سليمان جودة

الاستثمار اليتيم!

قرأت خلال أيام مؤتمر شرم أن الدكتور عادل عدوى، وزير الصحة، قد وقع اتفاقاً مع شركة جنرال إلكتريك، لإنشاء نظام مؤسسى داخل وزارته، وأن منظمة الصحة العالمية سوف تكون شريكاً فى الموضوع.

وقد ظللت طوال أيام المؤتمر الثلاثة أبحث عن استثمار مماثل، سواء على مستوى الوزارة نفسها، أو على مستوى وزارات التعليم الأربع عندنا، فلم أعثر على شىء، ولذلك يبقى هذا الاتفاق بين «الصحة» والشركة العالمية فريداً من نوعه حقاً، ويبقى أن يقدم لنا الدكتور عادل معلومات أكثر عنه، وعن قيمته، وعن حجمه، وعما إذا كان هناك استثمار مشابه له أم لا؟

وإذا كان هناك معنى لمثل هذا الاتفاق، الذى وضع الوزير توقيعه عليه، فهذا المعنى هو أن الاستثمار فى مجال الصحة كان وارداً، ولذلك أيضاً فالسؤال هو: لماذا لم يكن استثماراً موسعاً؟ ولماذا لم يكن له نصيب كبير يناسبه بين الأرقام الهائلة التى خرجنا بها من هذا المؤتمر الناجح؟!

كنت أنتظر أن يكون هناك استثمار أوسع فى ميدان الصحة بشكل خاص، ثم فى اتجاه التعليم بشكل أخص، وكنت أنتظر أن تكون أرض مطار إمبابة- مثلاً- بمساحتها التى تزيد على مائتى فدان، من بين المشروعات المطروحة أمام المستثمرين الذين حضروا، بما يؤدى إلى تحويلها لمجمع مدارس متكامل، وبما ينقذ القاهرة من زحامها، ويعطى الطلاب فيها فرصة التواجد فى مجمع تعليمى صحى خارج صخب العاصمة.

لا اعتراض لأحد على أن يكون من بين المشروعات التى أقرها المؤتمر، مشروع عقارى ضخم فى مدينة الشيخ زايد، يتخلله برج سوف يكون هو الأعلى فى البلد، غير أن السؤال هو: هل نحن فى حاجة إلى برج من هذا النوع، بينما برج العاصمة الذى يأخذ شكل زهرة اللوتس هو الأشهر، وهو الأجمل، وهو الذى كان وقت إنشائه الثانى ارتفاعاً على مستوى العالم؟!

ومع ذلك، فليكن عندنا برج آخر، وبرجان، وثلاثة، بشرط أن نراعى فى المستقبل ما نحتاجه من وجوه الاستثمار فعلاً، وما لا نحتاجه، أو ما يمثل استثماراً أساسياً بالنسبة لنا، ثم ما يمثل نوعاً من الترف بالنسبة لبلد فى ظروفنا.

إن الاستثمار فى الصحة مربح، إذا ما كان الأمر متعلقاً ببحث المستثمر عن الكسب، وإلا ما كانت «جنرال إلكتريك» قد وقعت اتفاقها مع الوزير عدوى، ثم إن الاستثمار فى التعليم أكثر من مربح، إذا ما كان الأمر متعلقاً كذلك ببحث صاحب المال عن تحقيق مكاسب من وراء استثماره.

والسؤال هنا على النحو الآتى: هل يستثمر صاحب المال الأجنبى، على أرضنا، ما يريده هو أم ما نحتاجه نحن؟!.. إذا تركنا المسألة لما يريده هو فسوف نفاجأ بناطحات سحاب، وأبراج، وعقارات ضخمة، و... و... إلى آخره، وإذا ما تعلق الموضوع بما نحتاجه فسوف يكون التوجه مختلفاً تماماً، بحيث تكون الأولوية لمشروعات الإنتاج لا الاستهلاك، وللاستثمار فى البشر قبل الحجر، وللإنفاق فى مجالى الصحة والتعليم قبل غيرهما.. وهكذا.. وهكذا!

مؤتمر شرم باب عظيم ينفتح لنا، ونريد أن ندخله حسب ما نحتاج فى حياتنا، ولمستقبلنا، لا حسب ما يريده المستثمر ويرغب فيه، خصوصاً إذا كان ربحه هو مضموناً فى الحالتين، ولا تأثير عليه إذا ما استثمر أمواله فيما يمثل لنا قيمة مضافة، وفيما يطور من قدرات البشر لا الحجر.

الاستثمار اليتيم الذى سيتم بين «الصحة» والشركة إياها يجب ألا يبقى يتيماً، وأن تنشأ إلى جواره استثمارات عديدة من نوعه، وأن يكون التعليم، ومعه الصحة، أولوية لدى الدولة وهى توجه الاستثمارات، وتنظمها، وتوزعها، وتطرحها.

الاستثمار فى الإنسان أولاً.. وعاشراً!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: عبارة تحتها مائة خط!

 

فيليب هاموند، وزير خارجية بريطانيا، كان واحداً من وزراء كثيرين، حضروا مؤتمر شرم، وكان واحداً من بين المسؤولين الأجانب، الذين استقبلهم الرئيس خلال أيام المؤتمر، ولا أعرف ما إذا كان واحداً من بين الذين تكلموا فى شرم، أم لا؟!

 

غير أن ما أعرفه أنه تكلم عنا، قبل أن يبدأ المؤتمر أصلاً، وأنه فعل ذلك، من خلال مقال منشور له فى صحيفة «الشرق الأوسط» التى تصدر فى لندن، فى كل صباح، وهو مقال اختص به الوزير الصحيفة اللندنية، كما أشارت هى إليه فى صدر صفحتها الأولى، صباح الجمعة الماضى، أول أيام المؤتمر!

