سليمان جودة

إلى وزير الأمن!

لابد أن اللواء مجدى عبدالغفار، وزير الداخلية الجديد، قد توقف أمام ما كشفت عنه تحقيقات النيابة، فى حادث احتراق قاعة المؤتمرات فى مدينة نصر، بمثل ما توقف أمامه كل متابع لتحقيقات الحادث، وهو مصدوم!

فالتحقيقات قالت إنه قد تبين أن القاعة لم تكن مزودة بكاميرات مراقبة فى داخلها، ولا فى خارجها، وإنها كانت تخلو حتى من أى جهاز إنذار أتوماتيكى خاص بالحريق، وإن أجهزة الإنذار فيها كانت من النوع العادى، رغم أنها لم تكن قاعة عادية بالمرة!

اكتشاف كهذا، على يد النيابة، يشير للوزير الجديد، ثم لنا، إلى حجم التحديات أمامه، وكيف أنه لا أمن سوف يتحقق، بمعناه الحقيقى، ما لم تكن هذه الأدوات الأمنية الحديثة، المتمثلة فى الكاميرات تحديداً، محيطة بكل منشأة مهمة فى البلد، وموجودة فى داخلها، وفى أماكنها.

فهذه الأدوات وحدها هى التى مكنت سلطات الأمن فى أبوظبى- مثلاً- من إلقاء القبض على قاتلة المعلمة الأمريكية، بعد قتلها بساعات، رغم أن القاتلة كانت منتقبة، ورغم أن أى ملمح من وجهها لم يكن يبدو بوضوح، ومع ذلك أتوا بها، وبسرعة أدهشت الذين تابعوا القضية قبل نحو شهرين من الآن!

ثم إن هذه الكاميرات نفسها، وفى أحدث طبعة منها، هى أيضاً التى مكنت سلطات الأمن فى البحرين، قبل عامين، من القبض على أفراد عصابة كانت قد نهبت محلاً للمجوهرات هناك!

وكان أفراد العصابة، يومها، قد ارتدوا النقاب، ثم دفعوا أمامهم، وهم فى طريقهم لتنفيذ الجريمة، عربات أطفال على سبيل التمويه، إلا أن هذا كله لم ينفع معهم وسقطوا جميعاً بعد أن كانوا قد فروا خارج البلاد، بل إن أحدهم سقط فى ألبانيا!

وإذا كان الوزير عبدالغفار سوف يواجه صعوبة فى الإمكانات المادية التى تسعفه فى هذا الطريق، فأرجوه أن يطلب تجربة المملكة العربية السعودية، فى هذا الطريق، وسوف يجد فيها ما يفيده، ويفيد وزارته.

فالمملكة جاءت بشركة يملكها صاحب أعمال معروف، وطلبت منه أن يوفر أحدث الكاميرات لإشارات المرور، فى مقابل أن تحصل شركته على نسبة من قيمة المخالفات، ولفترة محددة جرى الاتفاق عليها، وهو ما تم فعلاً، وأصبح أى زائر للمملكة تدهشه تلك القدرة على تنظيم المرور، ويدهشه اختفاء فوضاه التى نعانيها عندنا، لا لشىء، إلا لأن أى سائق هناك يعرف مسبقاً أنه مراقب من كل الزوايا، وأن أى مخالفة منه سوف يتم تصويرها فى لحظتها، وأن تحصيل قيمتها سوف يتم بحزم دون وساطة، ودون أشياء من التى نعرفها لدينا، وأن.. وأن.. إلى آخر ما جعل المرور لديهم على الشكل الذى يراه كل زائرى السعودية!

الوزير عبدالغفار تقع عليه آمال عريضة، فالمواطن يريد أن يتحول الأمن فى حياته إلى إحساس عام وإلى شعور مترسخ فى داخله، قبل أن يكون أى شىء آخر، ولابد أن الحكاية ليست اختراعاً، لأن غيرنا حققها حولنا وبسهولة تدعو للإعجاب حقاًّ.

الأمن، كإحساس، خطوة أولى، وكل ما عداه يأتى بعده، ونراهن على الوزير عبدالغفار فى أن يحوله إلى هواء يتنفسه الناس!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: 8 فى مهمة خاصة!

 

فى التعديل الوزارى الأخير أشياء كثيرة لافتة، منها مثلاً أنه فاجأ الناس، لأنه لم يكن أحد يتوقع أن يجرى تعديل بهذا الحجم فى الحكومة، فى الوقت الحالى، وكانت كل المؤشرات تقول إنه سوف يتم بعد انتخابات مجلس النواب.

 

ومنها، كذلك، أن أسماء خرجت فيه، لم يكن أحد يتوقع خروجها، بما يعنى أن أداء الوزراء عموماً كان يخضع لتقييم آخر من جانب صانع القرار، بخلاف تقييم المتابعين للصورة من الخارج، وبما يعنى أيضاً أن خروج فلان فى التعديل ليس معناه أنه كان سيئاً فى أدائه إلى هذا الحد، وإنما معناه أن هناك رغبة من صانع القرار، ومن عموم الناس معاً فى أداء أفضل يخاطب تحدياتنا الراهنة!

 

وقد كان رأيى دائماً أن الحكومة، أى حكومة، فى إمكانها أن تطور من أدائها وهى تعمل، وأنها ليست فى حاجة إلى انتظار انتخابات مجلس نواب، أو غيرها، لإدخال التعديل المطلوب عليها، وأنها يجب أن تكون أقرب إلى صاحب السيارة الذى يصلح ما فيها من عيوب يراها فى هيكلها، وهى تسير على الطريق، دون أن يكون فى حاجة إلى أن يتوقف فى مكانه لاستبدال قطعة غيار فيها هنا، أو أخرى هناك، ربما لأن صعوبة الطريق أمامه تجعل التوقف نوعاً من الترف لا يملكه!

 

أما الشىء الأكثر إثارة للانتباه فى التعديل فهو أن جميع الأسماء التى دخلت الحكومة ليست من بين الوجوه المعروفة لدى الرأى العام فى كل قطاعاته، بمن فيهم وزير الثقافة ذاته، الذى جرت العادة على أن يكون واحداً من نجوم الحياة العامة، إلا هذه المرة تقريباً!

