سليمان جودة

سليمان جودة يكتب: عملية قطع إصبع إيران!

 

أطرف ما فى الحرب على الجماعة الحوثية فى اليمن، أن إيران تدعو الآن.. والآن فقط.. إلى حل سياسى هناك، ثم لا تفعل شيئاً، بعد دعوتها هذه، إلا أن تظل تشجب وتدين قرار الحرب!

 

إن عودة سريعة إلى أحداث الأيام القليلة الماضية، سوف تكشف لك أن إيران هذه نفسها، لم تكن تنطق بكلمة، عندما كانت جماعتها الحوثية تقتحم العاصمة صنعاء، ولا عندما كانت جماعتها تحدد إقامة رئيس الحكومة اليمنى، ولا عندما كانت جماعتها تحدد إقامة رئيس الجمهورية ذاته، ولا عندما راحت الجماعة تطارد الرئيس، بعد أن تسلل هارباً من صنعاء إلى عدن!

 

لم نسمع حرفاً وقتها من إيران، ولا من وزير خارجيتها، عن أى حل سياسى.. بل كان العكس تماماً، وبزاوية مائة وثمانين درجة، هو الذى حدث!

 

كنا، مثلاً، نقرأ عن أن وفداً من الجماعة الحوثية قد طار إلى طهران، وأنه قد عقد مباحثات سياسية مع السلطة فى العاصمة الإيرانية، وأنه قد تقرر بعد المباحثات تسيير رحلات جوية مباشرة من طهران إلى صنعاء، ولأول مرة!

 

وكنت أنت تسأل عن الصفة التى يتباحث بموجبها الوفد الحوثى مع إيران فلا تجد، ولا يرد عليك أحد، ولا تكلف إيران خاطرها بالإجابة عن السؤال.. ثم الآن.. والآن فقط.. تتكلم عن حل سياسى!

 

وكنا جميعاً نقرأ عن أن الجمهورية الإيرانية قد تعهدت للوفد الحوثى الذى زارها، بإمداد اليمن بحاجته من النفط ومشتقاته، لمدة عام، وكنا نسأل عن الصفة التى بمقتضاها عقد الوفد الحوثى مثل هذه الصفقة، فلا نجد أحداً يجيب، ولم يكن أحد يستطيع أن يجيب فى طهران، ولا من بين قادة الجماعة الحوثية، لأن الطرفين كانا يعرفان تماماً أنه لا سند من أى نوع للزيارة، ولا لما تم فيها، وبعدها، وبناءً عليها، وأنه لا صفة رسمية للجماعة الحوثية فيما يخص أى شأن فى اليمن!.. ثم الآن.. والآن فقط، تدعو إيران إلى حل سياسى!

 

وكانت السعودية تدعو أطراف الأزمة فى اليمن إلى حوار فى الرياض، وكانت تؤكد فى كل مرة تجدد فيها دعوتها على أن الجميع مدعوون إلى الحوار، بمن فيهم الحوثيون ذاتهم، فماذا كان الجواب؟!.. كان الجواب هو الرفض، ثم الرفض، ولا شىء غير الرفض من جانب الحوثيين تحديداً!

 

ومن السهل أن نخمن أن رفضهم لكل دعوات الحوار لم يكن من عند أنفسهم، فلقد كانت إيران، من ورائهم، تزين لهم كل خطوة يخطونها، وكانت تحرضهم على المزيد، وكنا جميعاً نتساءل فى حيرة: من أين جاء الحوثيون بهذه القوة؟!.. ومن أين جاءتهم هذه الشجاعة؟!.. ومن أين يأتيهم كل هذا السلاح الذى يهددون به استقرار دولة بكاملها؟!

 

وكانت إيران، فى الخلفية، بادية فى كل لحظة، وفى كل خطوة!

 

وكانت السعودية طويلة البال مع غباء الحوثيين، إلى حد لم يعد معه عندها مجال «لطولة بال» أخرى، ولا لصبر آخر، وهى ترى أن حدودها الجنوبية مع اليمن مهددة.. وبمَنْ؟!.. بمجموعة مغامرة، وغير مسؤولة، ومتهورة، وغبية، اسمها الجماعة الحوثية!

 

ولم يكن أمام الملك سلمان إلا أن يدعو تسع دول معه، فتستجيب جميعها فى لحظتها، من أجل هدف واحد، هو قطع إصبع إيران فى اليمن!

 

وحين رأت إيران الدم يسيل من إصبعها راحت تصرخ وتدعو إلى حل سياسى، دون أن تدرك أن دعوتها قد فات أوانها!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: «رسالة» إلى أهل شرم!

 

غباء الجماعة الحوثية فى اليمن لا يختلف عن غباء الجماعة الإخوانية فى القاهرة، فكلتاهما تريد أن تحكم بلداً، لا تمثل هى أغلبية فيه، ولأن ذلك يظل ضد طبائع الأمور نفسها، فإن الإخوان قد سقطوا، وسوف يسقط الحوثيون لذات السبب!

 

وبمثل ما كانت الجماعة الإخوانية مدعومة، من خارج بلدها، وربما لاتزال، بمثل ما أن الجماعة الحوثية مدعومة أيضاً، من خارج بلدها، هذا إذا افترضنا أن البلد بلد الجماعة فى الحالتين، لأن الجماعة، أى جماعة، حين تكون نبتاً من طين أرض بلدها فعلاً، فإنها يستحيل أن تتصرف ضده على نحو ما تصرف الإخوان عندنا، ولا على نحو ما يتصرف الحوثيون الآن ضد اليمن كوطن.. يستحيل!

 

وعندما لا تكون فى العالم كله دولة تؤيد الحوثيين فى حماقاتهم التى يرتكبونها، يوماً بعد يوم، سوى إيران، فليس لهذا من معنى إلا أن الكلام الذى صدر عن طهران، يوم تولى الملك سلمان بن عبدالعزيز، الحكم فى السعودية، وكيف أنهم، كإيرانيين، مستعدون للتعاون مع الرياض، فى عهد الملك الجديد، إنما هو كلام فارغ، ولا ينطوى على أى مضمون حقيقى!

