«المايوه الشرعى» مفتاح الجنة

«المايوه الشرعى» مفتاح الجنة

سحر الجعارة 

بالصدفة، أو بفعل العادة والقهر، ليس فى عائلتى ولا أنثى غير محجبة باستثنائى، وفى معظم أفراح وتجمعات العائلة أشعر بأننى «نغمة نشاز»، لكننى استطعت بحب وذكاء أن أستوعب «الاختلاف»، وأن تحافظ أسرتى على قانون المسافة التى تفصل أفكارى ونمط حياتى عن أفكار غالبيتهم وأسلوب حياتهم.
 
أما المسافة ما بين «البكينى» و«البوركينى» -كما أراها أنا- فهى تعكس حالة التخبط بين «الإرهاب الفكرى والحريات»، بين اعتقال الأنثى فى زى يقال إنه «شرعى» ورغبتها وحقها فى الحياة والتمتع بكل ما فيها وأولها السباحة.
 
إنها المسافة التى يسقط فيها معنى «الحرية»، ويصبح من حق من ترتدى «النقاب» أو «البوركينى» تكفير المرأة السافرة.. ومصادرة «الحق فى الاختيار» بمنطق «حماة الفضيلة» وحراس الدين، والأوصياء على الأخلاق والمجتمع!
 
وفى كل صيف تشتعل «حرب المايوهات»، لأن السياحة ضُربت فى مقتل، وبدأت عملية «زحف مقدس» لاحتلال البلاجات الراقية من أسر اعتادت أن تذهب لبلطيم ورأس البر فإذا بها تنطلق إلى الغردقة وشرم الشيخ وهاسيندا بالساحل الشمالى!
 
الفنادق والمنشآت الفندقية رفعت شعار: (المايوه الشرعى ممنوع.. والزعل مرفوع)، والمحجبات اعتبرنها «معركة دينية»، لا بد أن تثبت فيها المحجبة أن الحجاب رمز العفة ومفتاح الجنة.. وأن السفور دعوة للعهر أو التعرى.. تماماً كما تتحول كل معركة ترتبط بالزى إلى سجال دينى وتظاهرة لإثبات هيمنة تيار «الإسلام السياسى» على المجتمع.
 
أما وزارة السياحة فأقصى ما فعلته وضع مجموعة من الضوابط لنزول المحجبات فى حمامات السباحة والبحر وتمثلت فى الآتى: (الشرط الأساسى فى أى زى مستخدم لحمام السباحة هو عدم تفاعل خامته مع المياه والكلور الموجود بحمام السباحة.. لا نتعامل وفق مسميات مايوه شرعى أو غير شرعى.. ولا يصح نزول حمام السباحة بزى مثل «بلوزة وجيبة أو جلابية» أو ما شابه ذلك.. فلا بد أن يكون أى زى من مادة المايوه التقليدى المتعارف عليه.. ويحق للفندق تخصيص حمام سباحة منفصل للمحجبات إن أراد).
 
ولا أدرى عن أى «مظهر حضارى» تتحدث وزارة السياحة، وأى حفاظ على الصحة العامة لمستخدمى حمامات السباحة، وهل ستعين «لجنة» لجس خامة كل «بوركينى»، وتحديد مدى مطابقته للمواصفات الحضارية والشروط الصحية؟
 
أصلاً لا يوجد فى أبجديات الحياة شىء اسمه «مايوه شرعى»، لأن «البوركينى» يصف كل ما تحته ويلتصق بجسد المرأة بفعل المياه، ويسمح لها بحركات لا تجوز لمن تدعى «الحشمة والتدين».. وهذا لا ينفى حق المحجبة فى الاستمتاع بالسباحة خصوصاً أن لدينا العديد من النوادى والفنادق التى تخصص يوماً مغلقاً لسباحة السيدات.
 
وترفض الدكتورة «آمنة نصير»، عضو لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب، إلصاق كلمة «شرعى» بـ«المايوه»، مؤكدة أنه يجب عدم استخدام هذه الكلمة فى أى وقت وأى ظرف «لأنها كلمة مقدسة»، مضيفة: كما أن ما يقال إنه مايوه شرعى لا يناسب فكرة الحجاب، ويصف ويشف شأنه شأن أى مايوه آخر (وبالتالى عدم وجوده أفضل)!
 
لقد تراجعت غرفة الفنادق عن التزامها بضوابط وزارة السياحة، وأكد عدد من أصحاب الفنادق حقهم فى تحديد ضوابط الزى داخل منشآتهم، لأنهم يعلمون جيداً أن هذه الضوابط تنسف ما تبقى من رمق الحياة فى صناعة السياحة.
 
لكن الأهم أن «البوركينى» هو ترجمة لمشروع سياسى ضد المجتمع مبنى على استعباد المرأة، وكأنه الابن الشرعى لمشاعر عداء سياسى واجتماعى تفصل ما بين عالمين: الأول، تبحث فيه النساء عن الجنة المفقودة وتعيش حالة «نوستالجيا» وحنين إلى حقبة الستينات التى كانت ترتدى فيها المرأة «ميكروجيب» فى الجامعة والطريق العام دون أن تتعرض للتحرش أو تتهم بالفسق.. والعالم الثانى، يبحث فيه قطاع آخر من النساء عن «هوية ضائعة» قد يجدونها فى «التدين الشكلى» الذى يرفعهن إلى مرتبة أعلى بزعم أنهن الأكثر «تقوى» وتمسكاً بتعاليم الدين.. وهو الدين الذى لم يذكر شيئاً عن ثواب ارتداء «المايوه الشرعى»!
 
وكلا العالمين خلفهما تنظيمات دينية، ومنظمات نسوية مدنية وحقوقية.. وباب المزايدة السياسية مفتوح للجميع.. كل يروج لمشروعه الفكرى بالحديث عن العقيدة والحرية الشخصية وحقوق المرأة.. وفى قلب الصراع تسقط «الدولة المدنية» لأن «فريق البوركينى» يستخدم سلاح «شرعنة المايوه» لدروشة المجتمع ومد النفوذ السلفى ليتحكم فى المناخ الثقافى.. أما «فريق الفكر» فيستخدم أسلحة ضعيفة لا تتجاوز كتاباً أو فيلم سينما وصورة «أبيض وأسود» لحفلات «أم كلثوم»!
 
«المايوه الشرعى» ليس له علاقة بحرية المرأة إنه «قنبلة يدوية» لنسف حرية المجتمع بأكمله، وهو ليس قضية دينية إنه صراع مصيرى بين الدولة السلفية والدولة العصرية.. لقد نشرت -من قبل- بحثاً عن «الهوية السياسية للزى» فى إطار تحليل لسيكولوجية الموضة.. وهو حقل دراسى مهم.
 
والقراءة السياسية للزى تبدأ من غزو النقاب، رغم أنه ليس فرضاً، إلى وضع «وردة» بدلاً من صورة مرشحات حزب «النور» السلفى فى الانتخابات.. وصولاً إلى معركة «المايوه الشرعى».. وهكذا أصبحت المرأة كلها «عورة» وعادت مصر إلى عصر الجاهلية!
 
تعليقات القراء