 

وهذا الشىء اللافت جداً أراه ميزة، لأن فيه دلالتين مهمتين، أولاهما أن جهداً قد سبق التعديل فى البحث عن أسماء جديدة، وما أكثرها، بعيداً عن تلك التى تخرج على المواطنين، فى كل يوم، من خلال وسائل الإعلام.

 

والدلالة الثانية أن صانع التعديل قد قطع الطريق على كل المشتاقين، ولم يأت بأحد منهم، وكان تقديره فيما أظن، وهو شىء فى محله تماماً، أنه لابد من التنقيب فى البلد عن وجوه مختلفة، وذات كفاءة فى الوقت نفسه، وما أكثرها، بشرط أن نسعى إليها، وأن نفتش عنها.

 

ولعلنا نذكر أن هذا الشىء اللافت جداً كان من بين الأشياء التى ميزت حركة المحافظين الأخيرة، التى جاءت بـ17 محافظاً جديداً، يطالع المصريون صورهم فى الإعلام، لأول مرة، وهو عكس ما كان يحدث من قبل، وتلك فى حد ذاتها من الأشياء المحسوبة للحركة، وإن كانت أسماء فيها قد خيبت الظن فيها، منذ البداية، ومنها محافظ الإسكندرية على سبيل المثال، الذى تصورناه منخرطاً من لحظته الأولى فى إنقاذ ما تبقى فى المحافظة وإعادة بهائها القديم إليها، فإذا به يشغل نفسه، ويشغلنا، بتفاصيل ليس هذا وقتها، ولا نحن نتحملها فى مثل هذه الظروف!

 

وإذا كان من شىء يقال للوزراء الثمانية الجدد فهو أننا فى حاجة إلى أن نشعر، وفى وقت قصير، بأثر أدائهم فى حياة كل مواطن، وأنهم ليسوا فى حاجة إلى مجرد تطوير أداء وزارى قائم، بقدر ما أنهم وأننا فى حاجة إلى «القفز» بمعدل الأداء العام، من مكان لمكان آخر، بينه وبين المكان الأول مسافات.

 

لا أقول إنهم فى مهمة انتحارية، رغم أنهم جاءوا فى ظروف أقرب لهذا المعنى، وإنما أقول إنهم فى مهمة خاصة، لأن ما لم نعرفه عنهم، فى الإعلام، قبل مجيئهم، سوف ننتظره منهم فى مواقع العمل وحدها!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: طموح الرئيس لا يتحقق ببركة دعاء الوالدين

 

لا أستطيع أن أمنع نفسى من المقارنة بين الحريق الذى شب فى مركز المؤتمرات، أمس الأول، وبين حريق آخر، كان قد شب فى مدينة دبى قبل أسبوع من الآن.

 

حريق دبى كان قد اندلع فى الطابق الأربعين، فى برج يتكون من 80 طابقاً، وفى ربع ساعة.. نعم فى 15 دقيقة.. تم إطفاؤه كاملاً، ولم يسقط فى عملية الإطفاء مُصاب واحد، ولا أصاب البرج، ككل، أى أضرار!

 

وفى حريق مركز المؤتمرات فإنه، كما تابع الجميع، قد دام ساعات، ثم بدت بقايا الحريق بعد إطفائه وكأن المكان كان ميداناً لحرب مدمرة، بعد أن تناثرت البقايا فى كل اتجاه!

 

والمؤكد، عند المقارنة بين الحريقين، أن إطفاء نار مشتعلة فى الدور الأربعين مسألة تبدو فى غاية الصعوبة، إذا ما قامت مقارنة بينها وبين إطفاء حريق «المؤتمرات»، لأن المركز كله فى ارتفاع طابق أو طابقين، أو حتى خمسة طوابق، وبالتالى فهو فى متناول أدوات الإطفاء، وليس مرتفعاً فى عمق السماء كما هو الحال مع برج دبى!

 

لا أتهم أحداً بعينه عندنا، ولكنى أريد أن أقول إن حريق «المؤتمرات» يبعث إلى الدولة بـ«رسالة» محددة، لابد أن تصل مسجلة بعلم الوصول، وأن يكون وصولها سريعاً، وأن نرى بعدها من حكومتنا ما يفيد بأن الرسالة قد وصلت!

 

وهى ليست المرة الأولى التى يجرى فيها إرسال رسالة كهذه إلى الذين يعنيهم الأمر، والذين هم بالعموم مسؤولو الدولة فى مستوياتها العليا، ودون استثناء!

 

أما ملخص الرسالة فهو أن هذا الأداء العام المخجل لدى أغلب أجهزة الدولة، إن لم يكن لديها كلها، لا يمكن أن يؤهل بلداً كبلدنا لأن يصل إلى ما يريده لمواطنيه، ولا يمكن أن يتحقق به ما يقال للناس، فى كل صباح، على ألسنة مسؤوليها.. لا يمكن.. لأن هناك درجة من الترهل الإدارى، هى فى حاجة إلى وقفة شجاعة، تعيد هذه الأجهزة إلى ما كانت عليه من قبل، من مستويات أداء طبيعية، شأنها شأن مثيلاتها فى أى دولة ناهضة حولنا.

 

وسوف أظل أعيد تذكير الرئيس بما كان قد قاله هو نفسه، فى مارس الماضى، حين استقال من منصبه كوزير دفاع، وأعلن عزمه الترشح للرئاسة.

 

يومها، وفى خطابه القصير الذى أذاعه التليفزيون المصرى، قال إن من بين الأفكار الرئيسية التى تملأ عقله أن جهاز الدولة، بوجه عام، يستحيل أن يبقى كما هو، وأنه لابد من إصلاحه جذرياً، وأنه عندما يفوز فى سباق الرئاسة سوف يعمل من أول يوم له، كرئيس، على بعث الحياة فى هذا الجهاز الإدارى من جديد، وبقوة!