 

إذ السؤال هو: كيف تكون إيران مستعدة للتعاون معه، بينما هى تسعى، منذ أول أيام ولايته، إلى أن تكون اليمن خنجراً فى خصره، وفى خصر بلده، بل وفى خصر كل بلد عربى له علاقة مباشرة مع الموقع اليمنى، سياسياً، وجغرافياً، بشكل خاص.. كيف؟!

 

وفى لحظة كتابة هذه السطور، فى ساعة مبكرة من صباح أمس، جاءت أخبار قوية عن أن الرئيس اليمنى عبدربه هادى منصور قد وصل إلى سلطنة عمان، فى طريقه إلى شرم الشيخ، لحضور القمة التى سوف تنعقد فيها بين القادة العرب صباح غد!

 

وحين يصل رئيس اليمن، متسللاً هكذا إلى بلد مجاور له، هو عمان، فإن ذلك يضع مسؤولية مضافة على كاهل القمة المنعقدة غداً، ثم إن ذلك أيضاً يوضح لك، بأبلغ بيان، كيف أن غباء الجماعة الحوثية قد وصل إلى مداه، وهى تطارد رئيساً شرعياً للبلاد، ولا هدف لها سوى السلطة كاملة، فى وطن هى مجرد مكون من بين مكونات عدة فيه.

 

ويقينى أن القمة قادرة على أن تأخذ إجراء فى الشأن اليمنى، وفى غير الشأن اليمنى، مما هو معروض عليها، بشرط أن يدرك الحاضرون فيها، من الرؤساء، والملوك، والأمراء، أن الخطر الماثل حولنا ليس على اليمن وحده، ولا على الرئيس منصور بمفرده، وإنما هو على كل واحد فيهم، وإن شئت الدقة قلت إنه خطر ماثل على كل واحد فينا!

 

ولابد أن العرب ليسوا ضعافاً، إلى هذا الحد، ولابد أيضاً أن أعداءهم، ليسوا أقوياء إلى هذه الدرجة، وسوف تكون هذه العبارة صحيحة، وفى مكانها، إذا آمن المجتمعون فى قمة الغد بأنهم يستطيعون أن «يفعلوا» شيئاً، بل أشياء، وأن الإرادة إذا توفرت لهم، مجتمعين، فى هذا الاتجاه فلا مشكلة بعدها.

 

هم يستطيعون وزيادة، لأن عاصمة واحدة من بين العواصم العربية الـ22، قد ضربت المثل على ذلك خلال أيام مضت.. وكانت هذه العاصمة هى الرياض.

 

تسألنى كيف، فأطلب منك أن تراجع معركتها مع وزيرة خارجية السويد، التى تطاولت على المملكة السعودية دون وجه حق، فكان أن سحبت المملكة سفيرها، وكان أن وجهت دول الخليج الست احتجاجاً واحداً، باسمها جميعاً، إلى السلطات فى السويد، وكان أن سحبت الإمارات سفيرها من استوكهولم، وكان أن منعت السعودية منح تأشيرات رجال الأعمال لأصحاب الأعمال السويديين، وكان أن راجعت المملكة أيضاً ملف تعاونها العسكرى مع السويد، وكان.. وكان.. إلى آخر الإجراءات العديدة المماثلة، إلى الدرجة التى فكرت معها السويد فى واحد من أمرين: إما أن تستقيل وزيرة خارجيتها من منصبها، أو تعتذر للمملكة العربية السعودية!

 

نستطيع، إذن، وهذا هو الدليل الذى أظن أنه يحمل فى باطنه «رسالة» ذات معنى إلى القادة المجتمعين فى شرم، وليس مطلوباً منهم، معاً لا فرادى، إلا أن يقرأوها كرسالة، وإلا أن يتصرفوا وفقاً لمقتضياتها!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: جددوا سيارة نبيل العربى.. ولا تستبدلوها!

 

بعد غد سوف يلتقى رؤساء 22 دولة عربية فى شرم الشيخ، وسوف يكون عليهم أن يخرجوا من اجتماعهم بشىء يستجيب لطموح المواطن فى كل عاصمة عربية، وإذا لم يحدث هذا، فسوف يتساءل هذا المواطن نفسه: لماذا اجتمعوا إذن؟!

 

ولست أريد أن أصف هذه القمة بأنها مهمة، أو أنها فاصلة، أو أنها تاريخية... إلى آخر الأوصاف التى تصاحب انعقاد القمم المماثلة فى العادة، فكل قمة هى مهمة، وهى فاصلة، وهى تاريخية، إذا ما نظرنا إليها ضمن الإطار الزمنى المنعقدة فيه، فإذا كانت قمة بعد غد تنعقد وسط ما تراه أنت حولك، فإن لك أن تعطيها ما تحب من صفات، غير أن انعقادها إذا كان مهماً فإن الأهم منه هو ما سوف تخرج به علينا فى ختام اكتمالها.

 

ورغم أنى أكره كلمة «تفعيل» ولا أحب استخدامها أبداً، إلا أنى مضطر هنا لاستخدامها، ربما للمرة الأولى، لا لشىء إلا لأن الدكتور نبيل العربى، أمين عام الجامعة العربية، كان قد استخدمها فى تصريحات له، عقب لقاء له مع الرئيس السيسى، قبل نحو أسبوعين من الآن.

 

يومها قال الدكتور نبيل إنه أرسل إلى وزراء الخارجية العرب، يطلب «تفعيل» اتفاقية الدفاع العربى المشترك.

 

وأظن أن من حقنا عليه، اليوم، أن يذكر لنا شيئاً عن الوزراء الذين تفاعلوا مع دعوته ووافقوا، ثم عن أولئك الذين تهربوا من الموضوع، ورفضوا، لعلنا نعرف أين بالضبط نقف، كمواطنين عرب، وأين بالضبط، كذلك، يقف وزراء خارجيتنا.

 

هذه واحدة.. والثانية أن حادث متحف «باردو» فى تونس إذا كان قد وقع يوم الأربعاء قبل الماضى، أى قبل انعقاد القمة بعشرة أيام فقط، فإن من بين مزايا وقوعه فى هذا التوقيت، إذا جاز أن يكون للإرهاب أى ميزة من أصله، أنه لابد أن ينبه القائمين على قمة شرم أن ملف الإرهاب لا يجوز أن يخرج من بين أيدى القادة المجتمعين، إلا وقد أخذوا فيه إجراء يقول إن الطريقة التى نتعامل بها معه، كإرهاب، بعد القمة، سوف تختلف عما كان قبلها!

