عمرو حمزاوى يكتب: كيانات الحدود الدنيا!

نشر فى : الأحد 14 يونيو 2015 - 8:50 ص | آخر تحديث : الأحد 14 يونيو 2015 - 8:50 ص

لا يتوقف أبدا بحث الإنسان عن معنى لوجوده، عن سبب لحياته، عن سبيل لسعادته. وكثيرا ما يرتبط الإبداع الفكرى والثقافى والفنى بمعالجة مضامين وجوانب مختلفة لهذا البحث الإنسانى المستمر.

مساء أمس الأول، شاهدت فيلم «الحب والرحمة» ــ فيلم أمريكى، إنتاج 2014، بدأ عرضه عالميا فى شهر يونيو الحالى، إخراج بيل بولاد، بطولة إليزابيث بانكس وجون كوساك وبول دانو وبول جيامتى. والفيلم يتناول حياة المغنى المعروف بريان ويلسون الذى حقق فى ستينيات القرن العشرين نجاحا لافتا مع الفريق الموسيقى «بيتش بويز»، ثم انهار نفسيا وجسديا وعقليا بعدها بسبب علاقته المتوترة مع والده العنيف وغياب أمه وتعاطيه المخدرات وإخفاقاته المتكررة فى الوصول إلى معدلات توزيع جيدة لموسيقاه عندما ابتعد عن «الروك الخفيف» وعن «نمطية الفرق الشابة»، ولم يخرج من أزمته ويحيى طاقته الإبداعية ويعاود التأليف الموسيقى إلا مع حب جديد. يجسد بريان ويلسون الشاب الممثل بول دانو، بينما يقدم الممثل جون كوساك بإبداع مبهر شخصية بريان ويلسون المحطم الذى يجد فى الحب نجاته وسعادته وفى التأليف الموسيقى معنى وجوده وسبب حياته، ومشاهد الفيلم تتنقل بحركة دائرية سريعة ومركبة وحادة وصادمة بين مرحلتى الحياة وتنقل لنا كمشاهدين عمق وقسوة التجربة الإنسانية لويلسون وللمحيطين به.

انتهى العرض، وبينما تواصل فى رأسى تردد أصداء موسيقى بريان ويلسون ــ التى يجيد «الحب والرحمة» الإفساح لمساحة زمنية معقولة للاستماع إليها ــ عاد عقلى فورا إلى التفكير فيما يدور حولى من مشاهد لبحث من أعرفهم أو من أتابع أوضاعهم عن معنى للوجود وسبب للحياة وسبيل للسعادة، وإلى إجراء المقارنات البسيطة بينهم هناك وبيننا هنا. لست بمنكر لكون حظوظ الناس فى المجتمع الأمريكى والمجتمعات الغربية وغيرها من مجتمعات صون حقوق الإنسان والحريات تتفاوت بشدة وفقا لقدراتهم الاقتصادية والمالية ومستوياتهم الاجتماعية ومهاراتهم التعليمية والمهنية، وفى بعض الأحيان وفقا لهوياتهم العرقية والدينية ولحقائق التمييز الذى لم يتوقف ضد بعض الأقليات وضد النساء، وفى أحيان أخرى تفرض ظروف الميلاد ذاتها كمصير لا يتغير فتعانى من الفقر نسبة غير قليلة من أبناء الفقراء ومن محدودية التعليم والعمل نسبة غير قليلة من أبناء محدودى التعليم والمحرومين من العمل وتتهاوى على وقع المصائر القاسية هذه القيمة الفعلية والمجتمعية لقاعدة تكافؤ الفرص. غير أن الفارق الجوهرى بين بحثهم هناك وبحثنا هنا عن معنى للوجود وسبب للحياة وسبيل للسعادة يتمثل فى توفرهم على ضمانات لحماية حقوق وحريات المواطن، وتوظيف القانون لرفع الظلم عنه ومنع وقوعه كضحية أبدية للتعسف إن من قبل أفراد أو مجموعات أو مؤسسات أو حكومات، وتمكينه فى الأزمات الشخصية من البحث عن البدايات الجديدة وعن تجاوز للمسارات المتعرجة التى حتما تطؤها أقدامنا جميعا دون طغيان للنزوع نحو الإدانة والعقاب والاستبعاد فى الدوائر الخاصة والعامة المحيطة به.

أما هنا، فضمانات حماية حقوق وحريات المواطن فى تراجع كارثى ــ ونحن نستيقظ على وقع أنباء الاختفاء القسرى للبعض وتكرر جرائم التعذيب التى تسقط ضحايا آخرين وتراكم المظالم والانتهاكات، وتوظيف القانون لرفع الظلم وإنهاء التعسف الواقع على المواطن بغض النظر عن مصادره ومسبباته يعترضه واقع السلطوية والفساد ومكارثية المجال العام ــ التى تروج للإدانة عند الاختلاف وللاستبعاد عند التغريد خارج الكتلة الصماء، والبحث عن البدايات الجديدة تعوزه الطاقة الإيجابية التى نجرد منها ونحن نختزل إلى «كيانات الحدود الدنيا البشرية» ــ فتقتصر أمانينا على ألا يطالعنا الغد بأنباء مظالم وانتهاكات جديدة أو أن يحمل لنا ما يطمئن عن ضحايا الأمس أو أن تستمر قدرتنا على التعامل مع القمع والخوف أو مع الفقر والعوز أو معهم جميعا، وعبثا نتمنى.

البحث عن القليل / عن الجزئى / عن شىء من«الحب والرحمة» هو ما تفرضه علينا بيئة القمع والخوف والمكارثية المحيطة بنا، صرنا بالفعل كيانات الحدود الدنيا، ولا بدايات جديدة ولا انعتاق غير بالانتصار على القمع والخوف والانتصار لحقنا فى الاختلاف والحرية.

تعليقات القراء