 

اليوم.. يكاد عام كامل يمر على فوز الرئيس، ومع ذلك لم نسمع حتى هذه اللحظة شيئاً محدداً، عما كان هو قد وعدنا به فى هذه النقطة تحديداً، ولم نسمع عن أنه، مثلاً، قد جاء بعدد من خبراء الإدارة الكبار، الموثوق فيهم لا الفهلوية، ليطلب منهم برنامجاً واضحاً لهذا الغرض، ثم يطلب مع البرنامج الواضح سقفاً زمنياً له أول، وله آخر، لإنجاز مثل هذه المهمة التى سيظل عدم إنجازها عقبة كبيرة فى طريق أى إصلاح حقيقى، من نوع ما يريده الرئيس ويتحدث عنه مراراً، ونريده نحن معه بالدرجة نفسها.

 

صدقنى يا سيادة الرئيس.. إن جهاز الدولة إذا كان يضم سبعة ملايين موظف، تقريباً، وإذا كانت حاجتنا هى إلى مليون واحد منهم فقط، بالكثير، فإن هذا معناه أن هناك ستة ملايين معطل يشدونك، ويشدون الدولة لأسفل، فى كل صباح، ولا بديل عن أن تواجه هذه القضية بشجاعة، وبسرعة، والآن وليس غداً!

 

إنهم ستة ملايين معطل لك، وللدولة كلها، لا ستة أشخاص، ولا حتى ستة آلاف!.. وإذا كان لابد من معنى بعيد فى حريق المؤتمرات، فهو أنك، كرئيس، لا يمكن أن تحقق ما تطمح إليه، ونطمح إليه معك، بجهاز إدارى يسير ببركة دعاء الوالدين!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: أسخف ما سمعناه فى 4 أيام

 

من الأقوال المنسوبة إلى عمر بن الخطاب أنه لما جاءه الموت قال- ما معناه- إن الحياة لو عادت إليه من جديد وإنه لو بدأ حياته مرة أخرى، من الأول، فسوف يأخذ من الزائد فى أموال الأغنياء ويعطى الفقراء.

 

والمعنى الذى أراد الخليفة الراشد الثانى أن يقوله أن أى مسيرة بشرية فيها أخطاء بطبيعتها، وأن أى فرصة لمراجعة المسيرة- أى مسيرة- لابد أن تصحح ما كان قد وقع فيها من خطأ، وقد بدأ هو بنفسه وقال إنه أخطأ فى كذا، وإنه لو عادت به الحياة إلى أول أيامه فسوف يفعل كذا، على وجه التحديد!

 

ومن الأشياء السخيفة التى نسمعها فى أكثر من مناسبة، أن يخرج علينا رجل هنا أو هناك، من بين الشخصيات العامة، فيقول إنه لو عاد إلى أول عمره فسوف يختار نفس الطريق الذى مشى فيه، وسوف يفعل نفس ما فعله دون تغيير، وكأن الله تعالى كان يوحى إليه فى كل أيامه!

 

أقول هذا كله لأن ما سمعناه وما قرأناه، بعد صدور الحكم بوقف الانتخابات البرلمانية قبل أربعة أيام، لا يختلف فى أغلبه عن هذا المعنى السخيف!

 

ففى كل تعليق على ما سوف يكون، بعد الحكم، كنا نسمع أن التحالفات الانتخابية ستظل كما هى، وأن المرشحين الذين جرى الإعلان عنهم قبل الحكم سوف يبقى كل واحد منهم كما هو، وفى مكانه، ودون أى محاولة لإصلاح ما كان!

 

ولو أن أحداً راح يراجع ما كان يقال، قبل الحكم، عن البرلمان الذى كان سيتشكل لولا صدور الحكم، لاكتشف أنه تقريباً كان أسوأ برلمان يمكن أن تراه مصر، وأنه ليس هو الطموح الذى يجب أن نتطلع إليه، وأنه سيكون دون المستوى، وأنه سيكون عبئاً علينا لا إضافة لنا، وأنه.. وأنه... إلى آخر ما قيل فيه، إلى ما قبل الحكم بساعات.

 

الطبيعى، إذن، أن ننتهز نحن فرصة الحكم، وأن نعتبره هدية من السماء، وأن نذهب من أقصر طريق، وبسرعة، إلى إخراج برلمان يليق بالبلد، ويليق بنا، ويليق بطموح ثورتين نتكلم عنهما، وعن مبادئهما، دون انقطاع.

 

الطبيعى أن يأتى ما بعد الحكم مختلفاً تماماً عما قبله، فيما يخص برلمان 2015، فهو برلمان سوف يكون عليه أن يثبت لنا، أولاً، وللعالم من حولنا، ثانياً، أن الدنيا فى بلادنا قد تغيرت، أو أنها على الأقل قد بدأت تتغير، من خلال ما سوف يكون على هذا البرلمان أن ينجزه من مشروعات قوانين، ومن قوانين تغير وجه حياتنا فى كل ركن فيها!

 

كل الأصوات، قبل حكم المحكمة، كانت تقول إن هذا ليس هو البرلمان الذى نريده، وإن هذه الوجوه المرشحة، فى غالبيتها، ليست هى الوجوه التى يجب أن تظهر فى برلمان يتشكل فى العام الخامس عشر من الألفية الثالثة!

 

إذا كان برلمان ما قبل الحكم سوف يعود بنفس تحالفاته، وبنفس وجوهه، وبنفس قوائمه، وبنفس ملامحه، فالأفضل له ثم لنا بالأساس ألا يأتى، لأنك، كبلد، لا تشكل برلماناً ليقال عنك أمام العالم إن عندك مجلساً للنواب، وإنما تشكله لتقول لنفسك، قبل غيرك، إن عندى برلماناً فيه الكثير من أصحاب العقول، ممن هم مؤهلون من خلال التشريع لإقرار مبدأ العدالة الاجتماعية مثلاً، وبمعناه الشامل بين المصريين.

 

إذا لم يكن الحكم فرصة لمراجعة حقيقية كهذه فسوف تجد الدولة أنها أمام برلمان يعطلها ولا يسعفها.. برلمان لا ينتمى إلى اللحظة التى نعيشها، ولا يقدر مدى خطورتها!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: الإيرانى عندما يكون إخوانياً!

 

قال حسين عبداللهيان، نائب وزير الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والأفريقية، إن حركة حماس ليست إرهابية، وإن الإرهابى هو كيان الاحتلال الصهيونى غير الشرعى!

 

وقال عبداللهيان أيضاً، فى تصريح لوكالة «فارس» الإيرانية، يوم الأحد الماضى، إن جماعة الإخوان المسلمين هى جزء من الحقيقة القائمة فى مصر، وإنه ينبغى الفصل برؤية واقعية بين مجموعات المعارضة السياسية، وبين المجموعات الإرهابية!

 

والواضح من كلام السيد عبداللهيان، خصوصاً فى الشق الأول منه، أنه يعلق على الحكم الصادر من محكمة مصرية، قبل كلامه بـ24 ساعة، باعتبار «حماس» جماعة إرهابية، وأنه بتعليقه على هذه الصورة، لا يعيش معنا على الأرض، وإنما يحلق فى سماء الأوهام!

 

أما ما هو أكثر وضوحاً فهو أن نائب وزير الخارجية الإيرانية، عندما جمع فى الكلام بين حماس وبين الإخوان كان أقرب ما يكون إلى الشخص الذى يتحسس «بطحة» على رأسه، إذا سمع حديثاً حوله يكشف عما يخفيه فى داخله!

 

ذلك أنه لا شىء كان يدعو عبداللهيان إلى أن يقرن بين الكيانين معاً، فى تصريح واحد، اللهم إلا إذا كان فى أعماقه يرى أن الإخوان أصل، وأن حماس مجرد فرع، وأنهما فى الإرهاب سواء، وأنه، رغم يقينه بينه وبين نفسه من أمر كهذا، إلا أنه يكابر فى رؤيته، وفى الاعتراف به، ويتعامى قاصداً عنه!

 

يعرف عبداللهيان فى قرارة نفسه، بل تعرف بلاده كلها، أن الجماعة الإخوانية إذا كانت جزءاً من الحقيقة القائمة فى بلدنا، فإنها هى من انقلب على هذه الحقيقة.. وهى من حارب ولايزال يحارب المصريين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم تعاطفوا معها، ذات يوم، فيما قبل 25 يناير 2011، وانتخبوها فى لحظة من أتعس لحظاتهم، فيما بعد 25 يناير، فإذا بهذه الجماعة الغبية تعاقبهم فى كل يوم من أيام ما بعد 30 يونيو، وتفجر قنابلها فى وجوههم، فى كل ركن!

 

يعرف عبداللهيان، وتعرف بلاده، أن الجماعة الإخوانية الغبية كانت بالفعل جزءاً من الحقيقة القائمة فى مصر، إلى ما قبل 30 يونيو، وأنها فيما بعد هذا التاريخ قد أرادت أن تكون هى الحقيقة كلها، أو لا تكون، فلما أدركت أن ما تسعى إليه هو المستحيل بعينه، أعلنتها حرباً على كل مصرى.. ولاتزال!

 

إن المرء وهو يتأمل مسيرة الجماعة، فيما بعد 30 يونيو تحديداً، يتمنى لو تكون فى العالم جائزة لأغبى كيان، لتنالها هى عن جدارة واقتدار، لأنها إذا لم تكن - مثلاً - قد ارتكبت بشكل مباشر تفجيرات أمس، فى المطرية، وأمس الأول فى وسط البلد، وفى النزهة، فإنها مسؤولة مسؤولية كاملة عن هذه الجرائم فى حق الناس، بشكل غير مباشر، وهى مجرمة فى الحالتين، بما يؤهلها لجائزة الكيان الأكثر غباء، دون منازع!

 

قد تكون كجماعة، بعيدة عن ارتكاب جرائم الأمس، وأمس الأول، بشكل مباشر- أقول قد- فإذا افترضنا صحة هذا الفرض نظرياً، ثم افترضنا أن هناك طرفاً آخر، يرتكب هذه التفجيرات باسمها، وتحت لافتاتها المرفوعة ضد الوطن، فسوف نرى بسهولة، كيف أنها الأغبى دون منافس، بإصرارها على أن تكون ضد إرادة المصريين جميعاً، وعلى أن تظل كل جريمة معلقة فى رقبتها هى، لأنها هى التى فى الصورة، وهى الطرف الوحيد صاحب المصلحة فى ترويع المواطنين، وفى بث الفزع فى قلوبهم!

 

إننى لا أعرف ما هى مصلحة عبداللهيان الإيرانى فى أن يكون إخوانياً أكثر من الإخوان، ولا فى أن يدافع عن جماعة لم تنفصل فقط عن الحقيقة القائمة فى البلد، وإنما انفصلت عن الانتماء إلى الوطن ذاته، بخروجها عليه، وعلى أبنائه دون استثناء!

 

ليت عبداللهيان الإيرانى ينصح الفرع الإخوانى فى غزة بأن يوجه رصاصاته إلى الكيان غير الشرعى، وليس إلى مصر، ثم ليته ينصح الأصل فى القاهرة بأن يكف عن عبثه المتواصل مع المصريين، لأنه لن يجدى فى شىء!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: حُكمان فى يوم واحد.. ما المعنى؟!

 

فى يوم واحد، هو أمس الأول، أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارها فيما يخص طريقة تقسيم الدوائر الانتخابية، بما أدى إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية التى كانت ستجرى هذا الشهر، وأصدرت محكمة القضاء الإدارى قراراً مماثلاً، وإن كان فى اتجاه مختلف، بما أدى إلى تأجيل انتخابات نقابة الصحفيين!

 

الأثر القريب، للقرارين، من المحكمتين، كان هو تأجيل الانتخابات على المستويين: مستوى البرلمان، ثم مستوى النقابة!

 

أما الأثر البعيد، فهو مسألة أخرى، وبعيدة، وعميقة، ولابد أن تنتبه إليه الدولة بكل مؤسساتها، دون استثناء، من أول رئاسة الجمهورية ذاتها، إلى أصغر هيئة أو مؤسسة فى البلد.

 

والمعنى البعيد، الذى أقصده، والذى أرادت كل محكمة من المحكمتين أن تقوله، هو أننا لا يمكن أن نزعم أننا نعيش فى عام 2015، أى فى العام الخامس عشر، من الألفية الثالثة، ثم نقرر أن تجرى انتخاباتنا على مستوى البرلمان من خلال تخصيص نائب لدائرة هنا، ونائبين لدائرة غيرها هناك، وثلاثة نواب لدائرة ثالثة.. لا يمكن.. لأن هذا فى حد ذاته، عمل عشوائى، سواء فى زاويته القانونية أو السياسية، كما أنه عمل فى زاويته القانونية تحديداً يدل على أن الذين أعدوا القانون بهذا الشكل إنما هم من الهواة، وليسوا من أهل القانون المحترفين، الذين إذا صنعوا قانوناً، أى قانون، لا تملك إلا أن تشد على أياديهم إعجاباً بفنون الصنعة!

 

والأمر لا يختلف، على مستوى النقابة، لأنك لا يمكن أن تعقد انتخابات فى عام 2015، وفى نقابة المفترض أن أغلب أعضائها من أهل الرأى والعقل، بقانون صدر عام 1970، لا يمكن!

 

إننا، إذن، أمام «رسالة» موجهة إلينا، كدولة، من خلال أوراق الحكمين أو القرارين، وهذه «الرسالة» هى أنك إذا كنت تريد أن تدخل عام 2015 فيجب أن تدخله بقوانين العصر، وليس بقوانين عصر، بل عصور مضت، وبالمناسبة، فإن قانون تقسيم الدوائر، وقانون النقابة، ليسا إلا مجرد مثلين، لأنه إلى جوارهما عشرات، بل مئات القوانين الأخرى، التى لا سبيل لنا إلى عصرنا هذا، وعالمنا هذا، ودنيانا هذه، إلا بنسفها، وليس مجرد تعديلها، أو إضافة بعض الرتوش إليها.

 

وربما يشير لنا الحكمان إلى حجم العبء الذى يقع على البرلمان المقبل، ثم يقع من قبل، ولو مؤقتاً، على لجنة الإصلاح التشريعى التى تعمل منذ شهور بقرار من رئيس الدولة.

 

فإذا كان المتصور، عقلاً، أن عمل اللجنة سوف ينتهى يوم أن يتشكل البرلمان، فإن هذا وحده يبين لنا على أى صورة، وبأى مضمون، يجب أن يأتى مجلس النواب المقبل، ثم يبين لنا كذلك نوعية النائب الذى لا بديل عنه لبرلمان هذه هى مهمته التى تنتظره!

 

برلمان سوف تكون مهمته بعث الروح فى قوانين ماتت من زمان، لا يتعين أن يدخله المهرجون، ولا المطبلون، ولا الباحثون عن حصانة، ولا الساعون إلى غنيمة فى داخله، ولا النصابون، وما أكثرهم بين الوجوه التى كانت مرشحة له قبل وقف انتخاباته، ولا اللاعبون بالثلاث ورقات! ولا... ولا... إلى آخر القائمة!

 

فى الحكمين الصادرين عن المحكمتين «رسالة» بكل معنى الكلمة، وبمعنى كل حرف فيها، وهى أن الحكاية أكبر فى حقيقتها من قانون مجلس نواب هنا، أو قانون نقابة صحفيين هناك، وأنه لا وجود لنا فى عصرنا إلا بقوانينه التى تخاطبه هو، وتتفاعل معه هو!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: الترف الذى لا تملكه 4 عواصم

 

مانشيتات الصحف الصادرة صباح اليوم سوف يكون لها فى الغالب موضوع واحد هو: لقاء الرئيس مع الملك سلمان فى الرياض.. وأرجو ألا يكون قد فاتك أن تتوقف أمام هذا الموضوع ذاته، فى صحف أمس، وأمس الأول!

 

فإذا كنت أنت قد توقفت، من قبل، فأدعوك إلى أن تتوقف من جديد، اليوم، وأن تلاحظ مفارقة مزعجة للغاية فى عناوين الملفات الأساسية التى كانت مطروحة على مائدة الرجلين!

 

لقد قيل، أكثر من مرة، إنهما سوف يلتقيان حول أربع قضايا رئيسية هى: اليمن، العراق، سوريا، ثم ليبيا!

 

هنا.. لابد أن تلفت انتباهنا ملاحظتان تمثلان معاً مفارقة قوية.. بقدر ما هى موحية.. أما أولاهما فهى أن دولتين من الدول الأربع لهما حدود جغرافية مباشرة مع المملكة السعودية، وهى مسألة تشير لك إلى حجم التحدى الذى يجد الملك السعودى الجديد أنه يواجهه!

 

أما الملاحظة الثانية، وهى لابد محزنة، فهى أن أى مقارنة بين لقاء من نوع ما انعقد بين الرئيس وبين الملك كان فى زمان مضى يبحث فى قضية واحدة، هى قضية الشعب الفلسطينى المشرد، وكيف يمكن أن تكون له دولة على أرضه المحتلة.

 

اليوم.. تراجعت القضية التى لم يكن يخلو منها لقاء بين رئيسين عربيين، وجاء فى مكانها أربع قضايا من نوع واحد ومعاً، لا قضية واحدة، ولا قضيتان، ولا حتى ثلاث!

 

الدولة الفلسطينية التى عشنا نتابع لقاءات الزعماء العرب حولها، ومن أجلها، عقوداً من الزمان، لم يعد لها تقريباً وجود فى اللقاءات المماثلة بينهم، هذه الأيام، ليس لأنها لم تعد قضية مهمة بالطبع، فهى كذلك، وسوف تظل، وليس لأن العرب قد فقدوا حماسهم إزاءها، ولا لأن فرص قيامها لم تعد قائمة، ولا.. ولا.. إلى آخره.. وإنما لأن قضايا أخرى، كما ترى، صارت ضاغطة وتملأ علينا الدنيا فى كل اتجاه!

 

وقد كان القاسم المشترك الأعظم، فى أحاديث الرئيس التليفزيونية أو الصحفية، حول لقائه مع «سلمان» هو الدعوة من جانبه إلى تشكيل قوة عربية مشتركة فى مواجهة إرهاب لا يستثنى أحداً، ولا يستثنى دولة!

 

وهى دعوة فى مكانها، وتوقيتها، لأن الخطر لا يحيط بهذه الدولة دون تلك من دول المنطقة، ولكنه يستهدفها جميعاً، وإذا لم يكن أمر كهذا سوف يجرى حسمه فى لقاء الملك والرئيس فليس هناك مفر من أن يكون هو البند الأهم فى القمة العربية المنعقدة فى شرم، آخر هذا الشهر.

 

وفى صباح أمس كانت هناك معلومات أكثر عن هذه القوة، وقالت «المصرى اليوم»، فى صفحتها الأولى، إن هناك اتجاهاً لتحالف عسكرى يضم القاهرة مع الرياض، مع أبوظبى، مع عمان، من أجل خروج هذه القوة العربية المشتركة إلى النور، وإن قوات التدخل السريع، والصاعقة، والقوات الخاصة، والمظلات، سوف تكون معاً هى أساس وعماد القوة موضع الدعوة.

 

وإذا كان الرئيس فى خطابه، يوم الأحد قبل الماضى، قد وصف قواتنا المسلحة، وهو يتحدث عن الضربة الجوية التى وجهناها لمعسكرات تنظيم «داعش» الإرهابى، فى ليبيا، بأنها- أى قواتنا المسلحة- لا تعتدى على أحد، ولا تغزو أحداً، ولا أرضاً، فإن «الرسالة» نفسها يجب أن تقترن بعملية تشكيل هذه القوة العربية المشتركة، وأن يقال للعالم فى كل يوم إنها قوة لا تعتدى، ولا تغزو، وإنما تدافع عن حق كل مواطن، فى كل دولة من الدول الأربع، وفى سائر دول المنطقة العربية، فى الحياة، وعن حقه فى أن يكون آمناً على نفسه، ضد خطر إرهاب لا يفرق ولا يميز بين ضحاياه!

 

«القوة» التى تدعو مصر إلى تشكيلها ليست نوعاً من الترف، ولكنها ضرورة تدركها العواصم الأربع وتراها.

القسم: 

متى يخجل طارق البشرى؟!

ينسى الذين يتكلمون هذه الأيام عن مصالحة يمكن أن تتم بين الحكومة والجماعة الإخوانية، أن أمراً كهذا ليس فى يد الحكومة، وأنها حتى لو رأت أن تنخرط فى مصالحة من هذا النوع، من جانبها، فسوف تواجه رأياً عاماً رافضاً، ومتمسكاً برفضه، ومصمماً عليه!

ولابد أن رفض الرأى العام هنا ليس نابعاً من فراغ، ولا هو رفض فى المطلق، وإنما هو رفض يستند إلى أن المصريين فى عمومهم قد رأوا من «الجماعة»، ومن عناصرها، منذ 30 يونيو 2013، ما لم يحدث أن رأوه من أعداء البلد أنفسهم!

وفى كل مرة، كانت الجماعة الإخوانية تحصل على فرصة لتثبت من خلالها أنها منتمية إلى هذا الوطن، عملاً لا قولاً، كانت تثبت العكس على طول الخط، وكانت، ولاتزال، تروع المصريين فى كل ركن من أركان البلد، وكانت ولاتزال تشن عليهم حرباً، وكانت ولاتزال تمارس فى حقهم عنفاً، وإرهاباً، وتطرفاً، لم يمارسه عدو معنا من قبل، فضلاً بالطبع عن أن تمارسه جماعة تقول.. هى تقول.. إنها جماعة مصرية!

هذه مسألة لابد أن تكون واضحة فى ذهن كل مسؤول، وأن يكون كل مسؤول على يقين من أن هذه الجماهير المصرية التى عانت بقوة، ولاتزال، من سلوك «الجماعة» ومن غبائها، أصبحت ترى فى أحاديث المصالحة التى تتردد بين فترة وأخرى، شكلاً من أشكال العبث، الذى يجب أن يتوقف أصحابه عن ممارسته، وألا يعودوا إليه!

ثم إن علينا أن نرى ما هو أوضح من ذلك كله، بأن يكون مستقراً لدينا أنه حتى لو قرر المصريون، ذات يوم، وهو يوم على كل حال ليس قريباً، أن تكون هناك وقفة مختلفة، لا مصالحة، مع الإخوان، فسوف تكون لوقفة كهذه شروط ومقتضيات بالضرورة.

سوف يكون من شروط هذه الوقفة المختلفة، أو المصالحة، إذا سميناها هكذا تجاوزاً، أنها لا تشمل الذين يقفون أمام القضاء فى اتهامات واضحة، وإجرام أوضح، فهؤلاء يظل أمرهم متروكاً للقضاء وحده، بحيث يدينهم أو يبرئهم، حسب ما أمامه من أوراق، وهى أوراق مما نقرؤه عنها، متخمة بكل ما يدين ويجلب العار لصاحبه.

وسوف يكون من بين الشروط، التى أراها جزءاً من المزاج العام لكل مصرى، أن أى إخوانى لم يمارس عنفاً، ولم يحرّض عليه، هو بطبيعة موقفه، شخص لا شىء عليه، ويستطيع أن يمارس حياته بالشكل العادى فى مجتمعه، وإذا شاء أن يباشر عملاً سياسياً فليكن ذلك من خلال أى حزب مدنى قائم، لأنه لا أحد يتصور أن يكون للإخوان حزب سياسى آخر فى يوم من الأيام، بعد أن تبين أن حزبهم، الذى قام بعد 25 يناير، كان يحتفظ بالسلاح فى مقار له بالمحافظات!.. وضد من؟!.. ضد المصريين!

الإخوانى الطبيعى، الذى لم يمارس عنفاً، ولم يحرّض عليه، يجب ألا يحلم بأن يكون له حزب إخوانى فى أى يوم، لأن تجربة «الحرية والعدالة» كانت تجربة شديدة المرارة علينا، ولأن الأحزاب المدنية القائمة مفتوحة كلها أمام كل مصرى، سواء كان إخوانياً أو غير إخوانى، وفى إمكان الإخوانى الطبيعى الذى ينتمى إلى «الجماعة»، ولا يتبنى سلوكها ولا حماقاتها، أن يلتحق بأى حزب من هذه الأحزاب، ويعمل وفق لوائحها.

أما المستشار طارق البشرى، الذى يسكت دهراً ثم ينطق كفراً، فقد خرج على الناس قبل أيام بحديث عن المصالحة، سماه «رؤية شخصية» تخصه وحده!.. وهى تسمية خادعة لا يجوز أن تنطلى علينا!

ولا أحد يعرف بأى وجه يخرج البشرى على المصريين، وقد كان هو الذى ورطنا فى جماعته، بإعلانه الدستورى الكارثى الذى صاغه لنا، أقصد لها، فيما بعد 25 يناير؟!

إن أفضل شىء يفعله البشرى هو أن يختفى تماماً من المشهد العام، وأن يظل يدعو الله تعالى لعله يغفر له ما اقترفت يداه فى حق كل مصرى!

فالإعلان الدستورى الذى صدر على يديه لم يكن إلا جريمة مكتملة الأركان فى حق بلد بكامله، وأجدى بصاحبها أن يتوارى خجلاً من نفسه، ومنا، لا أن يتبجح ويعود ليخرج علينا بحديث لا يعرف الحياء عن المصالحة!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: الضباط الخمسة!

قرار حبس ضابطين بتهمة تعذيب أحد المحامين فى قسم المطرية، يضيف من حيث معناه إلى جهاز الشرطة، ولا ينال منه أبداً، وكذلك قرار إحالة 3 ضباط إلى المحاكمة فى الزيتون، بتهمة اقتحام منزل مواطن، مع ملاحظة أنهم حتى الآن متهمون، لا مدانون، ولا مبرأون.

والواضح أن الجهاز هدف ثابت للذين أرادوا ويريدون هدمه، منذ 25 يناير 2011، وقد كان الكلام عن هذا الهدف يتخفى وراء أكثر من قناع، فى أكثر من مرحلة، ولايزال!

فهناك، مثلاً، من يظل يتكلم عن إعادة هيكلة وزارة الداخلية، دون أن يقول لنا ما الذى يقصده بالضبط بحكاية الهيكلة، ولا كيف تكون، وربما نذكر، الآن، أن شعاراً من نوع إعادة هيكلة جهاز الشرطة كان شائعاً أيام الإخوان، لا أعادها الله، وكانوا يروجون له فى كل مكان، ولم يكن الهدف فى أصله إعادة هيكلة ولا يحزنون، وإنما كان الهدف غير المعلن هو ضرب الوزارة كلها، كوزارة مسؤولة عن أمن الوطن والمواطن، فى مقتل!

وفى مرة أخرى، يكون القناع هو «حقوق الإنسان».. والحقيقة أن أغلب الذين يرددون هذا الشعار، ويرتدون هذا القناع، وهم يتكلمون عن الداخلية وعن أدائها، لا تعنيهم حقوق الإنسان إلى هذا الحد، كما قد نتصور، ولا تؤرقهم انتهاكات قد تكون موجودة لهذه الحقوق، كما قد نتخيل، وإنما كل ما يعنيهم هو أن ينالوا من الجهاز، فى مجمله، وأن يهدموا فيه، فى عمومه!

وأنت تستطيع أن تفرق بسهولة بين من ينتقد تجاوزاً هنا، أو آخر هناك للداخلية، وهو حريص على أن يكون أداؤها أفضل، وأن تتخلص من أى شائبة تشوب عملها، وبين من يمارس انتقادها وهو يتمنى زوالها ويعمل على ذلك، حتى يستطيع أن يمارس فوضاه كما يحب فى البلد.. تستطيع أنت أن تفرق بين الاثنين، وأن تقف فى صف الأول بالتالى، وتدعمه، من أجل مصلحة عامة، ثم ترفض الثانى، بل تلعنه، وتكشفه، لأن المصلحة العامة لهذا البلد ليست من بين أهدافه، حين يسعى بيننا بشعارات لها ما وراءها من نوع ما أشرت إليه!

إننى لا أنسى عبارة مهمة قالها الرئيس يوم احتفال الشرطة بعيدها، الشهر الماضى، إذ قال على الملأ ما معناه إنه لا هو، ولا أى مسؤول فى الدولة، يرضى بأى تجاوز من جانب الشرطة فى حق أى مواطن.. لا يرضاه هو، ولا غيره من المسؤولين، وأياً كان حجم أو مساحة هذا التجاوز، ثم أضاف الرئيس يومها أن مثل هذا التجاوز، إذا وقع، فإنه يكون أولاً غير مقصود بالضرورة، ثم إنه يكون، ثانياً، تحت ضغط الظرف الخاص والاستثنائى، الذى تؤدى فيه الشرطة دورها.

هذا كلام مهم. أشرت إليه أنا، فى وقته، وأعود لأشير إليه اليوم، وأحب أن تركز عليه الشرطة دائماً، وألا يغيب عن عينيها، وأن تأخذ به، وأن تقطع به أيضاً الطريق على كل من يسارع إلى المتاجرة بأى تجاوز قد يقع!

استهداف الداخلية، تحديداً، ومن جانب جماعة إخوانية بعينها، كانت أسبابه معروفة، بل مكشوفة، ولاتزال، وليس أول هذه الأسباب أن الوزارة هى التى تعلم وحدها خبايا الجماعة، وتاريخها الأسود، وتفاصيل التفاصيل عن مسيرة لها دامت ما يقرب من 80 عاماً، منذ نشأتها كجماعة على يد حسن البنا، ولم تكن فيها، كمسيرة، لحظة لوجه الله، ولا لوجه هذا الوطن، وإنما كانت كل اللحظات كما يتضح يوماً بعد يوم، لوجه الذين يتعاطفون مع الجماعة، الآن، فى الإقليم، وفى خارج الإقليم، ويدعمون عنفها!

جهاز الشرطة جهاز وطنى معتبر، والذين حاولوا إسقاطه هم الذين سقطوا، ولم يكن أمامهم، والحال كذلك، إلا أن يحاولوا تشويهه، بأى طريقة، وبأى ثمن، ولابد أنهم سوف يفشلون فى ذلك، كما فشلوا من قبل فى إسقاطه، حين جعل الله كيدهم فى نحرهم، ثم لابد أيضاً أن قرار حبس الضابطين، مع قرار إحالة الثلاثة، يمثلان معاً خطوة مهمة جداً لإفراغ محاولات التشويه، والتشويش، من معناها.. ولو صدر فى كل يوم قرار جديد من نوعية هذين القرارين فسوف يكون ذلك للجهاز، ولن يكون عليه!

القسم: 

هل مات مصطفى أمين؟!

تأخرت فى الإشارة إلى كتاب «مصطفى أمين» للمؤلف الأستاذ أحمد عطية صالح، ربما لأن ما يجرى حولنا لا يعطيك فرصة الالتفات إلى نفسك، فضلاً عن أن تلتفت إلى كتاب مهم من نوع ما أشير إليه اليوم!

وحين رحت أطالع بعض فصوله الستة، من جديد، لم أعرف من أين أبدأ، ولا إلى أين أنتهى، وإن كنت قد عرفت، مما فى الكتاب من مادة ممتعة، كلاماً وصوراً، أن مصطفى أمين إذا كان قد جاء إلى الدنيا فى 21 فبراير 1914 فإنه لم يرحل عنا فى 13 إبريل 1997، كما هو مسجل فى الكتاب.. لا.. لم يرحل الرجل فى هذا التاريخ، وأراه لايزال يعيش بيننا، لأسباب سوف أذكر لك بعضاً منها حالاً!

ويبدو أنه هو نفسه كان يرى هذا المعنى ببصيرته قبل بصره، عندما كتب سطوراً قال فيها: كيف أحسب عمرى؟!.. بالصحف التى أصدرتها أو اشتركت فى تحريرها؟!.. بعدد تلاميذى أم بعدد قرائى؟!.. بالانتصارات التى حققتها أم بالهزائم التى مُنيت بها؟!.. بالمرات التى خفق فيها قلبى أم بالصداقات الحلوة التى تمتعت بها؟!

يجيب هو عن كل هذه التساؤلات وعن غيرها، فيقول: أحسب أن العمر هو كل هذا، ولو كانت هذه القاعدة الحسابية صحيحة فلابد أنى عشت ألوف السنين.

إنها سطور دافئة من مقدمة بديعة كتبها هو بيديه، ووضعها مؤلف الكتاب فى صدر صفحاته، لتقرأها أنت مرة، ثم مرتين، وثلاثاً، مستمتعاً بقدرة قلم مصطفى أمين على أن يجرى فوق الصفحات بهذه السلاسة، ثم بقدرة عقله على أن يجارى قلمه وهو يقفز فوق الصفحات!

ذكّرتنى سطوره، عن عدد سنوات عمره، بما كان يوسف بك وهبى، قد كتبه عن نفسه، وكيف أنه عاش ألف عام، لأن حياة الإنسان الحقيقية ليست أبداً بما بين لحظة المجىء ولحظة الغياب، وإنما بما عاشه بينهما من «حياة» بالمعنى الشامل لهذه الكلمة، وقد عاشها مصطفى أمين بكل معناها، ثم حين غادرنا ترك فيما وراءه ما يجعل عمره ممتداً باقياً!

ولذلك تأملت طويلاً صورته بقامته الفارعة على غلاف الكتاب الخلفى، بينما الخلفية كلها لمبنى «أخبار اليوم» القديم بطوابقه العشرة، وكأن ابنته صفية، التى اختارت صور الكتاب، قد أرادت أن تقول مع المؤلف إن «مصطفى بك»، كما كانوا ينادونه فى حياته، إذا كان يملأ إطار الصورة فإن خلفيتها هو ما بنت يداه بامتداد السنين، وأنك إذا أردت، كقارئ، أن تعرف من هو مصطفى أمين فلا تنظر إلى وجهه، ولا إلى جسده، فى الصورة، بل انظر إلى الخلفية فيها، بطوابقها العشرة!.. ثم قارن، من فضلك، بين صورة أخرى فى داخل الكتاب للمبنى ذاته وهو من طابقين فقط، وبين صورته وهو مرتفع فى السماء، لترى بخيالك، عندئذ، من أين بدأ الذى بناه، طوبة طوبة بيديه، ثم إلى أين بلغ!

إننى عندما أتوقف عند هذا الكتاب، بشكل خاص، أو عند أى كتاب، بوجه عام، فإننى لا أعرضه لأن فى ذلك مصادرة- فى ظنى- على حق كل قارئ فى أن يطالع بعينيه هو، بدلاً من أن يطالع له أحد غيره، ولذلك فإننى فقط أشير إليه.. أشير إليه ويستوقفنى، كما أنه سوف يستوقفك، أن مصطفى أمين قد جاء إلى الدنيا فى عام 1914، مع شقيقه، بل توأمه، على أمين، فى بيت سعد باشا زغلول، خال والدتهما.

ولابد أنه ليس أشرف لأى طفل، فى هذا البلد، من أن يجىء إلى دنياه فى بيت زعيم عظيم كان، ولايزال، له فى وجدان كل مصرى مكانة خاصة لا تدانيها مكانة لزعيم سواه!

ثم يستوقفنى، خارج الكتاب، أن أقرأ فى «الأخبار»، الخميس قبل الماضى، أن مؤسسة ليلة القدر، التى توصف على صفحات الجريدة بأنها الشمعة التى أضاءها مصطفى وعلى أمين، وهى كذلك حقاً، قد منحت مائة أسرة فقيرة مليوناً من الجنيهات، بواقع عشرة آلاف لكل واحدة، فأحيت الأمل فى حياة الأسر المائة، مرة واحدة، وفى يوم واحد!

يستوقفنى هذا، فأتساءل: هل مات مصطفى أمين يوم مات؟!.. أقول: لا.. لم يمت، وإنما بدأ حياة أخرى، قوامها بعض ما ذكرت، ثم بعض ما سوف تقع عليه عيناك أنت فى الكتاب!

القسم: