من الانتخابات البرلمانية التركية: ثلاثة استنتاجات لصالح الديمقراطية بوابة الشروق


نشر فى :
السبت 13 يونيو 2015 - 9:10 ص
| آخر تحديث :
السبت 13 يونيو 2015 - 9:10 ص

الاستنتاج الأول: وحدها التجربة الديمقراطية هى التى تنمى وتطور وتصقل الوعى السياسى للشعوب وترشد من ممارسة المواطنات والمواطنين للاختيار الحر فى مراكز الاقتراع، بحيث تدفعهم تدريجيا بعيدا عن الاختيار إن وفقا للأهواء الإيديولوجية أو للتوظيف الانتخابى للمكون الدينى أو للترويج لكاريزما الحاكم وانعدام بدائله والضياع المحقق حال غيابه أو للنزوع لرفض الآخر ــ العرقى (الأغلبية التركية والأقلية الكردية) والمذهبى (الأغلبية السنية والأقلية العلوية) والجغرافى (سكان الحضر فى مواجهة الريفيين، وسكان المدن المطلة على البحار الأكثر انفتاحا على أوروبا فى مقابل مواطنى هضبة الأناضول أصحاب الثقافة المحافظة) والاقتصادى ـ الاجتماعى (معدلات الدخول والمستويات المعيشية شديدة التفاوت بين الشرائح السكانية).

وحدها التجربة الديمقراطية هى التى تحفز المواطنات والمواطنين على البحث عن المعلومات والحقائق لتقييم الحكام المنتخبين انطلاقا من تداعيات سياساتهم وحصاد أفعالهم ومن الوعود التى قطعوها وأنجزوها وتلك التى عجزوا عن الوفاء بها، وانطلاقا من المبادئ والقيم التى ادعوا الالتزام بها والدفاع عنها كسيادة القانون وصون الحقوق والحريات والمواطنة والمساواة والشفافية ومحاربة الفساد والعدالة الاجتماعية وكثيرا ما يختلف بصددها وبشدة خطاب الحكام المنتخبين الرسمى عن الواقع المعاش، وانطلاقا من علاقة كل ذلك بمصالح الشرائح السكانية المختلفة وتفضيلات الناس المتعددة وقدرتهم على مساءلة ومحاسبة الحكام فى انتخابات حرة ونزيهة ودورية ودون خوف من تعقب أو قمع أو ظلم.

•••

وحدها التجربة الديمقراطية هى التى مكنت بعض المواطنات والمواطنين الأتراك من تغيير تفضيلاتهم الانتخابية وسحب تأييدهم من رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم العدالة والتنمية بسبب نواقص جوهرية يرونها فى السياقات الاقتصادية والاجتماعية وبشأن سيادة القانون وحقوق الناس وحرياتهم وفى محاربة الفساد ومقاومة نزوع أردوغان لاكتساب سلطات وصلاحيات مطلقة وتعطيل آليات وإجراءات الرقابة والمساءلة والمحاسبة، ولذلك خسر حزب العدالة والتنمية ما يقرب من 11 بالمائة من أصوات الناخبين فى الانتخابات البرلمانية 2015 مقارنة بالانتخابات السابقة وفقد أغلبيته المطلقة (40 بالمائة من مقاعد البرلمان هبوطا من 51 بالمائة) وأصبح وللمرة الأولى منذ بداية هيمنته على شئون الحكم والسياسة فى تركيا فى احتياج للتحالف مع حزب آخر وتشكيل حكومة ائتلافية.

•••

الاستنتاج الثانى: فى البلدان التى لم تستقر تجربتها الديمقراطية بعد ــ ومضامين غياب الاستقرار هنا تشمل 1) كون الأطر الدستورية والقانونية الضامنة لمبادئ وقيم الديمقراطية وقواعد اللعبة السياسية كنشاط تعددى وتنافسى مازالت حديثة العهد، 2) كون سلطات وصلاحيات مؤسساتها التشريعية والتنفيذية المنتخبة لم تترسخ بعد فى الواقع المعاش فى مواجهة المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية والإدارية التى احتكرت تقليديا القوة وهيمنت على شئون الحكم والسياسة، 3) التهديدات المستمرة الواردة على الفكرة الديمقراطية إن من قبل حكام منتخبين وقيادات أحزاب منتخبة يريدون الاستئثار بالسياسة وإسكات المعارضين أو من قبل نخب بعض مؤسسات وأجهزة الدولة الباحثة عن الاحتفاظ بامتيازاتها وعوائدها دون تغيير ودون رقابة ومساءلة ومحاسبة أو من قبل بعض النخب الاقتصادية والمالية وجماعات الضغط الساعية لتوظيف الحكم والسياسة لخدمة مصالحها الضيقة وبمعزل عن حدود التناقض بين هذه المصالح وبين الصالح العام، 5) تفتت المجال السياسى بسبب تشرذم الكيانات الحزبية أو شيوع الاستقطاب الإيديولوجى / العرقى / المذهبى / الجغرافى فيما بينها وغياب القواسم المشتركة، تمكن آلية الانتخابات الحرة والنزيهة والدورية المواطنات والمواطنين من التحييد والتجاوز التدريجيين لمضامين غياب استقرار التجربة الديمقراطية ومن حمايتها من الإخفاق ومن ثم حماية المجتمع والدولة من الارتداد إلى الاستبداد والسلطوية.

فى الانتخابات البرلمانية 2015، ذهب تصويت الناخبين الأتراك بجلاء فى اتجاه تحييد وتجاوز بعض مضامين غياب الاستقرار عن تجربتهم الديمقراطية. عوقب الرئيس المنتخب وحزبه الحاكم فى مراكز الاقتراع للنزوع الصريح ﻹقرار سلطات وصلاحيات مطلقة للرئاسة، وتمكينها من الاستئثار بالسياسة واحتكار صناعة القرار فى الشئون العامة على حساب البرلمان المنتخب والسلطة القضائية المستقلة عبر تمرير تعديل دستورى يستلزم أغلبية خاصة فى البرلمان. غير أن الناخبين الأتراك لم يقدموا أغلبية أصواتهم للأحزاب العلمانية المعارضة التى كثيرا ما ساومت أيضا على سلطات وصلاحيات البرلمان، وعلى التجربة الديمقراطية برمتها عبر تحالفاتها مع المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية وبعض النخب الاقتصادية والمالية الراغبة فقط ودوما فى احتكار السياسة وصناعة القرار وتسخيرهما لحماية امتيازاتها وعوائدها.

عوقب الرئيس المنتخب وحزبه الحاكم فى مراكز الاقتراع على العصف المنتظم بسيادة القانون، والانزلاق إلى ممارسات قمعية انتهكت حقوق الإنسان والحريات، والتورط فى صنوف من الفساد والتستر على صنوف أخرى من الفساد وحماية بعض الفاسدين والمفسدين فى سبيل ضمان مصالح اقتصادية ومالية غير مشروعة لحزب العدالة والتنمية وللنخب المتحالفة معه. غير أن الناخبين الأتراك لم يمنحوا أغلبية أصواتهم للأحزاب العلمانية المعارضة التى لم تتسم حقب حكمها فى العقود التى سبقت صعود العدالة والتنمية ــ أى فى ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة ــ لا بعصف أقل بسيادة القانون، ولا بانتهاكات أقل للحقوق وللحريات، ولا بفساد محدود.

عوقب الرئيس المنتخب وحزبه الحاكم فى مراكز الاقتراع بسبب الاستعلاء على حق المواطنات والمواطنين فى إلزام الحكم بالشفافية وإقرار قاعدتى المساءلة والمحاسبة بشأن سياسات وأفعال المسئولين المنتخبين ــ وقد كان التبرير المتعجرف من قبل أردوغان ﻹنفاق مبالغ طائلة من الموازنة العامة للدولة على بناء مقر جديد لرئاسة الجمهورية (بسبب ملاحظته لوجود زواحف صغيرة فى المقر الحالى) من بين إرهاصات ذلك الاستعلاء التى سبقت الانتخابات البرلمانية مباشرة، وبسبب المبالغة فى توظيف المكون الإيديولوجى والدينى فى الحملات الانتخابية للعدالة والتنمية لتغييب وعى الناس بضرورة تقييم تداعيات سياسات وحصاد أفعال الحكم على نحو موضوعى، وبسبب صناعة الاستقطاب وحرب الهوية اللتين أعلنهما أردوغان على الكيانات الحزبية والسياسية المدافعة عن مواطنة الحقوق والحريات المتساوية والمناهضة للتمييز ضد الأكراد وتجريمه المطرد لها كآخر يستحق الإلغاء. غير أن الناخبين الأتراك لم يعطوا أغلبية أصواتهم للأحزاب العلمانية المعارضة التى لم تدلل خبرات حكمها الماضية على التزام حقيقى بالشفافية وقواعد المساءلة والمحاسبة، ومازالت تقارع المكون الإيديولوجى والدينى للعدالة والتنمية بمكون إيديولوجى بديل جوهره القومية التركية المتعصبة والوطنية الشوفينية المتحولة إلى دين وضعى يلغى وجود الآخر العرقى (الأكراد) وينزع عنهم إنسانيتهم ويبرر انتهاك حقوقهم وحرياتهم.

لكل ذلك، أنهى تصويت الناخبين الأتراك وبوعى واضح الأغلبية المطلقة لحزب العدالة والتنمية وأجبروه على التحالف مع حزب آخر أو أحزاب أخرى وفرضوا عليه بسبب الهزيمة الانتخابية إعادة النظر فى سياساته وأفعاله التى تهدد استقرار التجربة الديمقراطية. إلا أن التصويت احتفظ للعدالة والتنمية بموقع الحزب الأكبر فى الحياة السياسية التركية منعا للتفتت والتشرذم، وحال بين الأحزاب العلمانية المعارضة وبين الوصول إلى مقاعد الأغلبية وهى لم تدلل واقعيا بعد على التزامها الواقعى بالديمقراطية وبالحكم دون تحالفات مع مؤسسات وأجهزة ونخب تريد الانقضاض على التجربة الديمقراطية، ومكن وللمرة الأولى كيانا حزبيا يتبنى مواطنة الحقوق المتساوية ويناهض التمييز ضد الأكراد من تجاوز حاجز الـ10 بالمائة اللازم لدخول البرلمان.

•••

الاستنتاج الثالث: من بين أمور أخرى، تتمثل عبقرية الديمقراطية التى تجعل منها الطريقة الأفضل أخلاقيا وقيميا والأنجع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ﻹدارة ترابطات المواطن والمجتمع والدولة على المديين الزمنيين المتوسط والطويل (دوما ما تتسم بدايات الديمقراطية بأزمات وصعوبات وتحديات جمة) فى كونها عبر سيادة القانون والانتخابات الحرة والنزيهة والدورية وقواعد المساءلة والمحاسبة المستمرة، 1) تعطى تدريجيا صوتا علنيا للشرائح والفئات والمجموعات السكانية التى تعانى من الإلغاء والاستبعاد والتمييز والتهميش بفعل احتكار أو استئثار أو سيطرة أو هيمنة أطراف أخرى على السياسة وصناعة القرار العاك واحتفاظها بامتيازات وعوائد واسعة، 2) تسمح تدريجيا لها بالتنظيم الجماعى والبحث عن سبل سلمية وشرعية للمشاركة فى السياسة وصناعة القرار العام واختراق السياقات الرسمية وذات المشروعية القانونية للسياسة وللمجال العام بتكوين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى والحضور فى التشكيلات النقابية والمهنية والجامعية وفى دوائر أصحاب الأعمال، 3) تفرض تدريجيا على الأطراف المحتكرة أو المستأثرة أو المسيطرة أو المهيمنة على السياسة وصناعة القرار العام التعامل مع من حرموا فى الماضى من الصوت والحضور وتلزمهم وإن طال الأمد بالاعتراف ببعض حقوقهم وحرياتهم المشروعة وتنزيل ذلك واقعا دستوريا وقانونيا وسياسيا معاشا، وربما بالمساءلة والمحاسبة عن ماضى الإلغاء والاستبعاد والتمييز والتهميش فى إطار منظومة للعدالة الانتقالية ــ ودون أن يعنى ذلك أبدا انتفاء الأزمات والصعوبات والتحديات الكثيرة الأخرى التى تواجهها التجربة الديمقراطية.

وتحديدا هذا الجانب من عبقرية الديمقراطية وتجاربها هو الذى أظهره تصويت الناخبين الأتراك فى 2015، حين منحت شريحة منهم تصل إلى 12 بالمائة ــ حتى وإن كان معظمهم من المنتمين عرقيا للسكان الأكراد ــ صوتها لحزب يدافع عن مواطنة الحقوق المتساوية ويناهض التمييز وصناعة الاستقطاب وحروب الهوية التى تورط لها أردوغان وحزب العدالة والتنمية أو تديرها الأحزاب العلمانية المعارضة.

•••

هكذا ينمو ويتطور وعى الشعوب السياسى، وتنضج التجارب الديمقراطية وتحيد وتتجاوز مضامين عدم الاستقرار، وتدمج بانتظام المزيد من الشرائح السكانية وتتمكن من الانتزاع التدريجى للصوت والحضور والنفوذ وتبتعد عن كل ما يتناقض مع مقتضيات السلمية والعلنية، ويحاسب الحكام المنتخبون ويجبرون على التراجع عن النزوع السلطوى والرغبات الاحتكارية. صندوق الانتخابات أفضل دوما!

اقتباس
وحدها التجربة الديمقراطية هى التى مكنت بعض المواطنات والمواطنين الأتراك من تغيير تفضيلاتهم الانتخابية وسحب تأييدهم من رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم العدالة والتنمية بسبب نواقص جوهرية يرونها.

تعليقات القراء