 

ورغم أهمية ما جاء فى المقال، إلا أنى توقفت طويلاً أمام عبارة واحدة فيه، تلخص بطبيعتها التحدى الأكبر، الذى سوف يكون علينا أن نواجهه، بعد انتهاء أعمال المؤتمر.

 

العبارة تقول: وإن كانت التجربة الاقتصادية فى مصر، فى منتصف العقد الأول من القرن الحالى، قد علمتنا شيئاً، فذلك هو أن النجاح الاقتصادى الحقيقى، يعنى توفير الفرص والوظائف لجميع المصريين.

 

والواضح أنه يشير، بشكل مباشر، إلى تجربة حكومة الدكتور أحمد نظيف، التى قيل أيامها، وبعدها، إن معدل النمو قد وصل على يديها إلى حدود الـ7٪، وإن المشكلة كانت فى عدم قدرتها على توصيل هذا المعدل المرتفع إلى آحاد الناس وبسطائهم، فى شتى أرجاء البلد!

 

والمؤكد أن فيليب هاموند قد ناقش مثل هذا المعنى مع الرئيس، حين التقاه، ثم إن المؤكد أيضاً أن معنى مهماً لهذا كان مجالاً لنقاشاته، طوال الأيام الثلاثة التى استغرقها مؤتمر شرم.

 

وإذا كان هو قد أراد أن يقول لنا شيئاً، بمقالته المنشورة، فهذا الشىء هو أن نأخذ الحكمة من فم أحمد نظيف، ليس بأن نكرر خطأ حكومته طبعاً، وإنما بأن نتجنبه، وأن نفتش، ونحن نحول كلام أيام المؤتمر الثلاثة إلى أفعال، عن كل ما كان يؤخذ على حكومة نظيف اقتصادياً، ثم نذهب إلى العكس منه، على طول الخط!

 

وإذا كان لعبارة الوزير البريطانى من معنى، فهذا المعنى هو أن نجاح مؤتمر شرم، ليس فى أيامه الثلاثة التى انقضت، وفقط، ولا حتى فى تحويل العقود، ومذكرات التفاهم التى جرى توقيعها خلاله، إلى فعل حى على الأرض، وفقط أيضاً، وإنما فى شىء ثالث مختلف تماماً، هو بالضبط ما أشار إليه الوزير البريطانى!

 

هذا الشىء مرة ثانية، بل ثالثة وعاشرة، هو توفير الفرص والوظائف، لـ«كل» المصريين، وليس لـ«بعض» المصريين، فهذا ما أخطأت فيه حكومة نظيف، بإقرار من خبراء الاقتصاد، وهذا ما لانزال ندفع ثمنه إلى اليوم، وهذا ما يجب أن نكون على حذر منه، وهذا ما لا يجوز أن نقع فيه من جديد، وإلا، فما قيمة التجربة فى حياة الإنسان، وبالإجمال، ما قيمتها فى حياة الشعوب؟!

 

حين قرأت العبارة إياها، فى مقالة الوزير هاموند، تمنيت لو أنها قد جاءت على لسان مسؤول مصرى، وهو ما لم يحدث، وأدهشنى أن يكون هذا المعنى المهم فى العبارة واصلاً إلى لندن، وغائباً عنا، فى القاهرة، فرأيت من واجبى، أن أشير إليه، بل وأضعه فى برواز، وتحته مائة خط، لعلنا ننتبه إلى أن النجاح الاقتصادى الحقيقى له شروط.

القسم: 

سليمان جودة يكتب: ثمار محمد العريان

 

أرجو، ونحن نتابع أخبار جلسات الختام، فى مؤتمر شرم، ألا يغيب عن بالنا، ما حدث فى مرحلة ما بعد 25 يناير 2011 مباشرة!

 

وقتها، شاع كلام كثير، على ألسنة مسؤولين كبار، عن أن أموالاً مهربة بالمليارات خارج مصر، سوف تعود إليها، وأنها حين تعود سوف تؤدى إلى رواج غير مسبوق بين المواطنين، ومن بين ما قيل مثلاً، ولعلنا نذكره جيداً، أن الرئيس الأسبق يملك وحده 70 مليار دولار فى بنك واحد خارج البلاد، فما بالك، إذن، بحجم ما يملكه سائر المسؤولين الذين كانوا معه قبل الثورة!

 

اليوم، مرت أربع سنوات، ولم يرجع جنيه واحد.. جنيه واحد لم يرجع من بين أرقام بالمليارات كانت تروح وتجىء على صفحات الجرائد، وكان مواطنون كثيرون يُمنون أنفسهم، فى تلك الأيام، بالأموال العائدة، وكان كل واحد منهم يحسب نصيبه منها بالورقة والقلم، لدرجة أن بعضهم ترك عمله، وجلس فى بيته، لأن نصيبه القادم، من أموال الخارج، سوف يغنيه عن أى عمل!.. لقد كانت هناك حالات كهذه بالفعل!

 

وحين نطوى السنوات الأربع، ثم نتوقف أمام الأرقام التى خرجت من مؤتمر شرم، عن الاستثمارات المقبلة، فسوف نلاحظ أنها بالمليارات أيضاً، بل بعشرات المليارات من الدولارات، وقد وصلت حتى صباح أمس، إلى 138 مليار دولار.

 

إننى أدرك تماما أن هناك فرقاً بالطبع، بين المليارات المذكورة أيام 25 يناير، وبين مليارات مؤتمر شرم، وأن هذه الأخيرة حقيقة وليست خيالاً، وأنها تعبر عن حجم من العقود، والتفاهمات، والمذكرات، التى جرى توقيعها مع أصحاب المال والأعمال، فعلاً، لا قولاً.

 

غير أننا، فى الوقت نفسه، لابد أن نلتفت إلى أن كل هذه الأرقام الخيالية، سوف تُسيل لعاب عشرات الملايين من المواطنين، الذين سوف يتساءلون بالضرورة، عن الموعد الذى سيجدون فيه جزءاً منها، واقعاً عملياً فى حياتهم، وسوف يكون سؤالهم مشروعاً، بل سوف يكون على مسؤولينا أن يقدموا لهم الجواب المقنع.