 

إن تونس كانت، ولاتزال، تعتبر الدولة العربية الوحيدة ربما، التى اجتازت اختبار ما نسميه «الربيع العربى»، وقد جرت فيها انتخابات رئاسية، وبرلمانية، واستقرت على دستور بتوافق الجميع هناك، ومع ذلك ضربها الإرهاب على النحو الذى تابعناه، بما يعنى أن هذا الإرهاب لا يستثنى دولة من بين الـ22، وبما يعنى أنه لا علاقة له بما أنجزت هذه الدولة، أو تلك، فى اختبار الديمقراطية على أرضها، وبما يعنى أن المعركة معه هى معركة الكل، لا معركة دولة وحدها، ثم بما يعنى أن اقتراح الرئيس بتشكيل قوة عربية مشتركة لابد أن يكون على رأس أولويات جدول أعمال الرؤساء المجتمعين، وأن يخرجوا وقد أخذوا فى هذا الاقتراح خطوة عملية على الأرض.

 

وسوف تكون ميزة خطوة عملية كهذه أن المتربصين بهذه الأمة سوف يدركون، وقتها، أنهم أمام أمة تتكلم لغة واحدة، فى مواجهة تربصهم بها، وأن الدول الـ22 تمثل رقماً واحداً ومتماسكاً، لا عدة أرقام متفرقة.

 

وعلى مستوى الجامعة، فإننى أتفهم تماماً أصوات الغضب التى تنتقد أداء الأمين العام، غير أنى أراه وقد انطبق عليه ما قيل عن رجل فى ظروف أخرى حين صح منه العزم، ولكن الدهر أبى!

 

وسوف يتواءم الدهر مع عزم الدكتور نبيل، عندما ينظر الرؤساء المجتمعون فى مشروع قرار تعديل ميثاق الجامعة، وهو مشروع أشار إليه الأمين العام، فى كلمته أمام اجتماع مجلس الجامعة، على مستواها الوزارى، يوم 9 من هذا الشهر، وقال لوزراء الخارجية، يومها، إن هذا المشروع، مع مشروعين آخرين غيره، سوف يتم رفعها إلى الرؤساء فى اجتماعهم، لتكون لهم فيها كلمة.

 

فإذا لم تكن لهم فى المشروعات الثلاثة، أو على الأقل فى مشروع تعديل الميثاق، كلمة واضحة وقاطعة، فسوف نكون أشبه بمن يعطى الدكتور نبيل سيارة موديل 1945، حين نشأت الجامعة، ثم نطلب منه أن يسابق سيارة موديل 2015، بل ويسبقها!.. جددوا سيارة نبيل العربى، ولا تستبدلوها!

القسم: 

دبّرنا يا دكتور مغازى!

ليس فى وثيقة المبادئ التى جرى توقيعها فى الخرطوم، أمس، حرف واحد يضمن لنا حقوقنا التاريخية فى مياه النيل!

الوثيقة منشورة بمبادئها العشرة، فى جميع الصحف، وإذا كان فيها ما يضمن هذه الحقوق، فأرجو ممن يرى ذلك أن يدلنى عليه.. أرجوه شاكراً!

بل إن فيها ما يكاد يكون العكس، لأنها فى المبدأ الثالث، مثلاً، تتكلم عن أن الدول الثلاث التى وقعت على الوثيقة فى العاصمة السودانية، وهى مصر، والسودان، وإثيوبيا، سوف «تتخذ جميع الإجراءات المناسبة لتجنب التسبب فى ضرر ذى شأن خلال استخدامها للنيل الأزرق».. أى النيل الذى يقام عليه سد النهضة!

والسؤال الذى يظل بلا إجابة هنا، إنما هو على النحو التالى: ما هو تعريف «الضرر ذى الشأن» المذكور فى هذا المبدأ؟!.. ومتى يكون الضرر ذا شأن، ومتى لا يكون ذا شأن؟!

إن تحديد معانى الألفاظ فى مثل هذه الوثائق الدولية ضرورى للغاية، ولا غنى عنه أبداً، لأنك وقت الجد سوف تجد أكثر من تفسير، وأكثر من معنى، وأكثر من قصد للضرر ذى الشأن.. ولذلك، فالسؤال التالى هو: بأى المعانى سوف تأخذ، عندئذ؟!

ثم إن هناك ما هو أهم وأخطر، لأن المبدأ الرابع يتحدث عن أنه إذا وقع ضرر ذو شأن لإحدى الدول الثلاث، فسوف تسعى جميعها لتخفيف أو منع هذا الضرر، فإذا لم تستطع تخفيفه، أو منعه، فإن تعويض المتضرر سوف يكون هو الحل البديل!

هنا نسأل: إذا افترضنا أن الحصة التاريخية لنا فى مياه النيل، وهى 55 مليار متر مكعب، قد نقصت بتأثير من إنشاء سد النهضة، وإذا افترضنا أن هذا النقص قد جرى اعتباره ضرراً ذا شأن، فما هو يا ترى التعويض المناسب لنا فى مثل هذه الحالة؟!.. إذا كان القصد هو التعويض المالى.. فأموال الدنيا كلها لا يمكن أن تعوضنا عن قطرة من ماء النهر.

ثم سؤال ثالث: هل التوقيع من جانبنا على الوثيقة معناه الاعتراف بشرعية إقامة سد النهضة؟! وإذا كان الأمر كذلك، وهو ما يبدو فعلاً من خلال المبادئ العشرة على بعضها، فهل معنى هذا الاعتراف هو عودة التمويل الدولى، من جانب عدة دول للسد، بعد أن كانت قد توقفت بفعل تحركاتنا الدبلوماسية، طوال الفترة الماضية؟!.. وإذا كان التمويل للسد سوف يعود، بتأثير من توقيعنا نحن، فما العائد الذى حصلنا عليه فى المقابل؟!

سؤال رابع: عندما ينتهى المكتب الاستشارى الدولى من تقريره حول السد، هل سيكون تقريراً ملزماً للطرف الإثيوبى، أم أنه سوف يتم «احترامه» - على حد تعبير الصيغة المطاطية الواردة فى المبدأ الخامس؟!.. وإذا لم يكن سوف يكون ملزماً، عند صدوره، فما بالضبط قيمته؟!

سؤال خامس: يتحدث المبدأ الخامس أيضاً، فى الوثيقة الموقعة من رؤساء الدول الثلاث، عن «إخطار دولتى المصب، أى مصر والسودان، بأى ظروف غير منظورة، أو طارئة، تستدعى إعادة الضبط لعملية تشغيل السد».. السؤال هو: ما قيمة الإخطار هنا، إذا كان مجرد إخطار، أى أنه للعلم فقط؟!

هذه تساؤلات خمسة أساسية، ومفصلية، وضاغطة جداً، ولا يملك كل مدرك بيننا لقيمة كل قطرة فى ماء النيل إلا أن يطرحها، وبقوة، لأنها سوف تظل تؤرقه حتماً، ما لم يقع لها على جواب قاطع، وأظن أنه على الدكتور حسام مغازى، وزير الرى، أن يجيب عنها، بشفافية كاملة، وبصراحة تامة، فهو مع فريق مفاوضاته، قد أشرف على إعداد وصياغة الوثيقة، قبل توقيعها، وهو قطعاً يملك الجواب.

القسم: 

سليمان جودة يكتب: وإلا.. فلا توقيع للرئيس!

ما هذا الكلام المخيف، وغير المفهوم الذى قاله الدكتور حسام مغازى فى صحف أمس عن زيارة الرئيس إلى إثيوبيا اليوم؟!

الوزير يقول إن التوقيع على وثيقة مبادئ سد النهضة، فى أديس أبابا، خلال زيارة الرئيس، سوف يتوقف على مواقف الدول الثلاث، مصر، والسودان، وإثيوبيا، وسوف يكون متروكاً للرؤساء الثلاثة!

والسؤال هنا، بمنتهى الوضوح، هو كالآتى: ما الذى بالضبط جاء فى هذه الوثيقة، وماذا فيها، على وجه التحديد، يمكن أن يمنع الرئيس من التوقيع أو يدعوه إليه؟!

وبمعنى آخر، فإن مضمون الوثيقة لابد أنه مر على الوزير ومجموعته التفاوضية، كلمة كلمة، بل حرفاً حرفاً، قبل أن يستقر بين يدى الرئيس، ولذلك، فالمتصور أن يكون الرئيس فى طائرته إلى هناك، بينما صيغة الوثيقة نهائية أمامه، ولا مجال للتعديل فيها، بالحذف أو بالإضافة.

وبالتالى، فقد كنا نأمل من الوزير مغازى أن يصارحنا بما إذا كان محتوى الوثيقة، حتى لحظة بدء الزيارة، يدعونا للتوقيع عليها أم لا يدعونا، لأننا لا نتخيل أبداً أن يصل الرئيس إلى العاصمة الإثيوبية، ومن قبلها العاصمة السودانية، ثم يبدأ هناك، لا هنا، فى هندسة الوثيقة كما يجب أن تكون.. لا نتخيل لأن مثل هذه الزيارات تظل بروتوكولية فى الأساس، وما يجرى التوقيع عليه خلالها، على المستوى الرئاسى، لابد.. لابد.. أن يكون موضع اتفاق كامل، قبلها، وأن تكون صياغته قد استقرت فى مكانها تماماً!

ونحن، هنا، لا نريد فى هذه الوثيقة، ولا يهمنا فيها، سوى سطر واحد يتكلم بوضوح لا غموض فيه، وبصراحة مطلقة، عن أن الجانب الإثيوبى يضمن، كتابة، ألا يؤدى تشغيل سد النهضة، مستقبلاً، إلى منع وصول متر مكعب واحد من 55 مليار متر مكعب من المياه تصل إلينا سنوياً من النيل.

هذا ما نريده، ولا نريد غيره، وهو حق مكتسب وتاريخى بالنسبة لنا، تحميه اتفاقيات دولية جرى توقيعها فى أعوام 1902، و1929، و1959، على أساس أن نهر النيل نهر دولى يجرى فى تسع دول، وليس نهراً إثيوبياً، ولا سودانياً، ولا مصرياً.. هو نهر دولى تنتفع بمياهه الدول التى يجرى فيها جميعها، من جنوبه لشماله، دون استثناء، وبالتوافق بينها.

وسؤالنا هو: هل هذه الجملة موجودة فى الوثيقة بهذا الوضوح؟!.. إذا كانت موجودة فكل ما عداها تفاصيل لا تهمنا، وإذا لم تكن موجودة فإننا ندعو الرئيس إلى ألا يضع توقيعه على الوثيقة، حتى ولو كانت سوف تضمن لنا جريان أنهار الجنة كلها على أرضنا.. فما يخصنا الآن، والآن تحديداً، هو نهر النيل لا أنهار الجنة!

ولابد أن كلام الوزير عن الموضوع كلام مراوغ، ومخادع، ويحمل أكثر من معنى، وهو ما لا يجوز مطلقاً، فى موضوع هذه هى حساسيته، وهذه هى خطورته فى حاضرنا، ثم هذا هو تأثيره على مستقبل كل واحد فينا.

لا يهمنى أن يقول الوزير إن الوثيقة، عند التوقيع عليها، سوف تنص على مراعاة «مصالح دول المصب».. فالعبارة بين الأقواس مطاطة، وغير محددة المعنى، ولا يهمنى كذلك أن يقول إن الوثيقة سوف تكون ملزمة للدول الثلاث، بعد انتهاء المكتب الاستشارى الدولى من تقريره حول سد النهضة، خلال «الشهور المقبلة».. لأن الشهور المقبلة هذه تمتد لأكثر من عام، وليس مجرد شهور كما يعلم الوزير!

توقيع الرئيس يجب ألا يتم إلا إذا كان على ورقة تضمن بصراحة، لا مجال للفصال حولها، أن يتواصل جريان النهر، بحصتنا الثابتة، غداً، وإلى الأبد.. وإلا فلا توقيع!

القسم: 

فى الميريلاند والمريوطية المأساة واحدة!

منظر أشجار حديقة الميريلاند، وهى ملقاة على الأرض، تنزف دماً، يكشف عن أنه لا مسؤول فى هذا البلد يؤمن بحق كل إنسان يعيش على أرضه فى الحياة!

وما أقصده بـ«الحياة» هنا هو ما نراه جميعاً عندما نسافر، وعندما نرى بأعيننا، خارج الوطن، أن من حق كل مواطن أن يجد متعة فى العيش فوق أرض بلده، لا أن يواجه عذاباً فوقها فى كل ساعة!

كنت أنوى أن أكتب عن مأساة العمال الذين سقطوا فى قاع ترعة المريوطية، وكنت أقارن، بينى وبين نفسى، بأيهما أبدأ، بالأشجار الذبيحة، أم بالعمال المغدورين فى قاع الترعة؟!.. ولم أجد فرقاً بين الحالتين، ففى كل حالة منهما كانت الاستهانة بحق الإنسان المصرى فى الحياة حاضرة بقوة، وكان الإنسان فيهما، معاً، لا يساوى وزنه تراباً.

وسوف أروى لكم هذه الحكاية: كنت ذات يوم فى روما، وفى حديقة الأكاديمية المصرية هناك، لاحظت أن فرعاً فى شجرة كبيرة قد مال حتى لامس الأرض، وسألت الدكتور مصطفى عبدالمعطى، مدير الأكاديمية وقتها، عما يمنعه من إزالة الفرع المائل؟

وما سمعته من الدكتور مصطفى أنه يستحيل عليه أن يزيل ورقة من أى شجرة فى حديقة الأكاديمية، إلا إذا رجع إلى بلدية روما، وهو إذا رجع إليها فسوف لا يزيل الفرع المائل أو غيره، من تلقاء نفسه، وإنما سوف يأتى موظف من البلدية يحدد أولاً ما إذا كان الفرع المائل فى حاجة إلى إزالة حقاً أم لا، فإذا قرر إزالته، فإنه هو، أى الموظف، الذى يتولى ويشرف على إزالته وبمعايير محددة سلفاً، حتى لا تضر عملية الإزالة بحق الإنسان فى أن يتمتع بالشجرة، وخضرتها، ومنظرها، وكل المعانى التى تبعث بها أى شجرة فى وجدان أى إنسان عنده ضمير!

بحثت عن شىء من هذا كله.. مجرد شىء منه.. فى حديقة الميريلاند، فلم أجد بكل أسف، وإنما وجدت ما يستهين بعقل كل مصرى، فضلاً عن الاستهانة بحياته نفسها!

تصور، مثلاً، أن من بين الكلام الذى قيل، تبريراً لذبح أشجار الحديقة، أن الذى قطعها كان ينوى نقلها إلى مكان آخر فى الحديقة نفسها!!.. وهو كلام عبثى ومضحك كما ترى، لأن هذه هى المرة الأولى التى سوف نسمع فيها عن أن الشجرة الكبيرة النادرة، ذات الفروع المتشابكة، يمكن قطعها ونقلها إلى مكان آخر تنمو فيه!

وما يبعث الأسى فى نفسك حقاً أن «المصرى اليوم» وحدها، تقريباً، هى التى اهتمت بالموضوع، وهى التى راحت تتابعه، أما سائر الصحف ووسائل الإعلام فقد غابت تماماً، وهو الأمر الذى يبين لك أن مسافة كبيرة لاتزال بيننا وبين رسوخ الوعى فى أعماقنا بقيمة الشجرة، كمعنى، فى حياة الإنسان!

تبحث وسط الكلام المنشور عن المسؤول عن ذبح أشجار الحديقة، فلا تكاد تصل إلى شىء، بل وتكتشف أن المحافظ د. جلال سعيد قد أوقف الذبح «مؤقتاً».. وكأن الذبح يمكن أن يعود من جديد بعد تهدئة الرأى العام، وقد كان الاعتداء على مجرد فرع فى شجرة هناك، لا على شجرة، فضلاً عن ذبح أشجار بكاملها، كفيلاً بأن تقوم الدنيا فى أى بلد يحترم مواطنيه، وأن يُحال الفاعل إلى تحقيق فورى، وأن يتلقى عقابه علناً، وأن يكون عبرة لغيره، وأن يكون العقاب من النوع الذى يروع الذين لا يفكرون إلا فى الصعود بالإبراج على حساب الأشجار!

إننى أتوقف عند اهتمام الدكتور خالد فهمى، وزير البيئة، بالموضوع، وأدعوه راجياً أن يواصل اهتمامه إلى نهايته، وأن يكشف لنا عن اسم الشخص المجرم الذى كانت الأشجار النادرة تخرج لحسابه مقطوعة على سيارة، وأن يكون الردع فى انتظار كل المجرمين الذين لم تهتز فى رؤوسهم شعرة، وهم يطيحون بأشجار نادرة، أو حتى غير نادرة، ومن أجل ماذا؟!.. من أجل إقامة جراج!!

لو كان لأشجار الميريلاند ثمن فى نظر معدومى الضمير، لكان لعمال المريوطية ثمن فى المقابل.. فالمأساة واحدة فى الحالتين!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: عندما حزنتُ مرتين!

 

حزنت للغاية حين قرأت فى صدر الصحف الصادرة، صباح أمس، أن مصر نجحت فى الاختبار الذى كان عليها أن تواجهه فى اجتماعات المجلس الدولى لحقوق الإنسان، وأن نجاحها كان بأن استجابت لـ243 توصية من أصل 300 توصية، كان المجلس قد أبداها على وضع حقوق الإنسان عندنا، فى اجتماعه السابق، فى نوفمبر الماضى!

 

حزنت.. ليس طبعاً لأن مصر نجحت فى الاختبار، فنجاح بلدنا، على أى مستوى، لابد أن يُسعد أى مواطن فيه بالضرورة!

 

كان مبعث حزنى أنى عندما طالعت التوصيات إياها اكتشفت أنها كلها تتعلق مرة بقانون التظاهر، ومرة ثانية بمدى الحريات المتاحة أمام أهل الرأى للتعبير عن آرائهم، ومرة ثالثة بأوضاع السجون، والإصلاحات التى جرت أو يجب أن تجرى فيها، وهكذا.. وهكذا.. إلى آخر مثل هذه «الحقوق» التقليدية التى ينعقد من أجلها المجلس الدولى إياه، ثم تنتهى اجتماعاته، ونقاتل نحن فى سبيل إثبات أن حقوق الإنسان، بهذا المعنى المشار إليه، متحققة عندنا، وزيادة.

 

كنت أتمنى لو أن السفير عمرو رمضان، رئيس الوفد المصرى فى اجتماعات المجلس الدولى لحقوق الإنسان التى انعقدت فى جنيف، قد قال لهم كلاماً مختلفاً عما قاله، وكنت أتمنى لو أنه صارح المحتجين هناك على أوضاع حقوق الإنسان لدينا، بأنهم قوم منافقون، وجبناء، وبلا ضمير!

 

أما لماذا تمنيت هذا، ومازلت أتمناه؟ فلأن حقوق الإنسان فى مصر، هذه الأيام، ليست هى أبداً التى تكلموا عنها، فيما يخص السجون، والحريات، والتظاهر.. ومثل هذه الأشياء، مع أهميتها بالطبع، غير أنها ليست بالمرة الحقوق الأساسية التى يجب أن تتوفر لـ«الإنسان» فى مصر، ولاتزال غائبة عنه إلى اليوم!

 

حزنت لأنى تمنيت لو أن السفير رمضان قد واجه الجميع فى الاجتماع بأن قال لهم إنهم عندما يتكلمون عن حقوق الإنسان، بهذا المعنى، فإنهم يتكلمون عنها فى أضيق معانيها، ويتكلمون، فى الوقت نفسه، عما يخص بالكثير بضع مئات من الألوف فى بلدنا.. أما حقوق عشرات الملايين فى تعليم حقيقى، وفى علاج آدمى، وفى هواء نقى، وفى ماء شرب صحى، وفى حياة آدمية بالإجمال، فإنها ليست على بال أحد!

 

كل ما كان يهم المجتمعين هناك أن الناشط السياسى الفلانى قد ذهب إلى الحبس لأنه تظاهر دون الحصول على ترخيص.. أما أن يموت الأطفال كل يوم.. نعم كل يوم.. فى المدارس المتهالكة، فهذا بالطبع لا علاقة له بحقوق الإنسان!.. وأما أن يسقط باب مدرسة فوق رأس تلميذ فيقضى على حياته، فهذا أبعد ما يكون عن حقوق الإنسان!.. وأما أن تسقط شجرة فى فناء مدرسة على جسد طفل فتذهب به إلى الآخرة، فهى مسألة ليس لحقوق الإنسان بها أى صلة!!.. وأما أن يجرب أى مواطن أن يتلقى علاجه فى أى مستشفى حكومى فيكون فيه حتفه، فهذه مسألة سوف ينظر فيها المجلس «الدولى» لحقوق الإنسان، فيما بعد، عندما يكون لها مكان على أجندة اجتماعاته، واهتماماته، وأولوياته!.. وأما.. وأما.. إلى آخر ما نعرفه، ونحفظه، وتنقطع أصواتنا، فى كل صباح، من أجل التنبيه إلى أن هذه هى حقوق «الإنسان» الحقيقية، لا الشكلية، التى يجاهدون من أجلها هناك، فى جنيف!

 

الغريب أنهم إذا ما تكلموا عن حقوق الإنسان، فى خارج عالمنا العربى بشكل عام، وفى خارج مصر بشكل خاص، فإنهم يتكلمون عن هذه الحقوق الأساسية ذاتها، ولا يتطرقون إلى حقوق التظاهر، أو الحريات، أو السجون عندهم، إلا نادراً، وإلا على سبيل أنها تخص الفئة الأقل، لا الأكثر فى المجتمع!

 

حزنت، ومازلت، لأنى تصورت مندوبنا فى الاجتماع يواجه المجتمعين بنفاقهم، وجبنهم، وانعدام ضميرهم، ولأن حكاية الحريات والتظاهر، مثلاً، إذا كانت تهم آلافاً، أو عشرات الألوف بيننا، فإن إلى جوارهم ملايين محرومين من أى حق أساسى، ومع ذلك فإن أحداً لا يتكلم عنهم، ولا يطوفون له على بال!

 

حزنت لأن سفيرنا عمرو رمضان كان عليه أن يقول لهم عكس ما قال، وأن يكشف للعالم حجم النفاق، والجبن، وانعدام الضمير، فى مجلس «دولى» لحقوق الإنسان!.. حزنت مرة لهذا كله، ثم حزنت مرة ثانية لأن هذا إذا غاب عنهم فلا يجوز بأى حال أن يغيب عنا!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: كلاشينكوف فى برلمان الكويت!

 

أذكر أن سياسياً شهيراً نبهنى، في أيام وجود الإخوان في الحكم، إلى أن الصحف اليومية لا تكاد تخلو في كل صباح من واقعة جديدة لتهريب السلاح إلى داخل البلاد.

 

وكان الشىء الذي لفت نظر السياسى الشهير، وهو يحدثنى، أن القصة كلها تنتهى بمجرد الإعلان عن ضبط السلاح المهرب، وأنه لا أحد يذكر شيئاً ساعتها أو بعدها، عن أسماء الذين يقومون بالتهريب، ولا عن الجهة التي يدخلون بالسلاح إلينا لصالحها!

 

وقتها، أحسست أن الموضوع يشغل الرجل جداً، وأنه مهتم، بل مهموم به، وكأنه كان يقرأ مبكراً ما سوف يكون لاحقاً، من سقوط الإخوان، ثم اكتشاف كل هذا الحجم من السلاح، الذي أتى إلى البلاد، في أيامهم، بل بمباركة وضوء أخضر منهم!

 

طافت الحكاية في ذهنى، وأنا أتابع هذه الأيام، ما يجرى في الكويت حول موضوع مماثل.

 

فالحكومة الكويتية قررت منح مهلة، تبدأ من أول مارس الحالى، لأربعة أشهر قادمة، يقوم خلالها كل مواطن يمتلك سلاحاً غير مرخص بتسليمه في أي مركز من 28 مركزاً، حددتها الحكومة على مستوى الدولة.

 

وفى مقابل المبادرة بتسليم السلاح غير المرخص، تعهدت الداخلية الكويتية لصاحبه، مسبقاً، بأنها لن تسأله عن مصدره، ولن تحاسبه على حيازته دون ترخيص.

 

الفكرة كان لها مردود قوى، وكان أطرف ما فيها أن نائباً برلمانياً شهيراً هناك، قد فاجأ المصورين والصحفيين في مقر مجلس الأمة بأن ذهب إلى البرلمان وفى يده بندقية كلاشينكوف، كان يمتلكها دون ترخيص، وقرر أن يسلمها استجابة للحملة المعلنة من جانب الدولة، وتشجيعاً لمواطنين آخرين على أن يمشوا وراءه ويسلموا ما عندهم من سلاح!

 

حصيلة الحملة في أسبوعها الأول، بلغت طناً من الذخيرة، والعديد من قطع السلاح، مختلفة الأسماء والأشكال، والمسدسات، ولاتزال تتواصل بهدف إخلاء البلاد من السلاح غير المرخص خلال الأشهر الأربعة، لأن أي حائز له، بعد انتهاء المهلة، سوف يخضع لحكم القانون.

 

أستدعى خبر الحملة الآن، لأننا أحوج الناس إلى حملة مشابهة، ولأن الرئيس السيسى كان قد دعا أبناء مرسى مطروح، في وقت من الأوقات، إلى تسليم السلاح غير المرخص، وكانت حملة ناجحة في نطاقها، غير أننا في حاجة لإطلاقها على مستوى الجمهورية كلها، وليس في إطار مطروح وحدها!

 

ضبط الحدود التي كانت سائبة، في أيام الإخوان، مسألة ضرورية لتحقيق الأمن بمفهومه العام، ومن الواضح أن الدولة تبذل جهداً خاصاً في هذا الاتجاه، ولكن وقف التدفق عند الحدود لا يكفى، ولابد من جمع السلاح الذي تسلل من قبل، ولن يكون ذلك ممكناً بحملات المداهمات وحدها، ولابد من مبادرة شبيهة بالمبادرة الكويتية، يتم خلالها تنظيف البلاد من سلاح كثير دخلها في وقت الفوضى التي أعقبت 25 يناير 2011، ثم في العام التعيس الذي قفز فيه الإخوان إلى الحكم!

 

وإذا كان من بين الأسلحة التي سلمها مواطنون كويتيون قاذفة مضادة للدبابات، فإن لنا أن نتصور شكل، ثم حجم السلاح الذي يمكن أن تكشف عن وجوده مبادرة مثيلة عندنا، على أن يخضع بعدها مباشرة، حائز أي سلاح غير مرخص، لعقاب القانون، ودون رحمة أو فصال!

 

لتكن هذه الحملة اليوم لا غداً.. ولتكن بداية لتمشيط إرادى للبلاد، سوف يقوم به المواطنون تطوعاً حين يفهمون أنه لا عقاب على ما كان منهم من قبل!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: ما يخصنا فى حادث تونس

 

علينا أن نتأمل جيداً معنى ما جرى فى تونس، أمس الأول، لأن فيه جزءاً يخصنا نحن هنا، كما سوف نرى حالاً!

 

ذلك أنها ليست المرة الأولى التى تتعرض فيها تونس لضربات الإرهاب، ولكنها المرة الأولى التى يسقط فيها هذا العدد الضخم فى حادث واحد!

 

وإذا كان الحادث قد أدى إلى سقوط 22 قتيلاً، وإصابة 50 آخرين، فإن المعنى الأقوى فيه ليس أنه جرى فى يوم احتفال الإخوة التوانسة بعيدهم الوطنى، رغم أن هذا بطبعه ملمح مهم للغاية.

 

ففى الوقت الذى ذهب فيه كثيرون، مساء اليوم نفسه، إلى السفارة التونسية بالقاهرة، لتهنئة السفير محمود الخميرى بيوم العيد الوطنى، كان عليهم، فى الوقت ذاته، أن يواسوه فى قتلاه ومصابيه!

 

وليس المعنى الأقوى أن الحادث قد وقع فى قلب العاصمة، ولا أنه قد تم من خلال الهجوم على متحف!

 

ولا المعنى الأقوى، فى الحادث، أنه جرى بالقرب من البرلمان الذى كان أعضاؤه يناقشون مشروع قانون لمواجهة الإرهاب فى اللحظة ذاتها!

 

ولا حتى المعنى الأقوى أن المستهدفين فيه كانوا فى أغلبهم من السياح، فمن بين 22 قتيلاً، سقط 17 سائحاً مرة واحدة، مع الانتباه هنا إلى أن السياحة مورد أساسى لاقتصاد البلد هناك، وأن الذين خططوا لحادث بهذا الحجم قد أرادوا، بالتالى، ضرب تونس فى اقتصادها بالأساس!

 

هذا كله لابد أن نتوقف عنده، وأن نتدبر معانيه، لأننا، بما نواجهه فى شوارعنا كل يوم، من ضربات إرهابية خائبة، ويائسة، نظل مع كل مواطن تونسى فى الهم سواء، ونظل جنوداً فى معركة واحدة!

 

غير أن ما قصدته، منذ البداية، حين قلت إن فى الأمر جانباً يخصنا نحن هنا، هو أن نلتفت إلى أن ما جرى قد جرى، بينما حركة «النهضة» الإسلامية هى الثانية من حيث عدد أعضائها المنتخبين فى البرلمان التونسى، وهى أيضاً مشاركة فى الحكومة التونسية الحالية بوزير وثلاثة وزراء دولة!

 

فما المعنى؟!.. المعنى أننا نسمع، طول الوقت، ممن يتعاطفون مع الإخوان عندنا، ومن أمثالهم، أن العنف الذى لانزال نشهده إنما يرجع إلى أنهم، كإخوان، غير موجودين فى الحياة السياسية، وإلى أنهم ليسوا جزءاً من المشهد السياسى، وإلى أنهم قد تم إقصاؤهم، وإلى.. وإلى.. إلى آخر هذه الحجج التى يقول حادث تونس إنها باطلة، وفارغة، ولا تستند إلى أى أساس!

 

هى فارغة، وباطلة، ولا تستند إلى أى أساس، لأنه إذا كان العنف عندنا يعود إلى إقصاء الإخوان، فما هو بالضبط سببه فى تونس، إذن، إذا كان الإخوان هناك، الذين يتمثلون فى حركة النهضة، موجودين فى الحكومة، وفى البرلمان، وفى الحياة كلها دون أى إقصاء ودون أى مشاكل معهم؟!

 

ما السبب، إذن، سوى أن الإرهاب يستهدف ضرب الدولة نفسها عندنا، وعندهم، وأنه لا علاقة له بكون الإخوان أو الإسلاميين موجودين فى الصورة، أو غير موجودين؟!

 

إذا كان هناك درس من الحادث المأساوى التونسى فهو أن على الذين يرددون حديث المصالحة، باعتبارها سوف تؤدى إلى اختفاء الإرهاب، أن يضعوا حجراً فى أفواههم، وأن يسكتوا تماماً، وأن يتواروا عن الأنظار، لأن المصالحة المزعومة، والمريبة معاً، قائمة فى تونس على أفضل ما تكون، ومع ذلك سقط كل هؤلاء القتلى والمصابين!

 

حديث المصالحة فى ضوء هذا كله له أهداف أخرى أسوأ مما نتخيل، وهى لا تخفى على كل ذى عينين!

القسم: 

حدث فى زحام شرم!

فى غمرة الانشغال بمؤتمر شرم، جرت انتخابات النقابة العامة للصيادلة، وتم إعلان نتائجها، ولكن أحداً لم يتوقف بالقدر الكافى أمام دلالة مهمة جداً فيها!

لم تكن هذه الدلالة أن القائمة التى دعمها الإخوان فى الانتخابات قد سقطت بكاملها، فهذه ليست المرة الأولى التى يسقط فيها الإخوان بهذا الشكل، كما أنها ليست المرة الأولى التى يخرجون فيها من الانتخابات بصفر كبير.. حدث هذا من قبل، على مدى عامين مضيا، وتكرر مراراً، ولم يعد جديداً، بل صار متوقعاً وطبيعياً!

وربما يبدد مثل هذا السقوط مخاوف الذين يتكلمون، من وقت لآخر، عن خشيتهم من أن يفوز أى من أعضاء الجماعة الإخوانية فى انتخابات البرلمان المقبلة.. فالواضح من انتخابات الصيادلة، وغير الصيادلة، أنه لا رصيد يتبقى لـ«الجماعة» عند الناخبين، على أى مستوى انتخابى، وأن أى عضو فيها يدخل انتخابات قادمة سوف يكون مصيره هو ذاته مصير زملائه فى نقابة الصيادلة، بشرط أن يمتلك قدراً من الشجاعة يستطيع به أن يعلن عن نفسه، وعلناً، أمام ناخبيه، وألا يتخفى وراء أى لافتة.. إننا لا نريد منه سوى أن يقول على الملأ فى تجمعه الانتخابى، أياً كان مستواه، إنه مرشح إخوانى، وإنه يطلب ثقة الناخب.. وما بعد ذلك سوف يتكفل به الناخب وحده!

وإذا لم يملك المرشح الإخوانى، فى أى استحقاق انتخابى مقبل، مثل هذه الشجاعة، وإذا قرر أن يتخفى وراء أى ستار، فهنا بالضبط يأتى دور الإعلام ليشير للناخبين إلى أن المرشح الفلانى، إنما صفته كذا.. لا أكثر ولا أقل.. أما الباقى فسوف يتكفل به أيضاً الناخب، والناخب وحده!

أعود لأقول إن الدلالة الأغرب فى انتخابات الصيادلة أن القائمة التى سقطت بكاملها كانت مدعومة، كما جاء فى أكثر من صحيفة، ليس من الإخوان فقط، وإنما من حزب النور السلفى معهم!

وقد انتظرت أن ينفى «النور» مثل هذه العلاقة بينه وبين الإخوان، فلم يحدث، بما يؤكد أن ما تم نشره صحيح، وأنهما قد دعما قائمة واحدة اسمها «التجمع الصيدلى»، وهو ما يجعلنا نتساءل عن مدى صدق الكلام الذى يقوله لنا «النور» كل يوم عن أنه شىء والإخوان شىء آخر، وعن أنه لا علاقة بينهما أبداً، وعن أنه يرفض تماماً مسلك الجماعة الإخوانية الممارس للعنف، والمحرض عليه، منذ 30 يونيو 2013، إلى اليوم.. فالدعم المشترك للقائمة إياها يقول العكس!

السؤال هو: هل عاقب الناخب، فى نقابة الصيادلة، مرشحى «النور» فأسقطهم كلهم، عقاباً لهم على أنهم وضعوا أيديهم فى أيدى مرشحى الإخوان، ودعموا قائمة انتخابية واحدة، فى الوقت الذى لا يتوقفون فيه عن الكلام، فى حزب النور، عن أنهم فى طريق والإخوان فى طريق؟!

منتهى أملى أن ينتبه الإخوة فى «النور» إلى أن الإخوان كانوا يخرجون على الناس، كل يوم، بما قال الله تعالى، وقال رسوله الكريم، ثم كانوا، فى الوقت نفسه، ولايزالون، يكذبون أكثر مما يتنفسون، مما بدد أى مصداقية لهم عند الناس كاملاً!

السلفيون فى «النور» وخارجه يمارسون الشىء ذاته فيما يبدو، منذ 30 يونيو، فيقولون كلاماً ويفعلون عكسه على طول الخط، وإذا أرادوا أمثلة فعندى منها الكثير، وإذا لم يكن سقوط قائمتهم فى انتخابات الصيادلة درساً كافياً لهم، فلن يكون لهم درس فى أى شىء بعدها.

القسم: