والتر كرونكايت.

بدأ «والتر» عمله كصحفى فى الثلاثينات من القرن الماضى.

كان يدرك معنى كلمة صحفى ولم تكن هناك تليفونات محمولة للمصادر يلاحقهم عبرها، بل كانت هناك حرب هى الحرب العالمية الثانية، التى أتيح لكرونكايت أن يشهدها كصحفى ومراسل لوكالة «يونايتد برس».. بل ويكون مع القوات الأمريكية فى عملية الإنزال الشهيرة نورماندى..

ومع مرور الوقت كان «كرونكايت» يثبت قدميه شيئاً فشيئاً فى المهنة التى لم تكن تعرف التصنيفات، بل كان المعيار الوحيد فيها هو «صحفى محترم ومهنى» فى مواجهة صحفى غير محترم وغير مهنى، ولم يكن هناك من يطلقون على كل من هب ودب «إعلامى»، سواء كان هذا الإعلامى صحفياً متواضع الموهبة، أو ضيفاً لزجاً تفرضه علينا البرامج، أو مذيعة محدودة الذكاء أو خليطاً من كل هؤلاء؛ لذلك ظل كرونكايت صحفياً حتى وهو يبدأ فى تقديم نشرة الأخبار الرئيسية فى قناة «سى بى إس» الأمريكية ذائعة الصيت.

كان الخبر الذى يذيعه كرونكايت هو الخبر الحقيقى.. الصحيح.. الموثوق به، وفيما عداه لم يكن أحد يصدق، وتظل نسبة الشك موجودة لدرجة أن كرونكايت أصبح يلقَّب بالرجل الأكثر ثقة فى أمريكا.. الرجل الذى ما إن تسمع الخبر منه حتى تثق به.

ستظنون فى الأمر مبالغات، لكنى سأبرز لكم ما قاله الرئيس الأمريكى ليندون جونسون، الذى أكد أن قواته لو دمرت فيتنام عن بكرة أبيها وأذاع والتر كرونكايت خلاف ذلك فسيصدق ما قاله كرونكايت وليس قادته!!

كان كرونكايت من المعارضين بشراسة للحرب فى فيتنام، ولعله أحد من أطلق على فيتنام «المستنقع الذى تورطت فيه أمريكا»، وقال بعد أن عاد من تغطية الأحداث التى تلت معركة تيت عام 1968، قال الصحفى العائد إلى نيويورك إنه «أكثر ثقة من أى وقت بأن المغامرة الدامية فى فيتنام ستنتهى بنا إلى الغرق فى المستنقع».

ووقتها نسب مقربون من الرئيس جونسون قوله: «انتهى الأمر، ما دمت قد خسرت كرونكايت فقد خسرت الرأى العام الأمريكى». ثم أعلن عدوله عن الترشح لولاية تالية.

عاصر كرونكايت العديد من الأحداث المهمة..

أذاع خبر اغتيال كينيدى.. خبر الهبوط على سطح القمر.. بناء سور الصين العظيم، فضيحة ووترجيت، وفى عام 1972 اختير فى أحد الاستفتاءات كأكثر شخص يثق الأمريكيون به، وهو اللقب الذى ظل محتفظاً به طوال عمره ولم يجرده أحد منه، ولا أسهمت مواقفه السياسية أو الإنسانية فى جعل الناس تنقلب عليه ولو للحظة واحدة، بل زاد احترامهم له واعتبروه عميداً للصحافة الأمريكية.

ظل كرونكايت الأكثر ثقة يقدم نشرات الأخبار، وأصبح رئيساً لتحرير النشرات الإخبارية فى «سى بى إس» حتى مطلع الثمانينات، ثم قرر الاعتزال، لكنه ظل محتفظاً بلقب الرجل الأكثر ثقة فى العالم.

فى 2009 مات كرونكايت عن عمر يناهز 92 عاماً إثر مرض فى المخ.

خرجت «واشنطن بوست» بعنوان رئيسى هو «موت الثقة».

كتبت مجلة «تايم»: «إن ارتباط الثقة باسم هذا الرجل يجعلنا ندفنها معه».

خرج أوباما لينعى كرونكايت فقال: «كان والتر كرونكايت الصوت الأكثر ثقة فى أمريكا، كان دائماً أكثر من مجرد مذيع، كان شخصاً يمكننا أن نثق به لكى يوجهنا خلال أهم قضايا العصر، صوت يقين فى عالم متقلب، كان كأحد أفراد العائلة، فقد دعانا كى نثق به ولم يخذلنا مطلقاً، فقد هذا البلد رمزاً وصديقاً عزيزاً وسنفتقده حقاً».

