الدول لا تتسول ضرائبها!

انتظرت ثلاثة أيام كاملة، لعل أحداً ينفى الخبر، وهو ما لم يحدث، بما يعنى أنه صحيح!

أخبار متعلقة

المصادر الضريبية الضائعة.. 3- الضريبة على الثروة العقارية

وانتظرت أن أقرأ عليه تعليقاً منصفاً من أصحاب الرأى فى البلد، فلم أقرأ حرفاً لأحد، وهو ما يعنى شيئاً من شيئين: إما أن الخبر لم يستوقف أحداً، رغم خطورته، وتلك مشكلة كبيرة، وإما أن الذين استوقفتهم خطورته وجدوا حرجاً فى التعرض لموضوعه، وتلك مشكلة أكبر!

الخبر كان منشوراً، صباح الخميس، على الصفحة الثالثة من «المصرى اليوم»، ويقول إن قراراً صدر بإعفاء 574 مبنى تابعاً للقوات المسلحة من الضريبة العقارية، وإن هذه المبانى تضم فنادق، ومصايف، وحدائق، واستراحات، ومجازر آلية، و.. و.. إلى آخر هذه الأنشطة التى تمارسها القوات المسلحة بامتداد المجتمع، وتكسب من ورائها، وبالتالى فإن أداء حق الدولة فيها واجب لا يجوز إسقاطه بأى حال!

ولو كان الأمر خاصاً بنشاط عسكرى مجرد، ما كان لأحد أن يناقش أو يعترض بطبيعة الحال، ولكنك هنا تتكلم عن نشاط تجارى فى هذه المواقع كلها، وتتكلم عن ربح يتحقق فيها، وتتكلم عن مواقع تتعامل مع المدنيين، بمثل ما تتعامل مع العسكريين، وتتكلم عن فنادق، وسينمات، واستراحات، لا عن مصانع سلاح، ولا مصانع ذخيرة، ولا عن مصانع قطع غيار!

الغريب حقاً أن يقال فى الخبر إن الإعفاء راجع إلى اعتبارات شؤون الدفاع والأمن القومى، وهى مسألة غير مفهومة بالمرة.

إن الأمر حين يتصل بجيشنا العظيم، وتسليحه، وتدريبه، وتكلفة ذلك كله، فإن كل مصرى على استعداد لأن يقتطع من لقمته، ويعطيه.. ولكن.. عندما يتعلق الأمر بنشاط مربح، ونشاط يظل المدنيون طرفاً فيه، ونشاط خارج الوحدات العسكرية، فالمؤكد أن حق الدولة هنا محفوظ بكامله، وأن الخزانة العامة للدولة هنا لها نصيب لا يقبل الجدل فى هذا الربح، وأنه ليس من الحكمة أبداً، ولا من المقبول، أن نمنع عائداً كهذا عن خزانة عامة شبه خاوية، وتبحث عن باب دخل يوازن بين مصروفاتها وإيراداتها، وتجد صعوبة بالغة، حتى هذه اللحظة، فى سد عجز الموازنة العامة للدولة!

إن أداء الضريبة للدولة، كما يجب، معناه أن تستطيع هذه الدولة القيام بمهامها، التى لا يقدر عليها غيرها، فى تقديم الخدمات العامة لمواطنيها، بجودة عالية، سواء كانت هذه الخدمة العامة فى الصحة، أو فى التعليم، أو فى الطرق العامة، أو فى مياه الشرب، أو فى الكهرباء، أو فى الأمن كخدمة عامة تسبق هذا كله، وتتقدم عليه!

هذه الخدمات العامة فى حاجة إلى إنفاق عام، وهذا الإنفاق العام فى حاجة إلى دخل، والدخل بالنسبة للدولة- أى دولة معاصرة- يأتيها من الضرائب بأنواعها فى الأول، وفى الآخر، فإذا ما صدر قرار من نوع ما نتكلم عنه فلا تنتظر تعليماً، ولا صحة، ولا أمناً، ولا.. ولا.. إلى آخر الخدمات العامة التى لا بديل أمام الدولة عن تقديمها للناس!

كيف يمكن أن نطلب من المواطنين أن يؤدوا ضرائبهم للدولة، إذا رأوا أن 547 مبنى بالكامل تعفى نفسها من أداء حق هو مقدس بطبيعته للدولة، ولا يجوز أبداً الفصال فيه؟!

ومن أين سوف تنفق الدولة على خدماتها العامة، إذا كانت كل جهة فيها سوف تبحث عن طريقة تعفى بها نفسها من سداد ضريبة، لا يتعين أبداً التفريط فى قرش واحد فيها؟!

فى الدول التى تعرف جيداً أنها دون ضرائب تأتيها بانتظام، لا يقوم لها كيان أصلاً، كدول، يقولون إن شيئين اثنين لا يستطيع أى بنى آدم فيها أن يهرب منهما: الموت.. والضريبة!

ولكن فى مصر، يبدو أن لنا رأياً آخر تماماً، بدليل أن خبراً بهذه الخطورة لم يستوقف أحداً!

أظن أن كل مصرى ينتظر تفسيراً للخبر، وبمعنى أدق، ينتظر نفياً له، إذا كنا حقاً نريد أن نقيم دولة تنافس الدول الناهضة من حولها.. أما إذا كنا نريد دولة تتسول حقها، عند أبنائها، فهذا موضوع آخر!

من فضلكم.. أعيدوا حق الدولة بالكامل، فى الـ574 مبنى، فلا شىء أبداً يبرر الاستثناء ولا الإعفاء!

تعليقات القراء