 

كنت من ناحيتى، أبحث عن إجابة لهذا السؤال، طوال أيام المؤتمر، وقد وجدتها فى كلام منسوب إلى الدكتور محمد العريان، فى الصفحة الأولى من «الأخبار» أمس، وفيه يقول إن قطف ثمار هذه الأرقام، سوف يكون فى أول العام المالى القادم، أى فى أول يوليو، أى بعد ثلاثة أشهر!

 

والدكتور العريان، كما نعرف، اقتصادى عتيد، كما أنه عضو المجلس الاستشارى لرئيس الجمهورية، وهو عندما يتكلم فى شأن اقتصادى، فإنه يتحدث فى ملعبه، وفى مسألة يفهمها جيداً، ولذلك، أتمنى ألا يكون تفاؤله، وهو يحدد موعد قطف الثمار فى حياة آحاد الناس، قد تجاوز السقف المعقول، لأنه عقلاً، لا يمكن أن نتصور ثماراً لمؤتمر شرم، ولا لغير مؤتمر شرم، فى ثلاثة أشهر.. لا يمكن!.. وإلا، فإن عليه أن يشرح لنا أكثر.

 

إننى أتمنى طبعاً، أن تأتى الثمار غداً، لا بعد ثلاثة أشهر، غير أن الله تعالى قد خلق فى رؤوسنا عقولاً تزن الأمور، لتميز بين المعقول منها وغير المعقول.

 

وأتخيل الآن مصريين كثيرين، يسألون الدكتور العريان، فى أول يوليو: أين الثمار التى وعدتنا بها؟!

 

وهذا بالضبط ما قصدته، حين كتبت على مدى أيام متتالية ماضية، عن أن المؤتمر انعقد ونجح، وأن بدايته فى أول أيامه، كانت تدل على نجاحه، غير أن نجاحه الأهم، إنما هو فيما بعد أيام انعقاده، وليس فى أيامه الثلاثة وحدها، لأن الأيام الثلاثة فى شرم أشبه ما تكون بوضع أساس لبيت، لابد أن يقوم بعدها ويرتفع فى الهواء، فوق أساسه، ليراه الناس!

 

أنا نفسى سوف أسأل الدكتور العريان، فى أول يوليو بإذن الله، عن الثمار التى وعدنا بها، وسوف يكون إلى جوارى ملايين سيسألون الحكومة عن الثمار ذاتها، ولذلك، فعليها أن تستعد وتعمل لأجلها، من الآن.. الآن لا غداً!

القسم: 

ليست زلة لسان!

لا أعرف من أين جاءت الصحف، الصادرة صباح أمس، بهذا الكلام الكثير، الذى حاولت، خلافاً للحقيقة، أن تسقيه لقرائها، عن أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت حاضرة فى مؤتمر شرم، بقوة، وعن أن وزير خارجيتها، جون كيرى، قد جاء بنفسه، ليعلن ذلك من خلال المؤتمر، وعن أن بلاده تدعم مسيرة الاقتصاد والاستثمار عندنا بكل عزم؟!

من أين جاءت الصحف بهذا الكلام؟!.. وبمعنى أدق، من أين جاءت بهذه المعانى؟!.. ولماذا تحاول خداع قرائها، بتقديم شىء لهم ليس موجوداً على الأرض؟!

صحيح أن كيرى حضر، وصحيح أنه قد جلس فى الصف الأول، وصحيح أنه كان يصفق من آن لآخر، فى أثناء خطاب الرئيس.. وصحيح.. وصحيح.. إلى آخره.. غير أن هذا كله، لمن يتأمله جيداً، مجرد شكل بلا أى مضمون، ومجرد ظاهر لا ينطوى على أى محتوى حقيقى!

هل لاحظتم، مثلاً، أنه حضر اجتماعاً مع الرئيسين السيسى، وعباس، والملك عبدالله الثانى، وأن اجتماعاً كهذا كان يبحث فى قضية فلسطين، ولا يتعرض لموضوع مؤتمرنا من قريب، ولا من بعيد؟!

هل لاحظتم أن حضوره هو حضور سياسى بالدرجة الأولى، وأن وجوده هو وجود من النوع ذاته، وأن سبب الحضور، ومعه الوجود، لا علاقة له بأن واشنطن تريد للمؤتمر النجاح، وإنما لأنها- أولاً- تلقت دعوة، ولأنها- ثانياً- لا يمكن أن تفوت فرصة كهذه، دون أن تكون حاضرة فيها؟!.. هل لاحظتم أن حلفاءها الكبار فى المنطقة لم يحضروا المؤتمر أصلاً؟!

وحتى اجتماعه مع الرئيسين المصرى والفلسطينى، والملك الأردنى، كان كأى اجتماع من آلاف الاجتماعات الأمريكية التى انعقدت فى هذا الاتجاه على مدى عشرات السنين، بلا أى نتيجة، بدليل أن القضية لاتزال فى مكانها، بل إنها تتأخر عن مكانها الذى كانت قد بدأت منه، كل يوم، وبدليل أن ما يتفاوض عليه الفلسطينيون، اليوم، يتفاوضون على أقل منه غداً!

رحت أفتش من جانبى عن شىء يؤيد ما حاولت صحف الأمس أن تروجه لقرائها، فلم أجد شيئاً.. أى شىء.. باستثناء شىء يتيم عن أن شركة جنرال موتورز سوف ترفع استثماراتها فى بلدنا 200 مليون دولار، وهو رقم، كما ترى، أقل من نصف الرقم الذى أعلنت سلطنة عمان أنها سوف تستثمره فى مصر!! ثم إن جنرال موتورز تقول إنها سوف ترفع استثماراتها.. سوف!