السؤال الآن لك عزيزى القارئ: هل لدينا «كرونكايت» فى مصر؟

(المقال ينشر للمرة الثانية، ولا يزال البحث جارياً)

 

 

 

 

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: لعبة «السيسى»

هذه اللعبة لطيفة جداً وستساعدك على إدراك تناقضاتنا جميعاً، وتأرجح مواقفنا يميناً ويساراً حسب الظروف..

ضع السيسى فى المعادلة، وأخبرنى: ما فرص أى شخص يخوض الانتخابات الرئاسية ضد السيسى؟؟

السؤال سهل، وإجابته أسهل، لأن المرشحين الرئاسيين السابقين، والمرتقبين، صرحوا من قبل بأن نزول السيسى للانتخابات الرئاسية سيجعلهم يراجعون مواقفهم من النزول أصلاً!!

حسناً.. احذف السيسى من المعادلة من فضلك.

مَن الذى يمكن أن تعطيه صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة من الأسماء المعروفة، وحتى تلك التى تتوقع أن تنزل، مع حساب شعبيته فى الشارع وتأثيره على الناس، وعدم نزول السيسى فى الانتخابات، واختر أحد الأسماء التالية، وضعه فى ذهنك:

(أحمد شفيق - حمدين صباحى - أبوالفتوح - عمرو موسى - العوا - خالد على - سامى عنان - مراد موافى)

احتفظ بالإجابة لنفسك، وتعالَ نسأل من جديد:

هل يمكن حذف السيسى أصلاً من المعادلة؟؟؟

يعنى سنفترض أنه لن يخوض الانتخابات الرئاسية، فهل خرج من المعادلة وهو وزير للدفاع وقائد عام للقوات المسلحة؟؟

وكيف سيتعامل معه الرئيس القادم، وما مشاعره وهو يرى، ويشعر، بأن هناك من هو أقوى منه وأكثر شعبية وجاهز لتلبية نداء الناس مرات ومرات لو خرجوا عليه، باعتبار السيسى «الشاطر حسن»، وباعتبار أى رئيس فاسد هو الساحرة الشريرة التى تذهب فى نهاية الفيلم لبحر الظلمات أو سجن برج العرب؟؟

الحقيقة أن السيسى لا يستطيع.. شاء أم أبى، أن يخرج من المعادلة، فسيمثل تحدياً للرئيس الجديد أياً كان، وسيكون أقوى منه سياسياً وشعبياً حتى لو لم يمارس السياسة، كما أن معظم الأسماء السابقة -إن لم يكن كلها- حرقت نفسها بنفسها بهروب أو بتصريحات مرتبكة أو بمواقف مخزية أو بماضٍ ما زال يطاردها، وبالتالى فاحتمالات تفتيت الأصوات ودخول الإعادة فى النهاية بين مرشح له خلفية إسلامية وآخر ذى خلفية مدنية أو عسكرية، لنجد أنفسنا فى نفس المأزق الماضى لا تزال قائمة، مهما تخيلت أنت العكس.

لم تنتهِ اللعبة من البعض، اصبر يا عم الحاج، الله يكرمك، وأجبنى عن السؤال التالى:

لو نزل السيسى الانتخابات الرئاسية، ونزل أمامه مرشح يستند إلى أصوات الإسلاميين ويستغل حالة الانقسام الموجودة الآن، فما فرص هذا الأخير، وهل هى فرص تافهة، أم فرص تستحق القلق، وهو ما يجعل السيسى، وفق التسريب الشهير، يطلب تحصين منصبه؟؟

احتفظ بالإجابة أيضاً لنفسك، وتعالَ نكمل اللعبة لو كانت أعجبتك. سنفترض أن السيسى أصبح رئيساً.. فمن هى معارضته حينئذ؟؟

برافو عليك.. «الإخوان المسلمين» ومناصروهم. حد تانى؟؟

صح.. بعض المحسوبين على التيارات الثورية الذين سيرون فى ترشحه عودة لما يسمونه بحكم العسكر.

طيب ماذا سيفعلون وماذا سيفعل هو؟؟؟

لا تحتفظ بالإجابة لنفسك لو سمحت..

اتفضل جاوب، وقابل الوحش فى نهاية المرحلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب : يا مخابرات يا حربية.. يا داخلية.. يا أى حد!!!!

يا أخ ياللى هناك..

أيوه انت.. يا بتاع المخابرات الحربية اللى بيبص وراه ده..

صباح الخير سعادتك.

أمس، وأنا أقلب فى صفحات الفيس بوك، والتى تقلبها حضرتك أحياناً كنوع من العمل، وجدت المتحدث العسكرى العقيد أحمد على يقول للناس: عيد حب سعيد.

آه وربنا.. الصفحة مكتوب عليها (الصفحة الرسمية للمتحدث العسكرى للقوات المسلحة)، ويوجد تحذير فيها لأى أحد ينتحل صفته (شوف الفُجر)، والرجل الكُبّارة (لا يطيقنى بالمناسبة وهذا شىء يسعدنى)، يقول لهم (عيد حب سعيد)، وبالطبع لا داعى لأن أقول لك على الردود اللطيفة التى جاءت له، والتى، وإن كان أغلبها يشتم فى سعادته ويطلق عليه اسماً منفراً، إلا أن بعضها يبادله الحب بحب، ويقول له: هابى فالانتاين يا أحمد. ولو رأوه رؤى العين لأوسعوه تهنئة، و(بالتقليب) فى الصفحة التى يزيد مشتركوها على 30 ألف مشترك وجدت (المتحدث العسكرى) ينشر صورة للفريق السيسى، ويطلب من الناس أن (يخبطوا) لايك للفريق السيسى!!

سعادتك ستقول لى إن هذه الصفحة مزورة وغير رسمية، وأنا سأقول لك: لااا يااا شيييخ.

وهل تظننى (أهبل) لكى أصدق أن هذه هى الصفحة الرسمية؟؟؟

السؤال هو: سعادتك سايبها ليه؟؟، وهل تعرف من يديرها؟؟؟، وهل ينشر فيها ما ينشره بمعرفتك؟؟، فإن كنت تعلم فهذه مصيبة، وإن كنت لا تعلم، فالمصيبة أعظم، وربنا حليم ستار.

وبالمناسبة: إغلاق كل الصفحات المزيفة التى تتحدث باسم القوات المسلحة ومتحدثها العسكرى قد لا يستغرق ساعات بشكل قانونى جداً وبمخاطبة إدارة «الفيس بوك»، لكن يبدو أن سعادتك: مبسوط.

عموماً: ربنا يزيد انبساطك.

الأمر نفسه ينطبق على وزارة الداخلية

هناك صفحات تنتسب للشرطة المصرية وتسمى نفسها الصفحة الرسمية، وهى (عايشة حياتها) أحياناً عن حق، وأحياناً للنيل من شخصيات بعينها.

لماذا تترك الداخلية هذه الصفحات؟؟

العلم عند الله.. والداخلية.

بالمناسبة.. أنا أتفهم تحفظات سعادتك حول كوننا فى حرب نفسية مرعبة يمارسها خصم اعتاد العمل السرى وأن هناك دعاية سوداء تنطلق من المعسكر الآخر المدعوم بتمويل دول وتنظيم دولى، لكن الغريب يا أخى أن كل هؤلاء، وهم هواة، يلعبونها أحسن منك حتى الآن، وأنت المحترف الذى يفترض به ألا يقع فى أخطاء ساذجة ستُستغل ضده فيما بعد، وذلك لأنك تتبع الكتالوج القديم بتاع الستينات، رغم أن العلم تقدم.

انظر لتجربة الإخوان/الخصوم فى هذا الصدد لتعرف أنى لو رئيسك كنت رفدتك، أو خصمت لك 3 سنين.

بمجرد حدوث ثورة 25 يناير، سارعوا لإنشاء صفحات محسوبة على الثورة يمررون منها السم فى العسل طيلة ما يقرب من ثلاث سنوات، حتى صار متابعو هذه الصفحات، والمتأثرون بكلامها، والمصدقون لما تنشر بالملايين، ثم فجأة هوووووب بعد 30 يونيو مباشرة، بانت توجهاتها الإخوانية، وتوجيهاتها، وترويجاتها لكلمة (انقلاب)، قبل أن تلعب بوجه مكشوف وتضع شعار رابعة وتحاربك ببث شائعات، وتضعك دائماً فى خانة رد الفعل، بينما حين حاولت أنت أن تفعل ما يفعلوا، وبدلاً من استغلال ذلك بشكل صحيح، قررت الانتقام من (شخصيات) بعينها، لن تقدم من الأمر شيئاً أو تؤخر منه، لاسيما أن هناك (تسريبات) تخرج بسببك وبسبب من يعملون معك، لاعبين دور (المنظِّر) و(المحلل) بنفس الكتالوج الفاشل القديم، وتكون نتيجة ذلك أنك تخسر من جديد فى هذه الحرب النفسية، لأنك، وبدلاً من أن تكسب أرضاً جديدة، تخسر فى حرب الدعاية القذرة التى تمارَس ضدك، والتى تهدف -فقط- لتحطيم صورتك الذهنية، بكل أنواع الشائعات الزاحفة والغائصة وحتى العنيفة، والتى يستغلون فيها (فشلك) و(سذاجتك) و(كسلك) فى إغلاق مواقع تتحدث باسمك، لمجرد أنك تستخدمها من خلف الستار.

أعرف كذلك أن عدد الأخبار المفبركة التى تروج كل يوم ضدك وضد الجيش تحديداً، وضد السيسى بصورة أكثر دقة، يتكاثر تكاثر الأرانب، ويسرى سريان النار فى الهشيم فى مجتمع جاهز لتصديق أى شىء، لكن ماذا فعلت أنت غير كونك (رد فعل)، وتستخدم نفس الأساليب المنقرضة؟؟

هل رددت مثلاً على شائعة كون (السيسى) هو الناجى الوحيد الذى لم يسافر فى الطائرة البوينج التى سقطت فى الولايات المتحدة، أم أنك ما زلت تفكر، وتكتب على صفحات الستائر التى تتخذها باباً خلفياً: عيد حب سعيد؟؟

يا عزيزى.. حلل لقمتك.. واشتغل بضمير.. إحنا فى حرب.

 

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: مصر عندها ظروف!!

(1)

- لماذا (صامت) مصر عن محاكمة الجميع؟؟

- معلهش يا ابنى أصل مصر عندها ظروف

(2)

شوف يا سيدى..

كل من تراق الدماء فى عهده يصبح مسئولاً عنها سياسياً حتى يقدم الجناة لجهاة التحقيق، ومن لم يفعل ذلك يصبح مشاركاً فى الدم، ويمكن مساءلته، ومن ثم محاكمته جنائياً..

هذا هو المبدأ حتى لو لم يعجبك.

(3)

وقف مرسى أمس خلف قفص حذرتُه فى نفس هذا المكان من الوقوف داخله، لكنه أبى واستكبر وكان من الرؤساء الذين لا يهمهم حقن دماء أحد، بل أكد فى آخر خطاب له أنه سيبذل دمه دفاعاً عن الشرعية.

وبغض النظر عن موقفك من مرسى أو المحاكمة، فإن العدل يقول إن المساءلة يجب أن تطال آخرين فى مناسبات مختلفة مرت مرور الكرام، ولم تجتهد فيها جهات التحقيق لتقديم المثل فى تحقيق العدالة الناجزة، وهؤلاء يجب أن تراجع موقفك منهم حتى تستطيع أن تحدد هل تحكم وفق (مبدأ) أم وفق (مصلحة)، والحكاية بسيطة ألخصها لك كما يلى:

(4)

يعد 25 يناير سقط العديد من القتلى فى العديد من الاشتباكات والتظاهرات. لا يعنينى من قتلهم، بل يعنينى هل تمت مساءلته أم لا، أياً كان، وكانت الداخلية طرفاً فى الأمر، ولذلك جاءت التحقيقات غير مكتملة، وتضاربت الأقوال، والتحريات، ومات من مات باسم الدفاع عن النفس أمام من هاجموا السجون، وكانت محصلة مقتل من ماتوا فى الميادين كلاماً مرسلاً عن كونهم قناصة من الداخلية أو من حماس، ولم يحاسَب أحد.

(5)

بتطبيق قاعدة المسئولية السياسية، يصبح مسئولاً عن موقعة الجمل كل من مبارك ووزير داخليته ووزير دفاعه ورئيس وزرائه أحمد شفيق.

ويصبح طنطاوى وعنان وعصام شرف ومنصور العيسوى مسئولين عن أحداث مسرح البالون، وماسبيرو، ومحمد محمود.

ويصبح اللواء -آنذاك- عبدالفتاح السيسى مطلوباً للمساءلة والتحقيق -على أقل تقدير- عن تصريحاته عن «فحص العذرية».

ويصبح طنطاوى وعنان وكمال الجنزورى واللواء محمد إبراهيم (الأولانى) مسئولين عن مذبحة بورسعيد، ويصبح محمد مرسى وأحمد جمال الدين وهشام قنديل مسئولين عن مقتل جيكا عند الداخلية، ثم أحداث الاتحادية، ويدخل محمد إبراهيم (الثانى) فى دائرة المسئولية مع مرسى وقنديل عن أحداث بورسعيد والدماء التى أريقت هناك، ثم عن حريق مقار الإخوان والدماء التى كانت تراق بانتظام مع أغلب الفعاليات والتظاهرات، والتواطؤ -فيما يخص النائب العام الملاكى طلعت عبدالله - فى تنفيذ القانون على قيادات الإخوان، والجماعات الإسلامية والمحرضين من كل الأطراف، ويصبح عدلى منصور وحازم الببلاوى والسيسى مطلوبين للمساءلة -على أقل تقدير- فيما يخص أحداث الحرس الجمهورى والمنصة والمنصورة وفض اعتصامى رابعة والنهضة والتى -من المؤكد- سقوط أبرياء فيها لا حملوا سلاحاً ولا اعتصموا أصلاً لو كانت تلك هى الحجة، وهى حجة يمكن تفنيدها بالمناسبة، وبناء عليه فإن هذه المسئولية تستوجب مساءلة كل هؤلاء، وتقديم المجرمين، أو تقديمهم شخصياً بتهمة التقصير والتواطؤ.

وبخلاف ذلك يصبح حديثنا عن المبدأ والعدالة، مثل الجدل الدائر حول (الكاكا) وهل هى فاكهة أم فعل بيولوجى!!

(6)

اسمها عدالة (انتقالية).

وما لم يحاسب الجميع ويخضعون للمساءلة والقانون تصبح عدالة (انتقائية)

(7)

روبرت بيلز.. ضابط أمريكى كان موجوداً فى أفغانستان، ولسبب مجهول فتح النار على مدنيين أفغان. الأمريكان أصلاً موجودون فى أفغانستان بحجة الحرب على الإرهاب، وما فعله بيلز جعل وزير الدفاع الأمريكى هو الذى يطالب القضاء بتوقيع أقصى العقوبة عليه، فالمبدأ هو أن المخطئ يجب أن يحاسب.

(8)

حين تكتب كلاماً مثل الكلام السابق سيسميه البعض هراء، وسيرفضون تماماً إدخال بعض هذه الشخصيات فى دائرة المسئولية، إما عن (هوى)، وإما عن اقتناع بأن ما قاموا به (بطولة)، لكن البطل أيضاً يخطئ لأنه ليس ملاكاً، والمعيار هو (مساءلته) فإما أن يقنعنا أو يحاسَب، وحين تقول هذا الكلام، وبعد فاصل من الإهانات والاتهامات والتخوين، يصل أكثر المتباسطين معك أننا فى حرب، وأن هذا يهز من هيبة مصر الآن ويجعلها تخسر حربها، وهو ما يجعلنا نتساءل: وماذا بعد أن تنتصر مصر فى حربها؟؟ (هى مش هتنتصر برضه ولّا الماتش تعادل) هل يحاسب المقصّر والمسئول أياً كان، ويطبق عليه القانون أم لا؟؟

والإجابة: حسب الظروف

(9)

حين تأتى بحق الأولين، ستأتى بحق الآخرين

(10)

- متى يتحقق العدل، ومبادئ الثورة؟؟

- لمّا مصر تخلّص (الظروف)..

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: 

بجوار رجل أعرفه

يقول أبى إنه يفعل ما يفعل كى أصير رجلاً ثم يضربنى.

يمسك بطرف حزامه ساحباً إياه فى شبق من حول خصره، ويلفه حول كفه ملوحاً به فى الهواء قبل أن يوجّه ضربة بالقطعة المعدنية الضخمة إلى رأسى فيشجه.

أصرخ فيصفعنى.

أبكى فيبصق على وجهى مردفاً: أمال سيبت إيه للنسوان يا وسخ؟!

تنكمش أمى متابعة ما يحدث فى استسلام، ولا تحاول أبداً أن تدافع عنى، لكن شقيقى الأصغر يتماسك قليلاً قبل أن يقول فى لهجة مغرية وهو يمسك بذراع أبى: وانا كمان، وانا كمان.

يعتدل أبى ويتوقف عن ضربى وهو يشير إلى شقيقى فى فخر: «شايف أخوك راجل ازاى من صغره»؟ قبل أن يصفعنى صفعة ختامية ويلتفت إلى شقيقى ليبدأ فى ضربه وأنا أشكره من بين دموعى ودمائى.

حتى بلغت الخامسة عشرة من عمرى كان أبى يستمتع بإطفاء السجائر على ظهرى العارى، وسكب الملح على جروحى الغائرة التى يسببها لى بضربه الموحش، ورغم أننى صرت وقتها لا أصرخ ولا أبكى فى معظم الأحيان، بل ولا يبدو على وجهى أدنى تأثر، فإنه ظل يعتبرنى -لأسباب لم أجرؤ أن أسأله عنها- عارا عليه، ولم ينسبنى يوماً أبداً إلى عالم الرجال.

لا يبدو على أبى السن رغم أنه تعدى الستين من عمره، ولا أثر فى وجهه لتجاعيد الزمن باستثناء جرح طولى فى خده الأيمن يلهو الذباب عليه إذا ما غفا، وإذا ما استيقظ كان يمسح لعابه بظهر يده قبل أن ينادينى أو شقيقى ليكمل مشروعه الأبدى لصنع رجل.

فى مساء ذلك اليوم الذى لن أنساه، وبينما كنت عائداً مع أبى فى ساعة متأخرة من ورشة الحدادة التى أعمل بها معه خرج ذلك الملثم شاهراً مديته فى وجهينا طالباً من أبى أن يخرج كل ما فى جيبه، مهدداً إياه بإحداث جرح آخر فى خده الأيسر يذكره دوماً بالانصياع إلى أوامر من يحمل المدية ويظهر فى الأزقة الضيقة بعد انتصاف الليل، وللوهلة الأولى لم يبدُ على أبى أنه استمع جيداً، وبدا واضحاً أنه قد يقاوم أو يماطل على أقل تقدير، لكن الرجل ذا المدية شدنى إليه واضعاً مديته عند رقبتى فى حركة سريعة، وللمرة الأولى فى حياتى ألمح فى عينى أبى خوفاً علىّ انقلب إلى هلع لم تخطئه عينى ولا عين الرجل حين رأى الدم اللزج يسيل ببطء ويسقط على الأسفلت العطن محدثاً صوتاً غريباً، وكنت فرحاً لأنى لم أبكِ ولم أصرخ ولم أحاول إثناء أبى عن إخراج النقود من جيبه بمنتهى الانكسار، واضعاً إياها على الأرض، وحين بدأت الأمطار فى الهطول كان اللص يدفعنى لأرتطم بأبى ونسقط سوياً، قبل أن يقترب منا ويتناول النقود فى لهفة ثم يصفع أبى فجأة وهو يقول: اقلع هدومك.

لم يعترض أبى، وراح يخلع ملابسه وسط ذهولى حتى صار عارياً تماماً ليختطف اللص الملابس ويطلق سبة بذيئة متبعاً إياها ببصقة ارتطمت بوجه أبى تماماً، ليتركنا بعدها ويجرى مسرعاً ويبتلعه الظلام.

لم يوافق أبى أن أساعده فى النهوض، ولا أن أستره بمعطفى، بل نهض متثاقلاً وراح يجرى فجأة متعثراً فى كل أحجار الأرض مهما بدت صغيرة وهو يضحك بشدة، بينما رحت أنادى عليه وأنا أبكى وأصرخ باسمه دون جدوى، وحين اختفى من أمامى ولم أعد ألمحه من بين دموعى التى كتمتها بصعوبة، أدركت أننى صرت رجلاً.. وفى اليوم التالى كنا نقف أنا وأخى على جثة أبينا ونغسِّلها، ولا أدرى لماذا لم أعترض حين أخرج أخى الجميع من الغرفة فيما عداى، قبل أن يطفئ سيجارته فى جسد أبى فى تلذذ، وينظر لى بعدها نظرة عجيبة لن أنساها ما حييت وهو يقول لى: «البقية ف حياتك»، ثم راح يبكى دافناً وجهه فى صدر أبى العارى، بينما جلست على الأرض منزوياً فى أحد الأركان أتابع ما يحدث فى صمت.

(قصة قصيرة من مجموعة تحمل نفس الاسم).

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: لماذا مُنعت حلقة باسم يوسف؟

1- عقب تصوير الحلقة الثانية من برنامج باسم يوسف، رحّب هذا الأخير بجمهور الحاضرين، وأكد لهم حرصه على التواصل معهم واستعداده للإجابة عن كافة الأسئلة، وفى رده على السؤال الأول تحدث بسخريته المعهودة، فقالت الفتاة التى سألت السؤال: من غير ما تتريق علىّ!!

حسناً.. هذا هو المفتاح.

الفتاة تعبت حتى استطاعت الحصول على تذكرة لحضور تصوير برنامج ساخر أشهر تيمة لديه هى «التريقة»، وكانت تضحك طيلة الحلقة مع الجميع، لكن فجأة قررت أنها لن تسمح لـ«باسم» بالسخرية منها!!

هل فهمت ما أقصده؟

2- السلعة عبارة عن عرض وطلب. باسم يوسف سلعة، حين عرض برنامجه على «يوتيوب» وجد قبولاً، دفع قناة «أون تى فى» لطلبه والتعاقد معه، ووقتها سخر من مالك القناة ومن فريق العمل من زملائه، ولم يحدث شىء، وبعد انتهاء عقده طلبته قناة «سى بى سى»، وبعد الحلقة الأولى التى سخر فيها من مذيعى المحطة ومالكها، رفض عماد الدين أديب ذلك، وأخذ الأمر بشكل شخصى دفع إدارة القناة -آنذاك- لمنع الحلقة الثانية من العرض، لكن «البرنامج» استمر، وهو ما دفع القناة لتجديد الطلب فى موسم جديد بحسب العقد المبرم بينها وبين «باسم»، لكن الظروف اختلفت، وهو ما اتضح للجميع بعد الحلقة الأولى.

3- بعد الحلقة الأولى من عودة باسم يوسف كانت هناك العديد من ردود الفعل التى استحسن بعضها الحلقة، وغضب البعض الآخر من محتواها. الناس الآن تريد المنحاز وتشجع الاستقطاب، وما إن يرون أحدهم ضد الفريقين حتى ينهالوا عليه شتائم وتجريحا وتخوينا ليتحدوا فى لحظة سحرية، لكن ضده، ويعتبرونه، بمنتهى الغباء، عدواً جيداً يحاربونه، وهذا ما حدث بعد الحلقة الأولى.

وفى نفس هذا المكان كتبت اعتراضى على بعض الإيحاءات الجنسية غير المقبولة، ولم تكن المرة الأولى لى، ولم تكن المرة الأولى لـ«البرنامج»، لكنها كانت المرة الأولى لإظهار «السيسى» فى برنامج ساخر، والسخرية من المغالين والمأفورين فى تأييده، وهو ما أزعج الكثيرين، سواء أحبوا «السيسى» أو أرادوا نفاقه والتطبيل له، أو رغبوا -جاهدين- فى أن ينصبوه فرعوناً ويصنعوا منه صنماً لا يجوز المساس به، وهكذا بدأ البعض يخطط فى الكواليس لمنع «البرنامج» بطريقة مختلفة.

4- أثناء ذهابى لتصوير الحلقة الثانية، لم أكن أتخيل أن وقفة احتجاجية لمؤيدى «السيسى» أمام المسرح ستتحول لحصاره على طريقة أنصار «أبوإسماعيل»، واشتباكات تستدعى تدخل الشرطة بكردونات أمنية، بينما على بعد أمتار رجل المفروض أنه سيُضحك الناس المستفزة بالفعل من كل شىء.

تناولت الحلقة «سى بى سى» وبيانها وسخرت منه، لكنها تناولت كذلك أكذوبة المحللين الاستراتيجيين وضحالتهم، وقدمت درساً مهنياً فى كيفية كشف كذب قناة الجزيرة وخيابة إعلامنا وهو يهاجمها، وفى الفقرة الثالثة قال «باسم»: «إحنا مش مع حد ضد حد.. ولو البرنامج ده حد شايفه ضد الأمن القومى قولولنا واحنا نقفله».

لكن هل هناك علاقة للأمن القومى بأمر منع حلقة «باسم» وبيان الـ«سى بى سى»؟!

5- مُنعت الحلقة من العرض، وبمنتهى الوضوح: لا يوجد أى سبب «مقنع» لمنع إذاعتها، وحتى بيان القناة برر منع الحلقة بمشكلات إنتاجية ومادية وتتعلق بالسياسة التحريرية مذيلاً بتوقيع محمد الأمين، مالك قناة «سى بى سى»، وليس بتوقيع مجلس الإدارة، أو إدارة المحطة.

لم يتدخل «السيسى» فى الأمر كما «زيّط» البعض، وفى الكواليس أمور لن أتحدث عنها لاعتبارات أخلاقية ومهنية، ولكن الأكيد أن البيان قد وارب الباب حول حل هذه المشاكل وأكد أنه توقف مؤقت، وليس منعا، وفى الساعات القادمة قد يعود البرنامج من جديد مؤكداً على بعد الأزمة عن أى اعتبارات سياسية وسترون ذلك.

 

 

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: 

محمد فتحي يكتب: «كانوا كلاب وكنا أسود»!!

«اشهد يا محمد محمود.. كانوا كلاب وكنا أسود»

يتذكر أحدهم الهتاف، فتفيض عيناه بالدمع، مع قشعريرة غريبة تنتابه، والذكريات تتوالى، والمشاهد تتعاقب وكأنها فلاشات كاميرا، ليتذكر فجأة رائحة الدخان فى أنفه، وهتافه: وسّع طريق، والجميع يصنعون ممراً لمرور سيارات الإسعاف، وأصوات السارينة لا تفارقه، ومحاولته للحفاظ على توازن مصاب على ظهر أحد الموتوسيكلات حتى لا يسقط منها تكاد تكون مستحيلة، لكنه يفعل ما لم يكن يتخيل أنه قادر على فعله، حتى يصل للمستشفى الميدانى، ويرى الإصابات ويسلم الأدوية التى أعطاها له أحدهم، ويلتفت والصداع يعصف برأسه تجاه من يقول له إنهم يحتاجون لمزيد من الأدوية، وإنهم يجب أن يكتبوا على «تويتر»، فيسرع لموبايله الذى قارب أن يفصل شحنه ويكتب كلمة واحدة على حسابه:

انزلووووووووواااااااا

سقط أمامه قتلى، وفقد كثيرون عيونهم، وغرقت ملابسه بدماء شخص لا يعرف عنه سوى أنه نزل ليهتف ضد سلطة غاشمة، ويحلم بوطن أفضل، ولكن شيئاً لم يتغير، وأحداً لم يحاسب، وكانت الخيانة الكبرى هى خيانة الإخوان.

«الإخوان باعونا فى محمد محمود»

يمر عام على أحداث محمد محمود، ويصبح الإخوان حكام البلد، وينزل الجميع للاحتفال، وتحدث مناوشات عند وزارة الداخلية، وفجأة.. يسقط «جيكا».

شاب آخر يموت فى نفس المكان برصاص من لم يحاسب، وتحدث الفتنة الثانية، حيث يرى البعض أن الأمر مقصود، وأن أحدهم أطلق نيراناً صديقة على «جيكا»، أو أنه أصيب برصاصة طائشة، حيث تقسم الشرطة أنها لم تكن مسلحة بأى ذخيرة حية، لكن من قال إن الشرطة صادقة؟؟، بينما البعض الآخر متأكد من أن السيناريو تكرر فقط لا أكثر، وأن «الداخلية» البلطجية هى التى قتلت «جيكا»، ومع أن رئاسة الجمهورية أصدرت بياناً تنعى فيه «جيكا»، إلا أنه لم يأت بحقه، لا هو ولا الإخوان ولا الحكومة ولا نائبه العام حتى يومنا هذا، وهى دماء فى رقبته إلى يوم الدين.

«الإخوان باعونا فى محمد محمود»

ليست مرة واحدة، ولكن مرّتان، ومن يراجع تعليقاتهم على قتل «جيكا» يرى الخسة والنذالة باعتبار «جيكا» كان بلطجياً ويستحق، بينما دمه لم يبرد بعد، لكن فيما بعد سيشرب الإخوان من نفس الكأس بعد أن باعهم الجميع، ويتحول الأمر من مرارة لديهم إلى سخرية شديدة من هؤلاء السعداء بقتلهم، والمبررين له، والشامتين فيهم، لاعتبارهم أنهم يفعلون ذلك لمجرد عقابهم على عدم نزول محمد محمود، لكن من قال إن أحداً سيعبأ بشىء يقولونه.

«اشهد يا محمد محمود.. كانوا كلاب وكنا أسود»

شريحة أخرى شمتت فى شهداء محمد محمود نسيها الجميع، وهى شريحة المؤيدين لمجلس «طنطاوى وعنان» العسكرى آنذاك، وهى نفس الشريحة التى نزل (بعضها) فى 30 يونيو، والتى بدأت فتنة (25 يناير لم تكن ثورة و30 يونيو هى الثورة الحقيقية)، واستكملت مسلسلها فى تشويه كل من له علاقة بـ25 يناير، ورفض كل أشكال التظاهرات، حتى لو كانت لإحياء ذكرى شهداء، لكن شريحة أخرى (ثورية) تجد أن (الشارع لنا)، وأن أحداً لم يأتِ بحق هؤلاء حتى يومنا هذا ولا بد من النزول، فترد شريحة ثالثة: (ثورية برضه)، بأن نزول هذا اليوم فى 19 نوفمبر الحالى سيصب فى مصلحة الإخوان وقد يتسبب فى دماء جديدة لا يريدون أن يكونوا سبباً فيها، فيشتبك الجميع..

ماذا؟؟؟

هل قلت يشتبك الجميع؟؟؟؟

الحقيقة لأ.

من سيشتبك هم الثوريون الذين خونوا بعضهم البعض بسبب معركة النزول من عدمه، بينما من اصطلحنا على تسميتهم الفلول ثابتون على مبدئهم، والإخوان باعونا فى محمد محمود، والعدو ليس هذا الذى تظنه، بل أنت عدو نفسك

هذه حلقة جديدة من مسلسل الصراع بين (المصلحة) و(المبدأ) وبدلاً من الوصول لحل وسط، تفرغ (الثوريون) لتخوين بعضهم البعض.. يا خسارة

«اشهد يا محمد محمود.. كانوا كلاب وكنا أسود»

عندك حق.. كنا!!!

 

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: