بالفيديو.. قصة «سيد الطفشان» ضحية جزيرة الوراق

بالفيديو.. قصة «سيد الطفشان» ضحية جزيرة الوراق

كتبت: هبة الله سيد

 
لكل حكاية مهما كانت تفاصيلها، بطل خفي يصبح كالكوكب العملاق الذي تحلق حوله الكواكب الصغرى، قوى مغناطيسية تجذبك نحوه، قصته وما يخفيه، خاصة وإن كان الآن جسدا بلا روح حلقت روحه نحو السماء تاركة وراءها نيرانا تضرم في الحلق وتضرب بسياطها "عاطلًا في باطلًا".
 
قتل دون أن تكون له ناقة ولا جمل فيما يحدث، كل ذنبه أن القدر ولقمة العيش قذفته في "جزيرة الوراق" ذلك المكان البدائي إلى حد بعيد، ليجد نفسه بين طلقات الخرطوش من جهة، وجسد سيدة نحيلة يتعرض للضرب والاعتداء، فماذا عليه أن يفعل ذلك الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين عامًا؟ نشأ على أن فتيات الجزيرة كلهن إخوته، ليشهر عنقه لرصاصة خرطوش تخترقه وتستقر بها وفي صدر والدته. 
 
المشهد كان هادئًا حتى ظهر اليوم، أمام مستشفى إمبابة العام بالجيزة، حتى تسلل صوت هذا الصمت بهتافات "يا نجيب حقه.. يا نموت زيه"، ليتحول سيد الطفشان، من فتى عادي يحلم بعمرة لوالدته وزيجة تعوضه عن السابقة، إلى بطل جزيرة الوراق. 
 
الجميع أمام المستشفى نسي قضيته الأساسية وافترش مدخل المستشفى بعد أن دلفت جثة سيد عبر ممر المستشفى، والدته ممسكة بالـ"ترولي"، كأنها بهزاتها له ستبعث الحياة من جديد في جسد فقيدها، "كان هو اللي ليا في الدنيا، لما أبوه مات وهو عنده 15 يوم، كل اللي كان بيتمناه يطلعني عمرة واهو سابني وراح هو يعملها".
 
بصوت تحترق بحاته، وعبارات تتخللها الدموع تتحدث السيدة الستينية، جمالات، والدة سيد عن فقيدها، تسكت وتطيل الصمت والنظر لنقطة ما في سقف مدخل المستشفى، لا تشعر بكل ما يحدث حولها، الآلاف هنا من أجل ولدها. 
 
في مشهد نادر قد لا يتكرر كثيرًا، كأن سيد ينتمي لعائلة مكونة من ألف فرد أو يزيد، أين ابن العم أو الخال؟ لا أحد يعلم. لتفاجأ أن الطفشان لم يكن من أبناء الجزيرة، هو عامل ابن عاملة، تفترش أمام منزلهم الصغير بالجزيرة بعض الخضراوات والفاكهة. لكنهم هبَّوا في جسد واحد، أبواب المستشفى تنكسر وأصواتهم ما زالت تتعالى، وصوت نسائي يردد عبارة "حسبي الله ونعم الوكيل.. كان نفسه يفرح زي بقية الشباب".
 
"أنا بقالي ستين سنة في الجزيرة، عمري ما مريت بيوم زي النهاردة، واحد من خيرة شباب البلد مات، وبيوتنا وقعت فوق روسنا"، عيناها تحملقان في المشهد حولها، وخاطرها في مكان آخر يتساءل "أين سننام اليوم ؟!"، تتناسى أم محمد، هذا الأمر وتنشغل بالحديث مع أختها وزوجة ابنها، اللتين تستندان إلى جذع شجرة، تغالبان دموعا تتساقط من عيونهم فتختلط بالعرق المتصبب من الجبين، وسط حرارة حارقة، ووجوه ساكنة لأول مرة يداهمها الخوف والغضب. 
 
تمسك أختها بأطراف الحديث بعد صمت دام لدقائق وتأمل في الوجوه، "احنا مش عايزين غير بيت يضلل علينا أنا وعيالي الثلاثة، جوزي أرزقي وأكل عيشنا كله من الجزيرة، لا عايزين سلطة ولا قلبان للبلد"، على قدر خبرتها تتحدث بعفوية شديدة، تلفظ أنفاسها المتقطعة وأخيرًا تسلم طرف الحديث لأختها من جديد، لتلقي بدورها الدعوات للشباب المرابط أمام باب المستشفى.
 

تعليقات القراء