لذلك كله، ولغيره، كان جون كيرى صادقاً مع نفسه، حين زل لسانه، فى أثناء حديثه على مائدة الإفطار، فقال إننا جميعاً، يقصد الحاضرين فى المؤتمر، نعمل من أجل مستقبل إسرائيل!!.. وقد استدرك بسرعة، وسط ضحكات الموجودين، ليأسف على زلة لسانه، ويقول إنه يقصد مستقبل مصر!!

والحاصل أنها حقيقة، وليست زلة لسان أبداً، لأن ما قال به هو بالضبط ما يشغله، وهو بالضبط المستقر فى داخله، وهو بالضبط كذلك ما يملأ عقله، وهو متسق مع نفسه تماماً، حين يقوله ولا شىء فيما نطق به لسانه، رغماً عنه، كان يستدعى الاستدراك أو الاعتذار!

هو صادق مع نفسه، وليس لنا أن نلومه، ولا أن نؤاخذه، لأن هذا هو موقف بلاده المعلن، وليس مطلوباً منا سوى أن نفهم أن قناعاته، وقناعات بلاده هى تحديداً التى نطق بها لسانه، وهى تحديداً أيضاً التى علينا أن نفهمها، وأن نعمل لأجل أنفسنا، بناء عليها، وألا نواصل خداع الذات، فلقد خدعناها بما يكفى ويزيد!

ليست زلة لسان، لأن كل ما قبلها ينطق بها.

القسم: 

نصيب المواطن فى شرم

أتخيل أن أى مواطن فى الوادى أو فى الدلتا، سوف يتابع هذا الحشد الأسطورى من رجال المال، والأعمال، فى شرم الشيخ، وسوف يسأل نفسه بشكل عفوى: أين نصيبى فى هذا كله؟!

وما يقصده المواطن السائل، بسؤاله، هو مردود المؤتمر وأعماله، فى حياته، ولابد أنه سؤال مشروع، ولابد أيضاً أن من حق المواطن أن يسأله، وأن يحصل له على جواب.

وما أقصده أنا، أن المؤتمر إذا كان قد بدأ مساء أمس، فسوف يختتم أعماله غداً، حسب جدوله المعلن، ليبدأ بعدها مباشرة العمل الحقيقى على ما تم خلاله، ابتداءً من صباح بعد غد!

وليس من المتصور طبعاً، أن يكون له مردوده السريع هكذا، فى حياة كل مواطن يتابع أعماله، ويطرح سؤاله المشروع، عن نصيبه فى المؤتمر، وعن الموعد الذى سوف تجرى فيه ترجمة عملية لأعمال المؤتمر، فى حياة هذا المواطن، وفى حياة كل المواطنين، خصوصاً الذين يتشوقون، منذ سنين، إلى أن تكون حياتهم أفضل مما نشأوا عليه!.. ليس متصوراً أن يصل المردود بهذه السرعة.

وهنا، بالضبط، يقع التحدى الأكبر أمام الحكومة، ثم أمام كل مسؤول، لأن الأيام سرعان ما سوف تمر، ولأن عاماً على المؤتمر يمكن أن ينطوى فى غمضة عين، ليتساءل الملايين من بؤساء هذا الوطن، وقتها، عما عاد به مؤتمر شرم، عليهم، وعما رأوه مترجماً عنه، فى بيوتهم، وفى أعمالهم.

لقد قرأت فى أكثر من مكان، للوزير محمد شاكر، مثلاً، أن وزارته سوف تطرح على المؤتمر 15 مشروعاً، باستثمارات تصل إلى 40 مليار دولار، وهى أرقام، كما ترى، يمكن أن تخض أى مواطن، وبعد أن تخضه، فإنه سوف يعيش على أمل أن يراها متحققة على الأرض، وسوف ينتظر أن يكون التيار الكهربائى فى بيته، منتظماً، إن لم يكن فى هذا الصيف، الذى وعد الوزير بأنه سوف يكون أحسن من الصيف الماضى، ففى الصيف المقبل على الأكثر.

لقد كان المؤتمر فى بدايته، عندما دعا إليه الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يرحمه الله، مؤتمر مانحين، ثم تحول بعدها، إلى مؤتمر اقتصادى يريد استثماراً على أرضنا، من شتى أرجاء الأرض، لا منحة مالية من هذه الدولة، ولا من تلك، وقد كان هذا هو الأصوب فى الغالب، وكان الرئيس حريصاً منذ وقت مبكر، على أن يؤكد فى كل مناسبة، على أن مصر سوف تطرح خلال مؤتمرها، مشروعات جاهزة للاستثمار، وأنها لن تطلب مالاً من هذا، ولا من ذاك.

وما نعرفه أن ألف باء الاستثمار، فى أى مجال، أو بمعنى أدق فى المجالات التى نحتاجها، ونريدها، إنما هو فرص عمل تتاح للباحثين عن فرصة، فى طابور ممتد وطويل جداً، وهؤلاء سوف يمنى كل واحد منهم، نفسه، ابتداءً من صباح بعد غد، بفرصة عمل قادمة إليه فى الطريق، وسوف يظل يترقبها، وينتظرها، ويسأل عنها فى إلحاح!

كل ما يعنى المواطن المتابع لأعمال المؤتمر، من بيته فى الوادى، أو فى الدلتا، أن يخرج ابنه منها، بفرصة عمل، وأن تكون الخدمات العامة التى تقدمها الدولة له، خصوصاً فى مستشفياتها ومدارسها، آدمية، وألا يذهب ابنه للعلاج فى مستشفى حكومى، فيموت، أو يذهب للتعليم فى مدرسته، فيموت أيضاً بكل أسف، وهو ما نتابعه بحزن وأسى، فى عدد من مدارسنا، بامتداد أسابيع، وربما أشهر متصلة مضت!

كل ما يهم هذا المواطن، من المؤتمر، هو نصيبه، ومتى يأتيه، وماعدا ذلك تفاصيل لا تعنيه

القسم: 

داعش فى بيتك!

ما حدث فى معرض الرياض الدولى للكتاب، مساء الأحد الماضى، يشير لكل واحد فينا، إلى أن ما كنت أنا قد كتبته فى هذا المكان، قبل أسبوعين من الآن، تحت عنوان «داعش فى كل مدرسة» كان أقل من الحقيقة القائمة حولنا على الأرض!

كنت أقول يومها، فيما كتبته، إن القضاء على تنظيم «داعش» الإرهابى يبدأ من هنا، وتحديداً من مدارسنا وجامعاتنا، لأن طلابنا فيها يدرسون أفكاراً لا تختلف فى تخلفها عن أفكار أعضاء ذلك التنظيم الإرهابى، وكنت أقول إن الأمر فى حاجة إلى مراجعة شاملة، تتوقف عند كل ورقة مقررة على الطلاب فى المدارس والجامعات، لاستبعاد الأفكار الداعشية منها، واستبقاء ما هو صالح لعصرنا، وفقط.. وإلا.. فإنك عاماً بعد عام، سوف تجد نفسك أمام طلاب وتلاميذ، إن لم يكونوا أعضاء فى التنظيم الإرهابى إياه، فإنهم سوف يكونون مؤمنين بأفكاره المدمرة!

وما حدث فى معرض الرياض الدولى أن الدكتور معجب الزهرانى راح يتحدث فى ندوة كان عنوانها: الشباب والفنون.. دعوة للتعايش.

وعنوان الندوة، كما ترى، لا غبار عليه، كما أن مضمونها، الذى يمكن أن نخمنه من عنوانها، يظل مطلوباً لنا فى كل وقت، من حيث الدعوة إلى التعايش معاً، دون أن يسارع هذا إلى تخوين ذاك، ودون أن يبادر ذاك إلى ممارسة العنف فى حق هذا.. فهكذا ينصحنا ديننا السمح، وهكذا يجب أن يكون الوطن، فيصبح متسعاً للجميع.

وفى ندوته، كان من الطبيعى أن يتوقف الدكتور الزهرانى، أمام إقدام أعضاء فى داعش على تدمير عدد من التماثيل فى العراق، وهى تماثيل تمثل بطبيعتها تراثاً للإنسانية كلها، لا للعراق وحده، ويمثل كل تمثال فيها قطعة بديعة من الفن الراقى والباقى!

وما كاد الدكتور الزهرانى يصف عملية تدمير الفن الإنسانى، فى العراق، بأنها جريمة فى حق كل إنسان سليم الضمير والذوق، حتى امتلأت القاعة بالصخب، وقام بعض الحاضرين ممن جاءوا ليسمعوا من الرجل عن التعايش، أو هكذا نفترض، واحتجوا بشدة، ورفضوا كلامه تماماً، وأضافوا بأن إبراهيم عليه السلام كان فى زمانه قد حطم الأصنام، وأن محمداً عليه الصلاة والسلام كان قد فعل الشىء نفسه فى مكة المكرمة!

وعبثاً حاول الدكتور الزهرانى أن يلفت انتباههم إلى أن هناك فارقاً أساسياً فى الموضوع، وأن تماثيل إبراهيم ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، كانت معبودة كآلهة من جانب بعض الناس هناك، فى حين أن تماثيل العراق لا يعبدها أحد، ولا يفكر أحد فى أن يعبدها فى أى يوم، وأنها مجرد فن رفيع، يرتقى الإنسان فى ذوقه كلما توقف أمامه، أو تأمله، وأنها، وأنها، ولكن دون جدوى، فلقد اتضح للرجل أنه يتكلم فى أجساد بلا عقول!

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما تجاوزه إلى إنهاء الندوة ذاتها، بل ووصل إلى درجة أن أحد المعترضين صعد مع آخرين فوق المنصة التى يجلس عليها الدكتور الزهرانى، ثم راح يرفع الأذان، داعياً الحاضرين إلى الصلاة!

داعش، إذن، من حيث أفكارها، ليست فى مدارسنا وجامعاتنا، وفقط، ولكنها فى بيوت كثيرة من بيوتنا كمصريين، وكعرب أيضاً، ولابد أن مقاومة التنظيم حيث هو الآن، فى غرب العراق، وفى شرق سوريا، بل وحتى فى بعض مناطق أخرى، مسألة سهلة، فتنظيم كهذا مآله إلى الزوال المؤكد، إن لم يكن اليوم، فغداً، لأنه ضد العصر الذى ظهر فيه، وضد طبائع الأشياء نفسها من حوله.. أما أفكاره التى ظهرت علناً فى معرض الرياض، وأما أفكاره التى تضمها بعض الكتب فى مدارسنا وجامعاتنا فهى الأصعب، وتحتاج إلى جهد حقيقى نبذله لقتلها فى مكانها، وهو ما لم نفعله بعد، ولابد أن نفعله، وبسرعة، لأنه لا بديل أمامنا سواها!

القسم: 

سؤال السادات ليس بريئاً

السؤال الذى ألقاه عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكى على الرئيس السيسى، عما إذا كان يخاف أن يواجه مصير الرئيس السادات، أثار عندى الكثير من الخواطر والتساؤلات الحزينة!

أثار عندى ما سمعته مراراً من الناشر أحمد يحيى، يرحمه الله، عن أنه سوف يأتى يوم نعرف فيه معلومات محددة عن قاتل السادات الحقيقى، وعن أن خالد الإسلامبولى، إذا كان هو الذى ضغط على الزناد، يوم 6 أكتوبر 1981، فقتل بطل الحرب والسلام، فى يوم عيده، فإن آخرين وراءه، خارج الحدود، كانوا هم الذين وضعوا يده على الزناد، وهم الذين سهلوا حصوله على السلاح، وهم الذين سهلوا أيضاً دخوله إلى أرض المعارض، حيث كان السادات العظيم يتواجد، يومها، بين جنوده وضباطه، وقد كان يردد دائماً، وعن يقين فى أعماقه، أنهم أبناؤه، وكان يعنى ما يقول.

إننا نعرف من السيدة الفاضلة جيهان السادات أنها لما طلبت منه، فى صباح ذلك اليوم، أن يرتدى الصديرى الواقى من الرصاص، سألها هو فى استنكار عما يدعوه إلى ذلك، وهو جالس بين أبنائه؟!.. فمن، إذن، دس خالد الإسلامبولى بين الأبناء؟!.. ثم إن السؤال الأكبر يظل على النحو الآتى: ما علاقة الأمريكان بالإسلامبولى ورفاقه على وجه التحديد؟!

إن لنا أن نتخيل علاقة الأمريكان بالموضوع، فى ضوء ما يتكشف لنا، اليوم، وكل يوم، عن علاقتهم الدفينة بالإخوان، وبكل التيارات الإرهابية الخارجة من رحم الإخوان.. لنا أن نتخيل، ثم نضع هذا كله، إلى جوار سؤال أعضاء الكونجرس للرئيس، ونتأمل الموضوع على بعضه، بجدية كاملة، وبعقل مفتوح فى كل الاتجاهات.

كان أحمد يحيى قريباً من السادات، وكان هو الذى نشر، من خلال دار النشر التى يملكها، كتاب الرئيس الراحل الأشهر «البحث عن الذات».. وإذا كان السادات قد اختصه أيامها، دون جميع دور النشر المحلية والعالمية، بنشر كتابه، فإن لنا أن نتصور عمق الثقة التى كانت بينهما، ثم لنا أن نتصور، كذلك، حجم المعلومات التى كان «يحيى» يعرفها عن عملية التخلص من السادات.

وقد كنت فى كل مرة أسمع منه كلامه فى بيته، عن اليوم الذى سنعرف فيه قاتل السادات الحقيقى، أشعر بأنه يعرف أشياء، لا شيئاً واحداً عن الموضوع، وأنه لا يستطيع أن يبوح بما يعرفه، لأسباب كان هو يراها، وأنه يترك الأمر للأيام وحدها، فهى قادرة على أن تكشف كل شىء!

إن أعضاء الكونجرس، حين يأتون للقاء مع الرئيس، فإن أسئلتهم لا تكون عفوية، وإنما يجرى إعدادها مسبقاً، كما أن هناك فى بلدهم من يطلب منهم طرح أسئلة بعينها، للحصول على إجابات محددة، فما هو، يا ترى، القصد من طرح سؤال السادات أثناء الكلام؟! وما الجواب الذى كانوا يريدون الحصول عليه من رأس الدولة المصرية؟ وماذا يقصد الذين طلبوا منهم أن يطرحوا هذا السؤال، خلال اللقاء ثم السؤال الأهم مرة أخرى: هل يكشف السؤال عن علاقة من نوع ما بين الأمريكان وبين قتل السادات فى يوم 6 أكتوبر تحديداً؟!

سؤالهم لم يكن بريئاً بأى معيار، وسوف يأتى يوم نعرف فيه أن أحمد يحيى كان يعنى ما يقول تماماً، ثم سوف تأتى أيام نعرف فيها أن هؤلاء الأمريكان لا عهد لهم، ولا ذمة، ولا أمان!

وإذا كانت الأجهزة المكلفة بحماية حياة الرئيس تحرص على حياته مرة، منذ أصبح رئيساً، فإن عليها أن تحرص عليها 24 مرة، بعد السؤال الكريه إياه، ولابد أنها تعرف - مثلاً - أن الرئيس بوتين لا يأكل خارج بلده مطلقاً، وأنه إذا سافر إلى أى بلد، فإن أجهزته تصطحب طعامه معها، على سبيل اليقين من سد أى ثغرة، قد ينفذ منها أى شىء!.. ثم لابد أيضاً أن الأجهزة المعنية تعرف أن الموتور أردوجان يصطحب معه معملاً لتحليل أى شىء يتناوله خارج حدود تركيا!

إجابة الرئيس عن سؤالهم أشارت لهم إلى أنهم أمام رجل يحب الموت، كما يحبون هم الحياة، ولابد أن ذلك قد أحبطهم للغاية، ولابد كذلك أن الإحباط قد أصاب الذين طلبوا منهم هناك فى واشنطن أن يطرحوا السؤال!

القسم: 

صفعة أخيرة لإخوان الأردن!

قبل أيام، قامت ثورة على جماعة الإخوان فى الأردن، ولكنها من نوع مختلف عن الثورة التى قام بها المصريون على الجماعة الأم فى 30 يونيو 2013.

الثورة هناك، فى عمان، انطلقت من داخل الجماعة نفسها، وحين قامت عليها الثورة فإنها بدت وكأنها لم تستوعب الصدمة، وراحت، ولاتزال، تتصرف بعشوائية، وتتخبط مرة إلى اليمين، وأخرى إلى الشمال!

والقصة بدأت عندما قررت تلك الجماعة، الفرع، فصل 49 قيادياً فيها، لمجرد أنهم رأوا أنها إذا لم تجدد نفسها، وتتفاعل مع عصرها، وتغادر تخلفها الموروث عن الأم فى القاهرة، فسوف لا يختلف مصيرها عن مصير الديناصورات التى اختفت بفعل الزمن، ولم يعد لها أثر ولا وجود!

وقد كانت الجماعة الفرع، برئاسة مراقبها العام همام سعيد، الذى يوازى عندنا سيئ الذكر محمد بديع، تكابر فى مواجهة الأصوات التى ظلت تدعوها إلى أن تكون جماعة عصرية، لا جماعة حفرية، وكان مراقبها العام، ولايزال، يتمسك بأن يقف فى الخندق ذاته مع بديع، تخلفاً، وانغلاقاً، وتطرفاً، وسوء نية تجاه الأردن كله: شعباً، وملكاً، وحكومة!

ولم يكن أمام الرجال الـ49 إلا أن يتصرفوا، وقد تصرفوا بالفعل، وتقدموا بطلب إلى الحكومة بتأسيس جمعية للإخوان، وحصلوا على الموافقة، ونشأت الجمعية الجديدة، واجتمعت، وانتخبت عبدالمجيد ذنيبات مراقباً عاماً لها، وأصبحت هى التى تملأ الصورة، فى حين انخرطت الجماعة الفرع، بتخلفها المعهود، فى خناقات داخلية، وصار كل واحد فيها يلقى اللوم على الآخر!

الغريب أن الجماعة الفرع، برئاسة همام، قد استيقظت من غفلتها فجأة، وسمعنا أصواتاً من داخلها تدعو إلى انتخاب مراقب عام جديد، بخلاف همام، وانتخاب قيادات جديدة على مستواها كلها، لاحتواء الأزمة، قبل أن تجد نفسها فى طى النسيان!

وكان الأغرب أن همام سعيد غادر فى غمرة هذه الأحداث إلى تركيا، للتشاور فى التنظيم الدولى هناك، بما يشير لك إلى أنهم جميعاً، سواء عندنا فى القاهرة، أو فى عمان، أو فى أى عاصمة عربية أخرى، لا يملكون من أمرهم شيئاً، وأنهم مجموعة من العرائس المتحركة، التى تمتد إليها خيوط من خارج الحدود، تحركها فى أى اتجاه تشاء!

وقد كانت الإفاقة التى أدركت جماعة همام سعيد متأخرة للغاية، لأنها لم تغير من الأمر شيئاً، ولأن جمعية ذنيبات أعلنت على الناس جميعاً أنها منذ حصلت على ترخيصها، ومنذ إعلانها، ومنذ خروجها إلى النور، لم يعد لجماعة همام أى وجود!

وربما تشهد الأيام المقبلة تطوراً أكبر، يقضى على ما تبقى من جماعة «همام» تماماً، إذا ما قرر زملاؤه مغادرة جماعته، واللحاق بالجمعية الجديدة، وعندها سوف يكتشف همام أنه يقف وحده، وأن تنظيمه الدولى فى تركيا لم ينفعه فى شىء، وأنه كان لابد أن ينفصل عن إرهاب «بديع» منذ وقت مبكر!

وقد كانت جماعة همام تتصور أن ما حدث فى مصر، بمجىء الإخوان للحكم فى 2012، يمكن أن يتكرر فى الأردن، وكانت، بحماقة موروثة أيضاً، تتصرف على هذا الأساس، فلما سقط إخوان مصر سقوطهم المدوى كان للصفعة صدى هائل فى جماعة «همام»، فالتزمت، منذ تلك اللحظة، حالة من الكمون العجيب، وصارت تتحاشى كل مظاهر التحدى السافر للدولة الأردنية، التى كانت تمارسها استقواءً بالجماعة الأم، من قبل!

وعندما تشكلت جمعية ذنيبات فإن خطوة كهذه جاءت وكأنها صفعة ثانية على وجه الجماعة الفرع!

وإذا كان للصفعتين من معنى، فهو أن الزمن قد تجاوز الفرع فى عمان، بمثل ما تجاوز الأصل فى القاهرة، وأنهما، معاً، مدعوتان إلى الالتحاق بمتحف الحفريات فى العاصمتين!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: هذا الوزير!

لم أصدق أن لجنة تقسيم الدوائر الانتخابية سوف تنعقد برئاسة المستشار إبراهيم الهنيدى، وزير العدالة الانتقالية، وشؤون مجلس النواب، حتى صرح هو، أمس، بأن اللجنة قد انعقدت فعلاً، برئاسته، أمس الأول، للنظر فى ملاحظات الدستورية العليا، على الطريقة التى كان سيادته، مع أعضاء لجنته، قد أخذوا بها فى تقسيم الدوائر على مستوى الجمهورية!

كنت أتصور، مع كثيرين غيرى، ممن عبّروا عن رأيهم فى الموضوع طوال الأيام الماضية، أن يجرى استبعاد هذا الرجل على الفور، ليس فقط من رئاسة اللجنة، وإنما من الوزارة كلها!

لقد جرى التعديل الوزارى الأخير، فى يوم 5 مارس، وفى يوم 1 مارس، أى قبل التعديل بخمسة أيام كاملة، كانت «الدستورية» قد كشفت من خلال حكمها، عن أنه وزير لم يقدرخطورة المهمه الموكله إليه فى ظروفنا هذه، وبالتالى فقد كان المتوقع أن يخرج مع الذين خرجوا، وكانت عليهم ملاحظات فى عملهم، ولكنه، لسبب غير مفهوم أبداً، بقى فى مكانه يخرج لسانه للذين ساءهم أن تتأجل الانتخابات بسببه!

وإذا كان هناك سبب قوى، لا نعرفه، لاستبقائه فى الوزارة، فليس أقل من أن يرأس اللجنة شخص آخر غيره، لأنه ليس من المتخيل أن يستطيع الهنيدى إصلاح قانون، كان هو نفسه، الذى أفسده، وأخرجه بهذا الشكل المضحك!

رجل كان سبباً فى تأجيل الانتخابات برمتها، لا يجوز أن يبقى فى مكانه كوزير، ساعة واحدة، فلقد جربناه، ورأينا كيف أنه عجز عن أداء مهمته،بما أدى إلى أن نعود ونبدأ الطريق من أوله، ولا يجوز كذلك، أن يعود ويرأس اللجنة ذاتها، وإلا، فسوف نكون، والحال هكذا، مصممين على أن نفشل مرة أخرى، فى وقت لا نحتمل فيه، لا الفشل الأول، الذى أوقعنا هو فيه، ولا الثانى، الذى من الممكن أن يقودنا إليه من جديد!

ثم إن انعقاد اللجنة، بنفس تشكيلها، معناه أننا لم نأخذ الدرس بما يكفى، من حكم «الدستورية»، وأننا مصممون على أن نعطى القانون المعيب، للأشخاص ذاتهم الذين وضعوه بعيوبه فى صيغته الأولى!

لقد خرج الهنيدى، بعد الاجتماع الأول للجنة، ليقول بأنها سوف تتلقى الاقتراحات من الأحزاب والقوى السياسية، وسوف تطرح القانون للحوار المجتمعى بعد الانتهاء منه، وهو الكلام نفسه الذى كان قد قاله عند الصياغة الأولى للقانون!

وإذا كانت هناك كلمة واحدة، يمكن أن نصف بها هذا التصريح للوزير، فهذه الكلمة هى: العبث!

هى عبث، لأن هذا الرجل آخر من يتكلم عن القانون، وإذا لم يكن قد امتلك الشجاعة ليعتذر عن رئاسة اللجنة من تلقاء نفسه، فقد كان الأمل أن يكون هناك فى الدولة من يطلب منه أن يعتذر، وأن يجلس فى بيته.

ثم كان الأمل كذلك أن تدرك الدولة فى مستوياتها العليا، أن اللجنة ينقصها أعضاء يكون كل واحد منهم خبيراً فى العمل السياسى، ومحترفاً فى أصوله، وإلا فإننا نكرر الخطأ ذاته!

أبعدوا هذا الرجل حتى لا يورطكم، ويورطنا، مرة أخرى، وأعيدوا تشكيل اللجنة بما يخاطب ضرورات اللحظة.

القسم: 

زارع العبوات!

المؤكد أن اللواء مجدى عبدالغفار، وزير الداخلية الجديد، يلاحظ معنا أنه على كثرة العبوات الناسفة التى جرى، ويجرى زرعها فى أكثر من مكان على مستوى الجمهورية، لم يتم حتى الآن ضبط أى شخص ممن يزرعونها!

ففى كل مرة تنفجر عبوة جديدة يقال إنها عبوة زرعها «مجهولون».. وهؤلاء المجهولون، على كثرتهم، لم يتم ضبط أى منهم إلى هذه اللحظة، وقد كانت آخر العبوات هى تلك التى انفجرت صباح أمس، أمام كارفور، فى الإسكندرية، فقتلت مواطناً بريئاً لا ذنب له فى شىء!

ولابد أن ضبط أى مجهول من هؤلاء المجهولين سوف ينير لنا الطريق كثيراً، وسوف نعرف ساعتها فقط من بالضبط الذى يقف وراء هذا المجهول المجرم.. ومن على وجه التحديد ينظم ويمول هذه العملية على بعضها.. وسوف نعرف ساعتها فقط أيضاً ما إذا كانت عملية زرع العبوات، التى لا تريد أن تتوقف، لها علاقة مباشرة بالجماعة الإخوانية، أم أن لها علاقة بآخرين غيرها، خارج الحدود!

ضبط واحد فقط.. واحد فقط.. سوف يجعلنا نعرف أصدقاءنا من أعدائنا، وسوف نعرف منه الكثير عن الذين يضمرون الشر لهذا الوطن ولمواطنيه، ويلاحقونهم فى كل يوم بعبوات توصف فى أغلبها بأنها بدائية الصنع، أى أن الذى يصنعها موجود فى الغالب بيننا!

هذا الشخص الموجود بيننا لابد، حين نعرفه هو الآخر، من خلال ضبط المجهول الذى يضع العبوة فى مكانها لابد من تعليقه فى ميدان عام، ثم لابد من تركه معلقاً لأيام، ليذوق وبال ما يذيقه هو للناس، فى كل الأيام!

وإذا سألنى أحد عن الكيفية التى يمكن التوصل بها إلى ذلك المجهول، أو إلى الذى يقف وراءه، فسوف أقول إنها عملية صعبة طبعاً، ولكنها ليست مستحيلة، وإذا كانت تحتاج إلى شىء ييسرها فهذا الشىء هو أن يعيد الوزير عبدالغفار النظر فى الطريقة التى تتواجد بها الشرطة فى الشارع.

وأكاد أقول إن الحكاية هنا ليست مجرد إعادة نظر، لأن الملاحظ، منذ فترة، أن الشرطة ليست موجودة فى الشارع بما يكفى، وهى مسألة لم ألتفت إليها، حتى نبهنى لها صديق عربى كان فى زيارة للقاهرة، وقد مر فى شوارعها كثيراً، ثم عاد ليهمس فى أذنى بهذه الملاحظة الصحيحة كما نرى.

إن انتشار أفراد من الشرطة فى الشوارع، وفى الميادين، سوف يبعث أولاً الطمأنينة فى داخل كل مواطن، وسوف يجعل أى مجهول من إياهم يتردد قبل أن يضع قنبلة هنا أو هناك، لأنه سيكون على علم، مسبقاً، بأن ضبطه من جانب هؤلاء الأفراد المنتشرين أمر وارد جداً، بما يحقق لنا فائدة مزدوجة: تخويفه، من ناحية، وإمكانية ضبطه، من ناحية أخرى!

وما أقصده بالانتشار هنا ليس الكمائن التى نراها من مكان لآخر، ولا حتى رجال المرور.. إننى أقصد انتشاراً يضمن وجود رجال عاديين من الشرطة، لمراقبة حال الشارع باستمرار، والتدخل الفورى عند اللزوم، إذا ما استغاث أى مواطن فى مواجهة أى خطر.

وجود رجل الشرطة المؤهل، والمسلح، فى عمق الشارع، هو الخطوة الأولى للإيقاع بهؤلاء المجهولين الذين يعبثون بحياتنا دون رادع!

القسم: