سليمان جودة

لله عباد إذا أرادوا.. أراد!

لانزال ندور حول أنفسنا، ولا نريد أن ننتبه بكامل وعينا، إلى أنه إذا جاء علينا يوم لنقول فيه إن البلد قامت فيه ثورتان، إحداهما فى 25 يناير 2011، والثانية فى 30 يونيو 2013، فلابد أن يتلو ذلك سؤال بالضرورة هو: هل نجحت الثورتان؟!

إلى الآن لا يستطيع أحد منا أن يزعم أن أياً منهما قد نجحت.. وقد تكون كلتاهما قد نجحت فى أنها قامت.. أما ما بعد قيامهما فى حد ذاته، كثورتين، فلايزال أمره فى أيدينا نحن!

والشىء الذى أريد أن ننتبه إليه، وبكامل وعينا، مرة أخرى، أننا إذا كنا نرغب حقاً فى أن يأتى علينا ذلك اليوم، وأن نقول فيه إن 25 يناير قد نجحت، وإن 30 يونيو من ورائها قد نجحت كذلك، هو أن الله لن يكتب لهما نجاحاً فى تحقيق أهدافهما التى هى لصالح الناس فى عمومهم، إلا إذا كان فى أعماقنا يقين لا يتزحزح بوصة واحدة بأن نجاحهما يبدأ من عند الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، ومن عند الدكتور محمود أبوالنصر، وزير التربية والتعليم، من بعد الإمام الأكبر، ثم من عند الدكتور السيد عبدالخالق، وزير التعليم العالى، من بعدهما!.. لن يكتبه الله لهما، لأن لله عباداً إذا أرادوا، كما قيل.. أراد!

دافعى إلى هذا الكلام أنى أرى، وأرجو أن أكون على خطأ، أننا منشغلون فيما يخص نجاحهما بالتفاصيل دون أصل الموضوع!

وإذا أراد أحد تفصيلاً لما أقول فسوف أحيله على الفور إلى ما قاله الدكتور أبوالنصر، أمس الأول، ونشرته كل الصحف الصادرة فى ذلك الصباح.

قال الوزير إنه مع حلول العام الدراسى المقبل سوف تكون وزارته قد انتهت من مراجعة 65٪ من المناهج، وإنه أرسل الكتب الدينية المقررة على تلاميذ وزارته إلى الأزهر وإلى الكنيسة لمراجعتها، وإن الـ35٪ الباقية من المناهج سوف تتم مراجعتها فيما بعد العام الدراسى المقبل، يعنى على آخر عام 2017 بإذن الله!

إننى أقدر للوزير اهتمامه بقضية هى الأساس فى نجاح الثورتين، ثم أسأل فى حيرة: ولكن.. أين الدولة؟!

أسأل أين الدولة لأن قضية من نوع ما يتحدث فيه الدكتور أبوالنصر ليست قضية وزير، مع احترامى لقيمة جهده بالطبع، ولا هى قضية رئيس وزراء، مع إقرارى أيضاً بأن المهندس محلب يبذل كل ما هو فى إمكانه، ولكنها فى الأصل قضية دولة فى مستواها الأعلى.

هى قضية دولة، حتى إذا غادر الوزير كرسيه صباح غد، كنا على يقين، عندها، أن الوزير القادم من بعده لن يغير من الأمور شيئاً، وأن الخطة بالنسبة للتعليم ماضية فى طريقها، لأنها تعلو الوزير، أياً كان اسمه، وتعلو رئيس الحكومة، أياً كان وضعه!

إن كلام الدكتور أبوالنصر عن الـ65٪، وعن الـ35٪، وعن الكتب الدينية التى أرسلها للأزهر وللكنيسة، معناه أن ما يقوم بذلك كله لجنة من عنده هو، وإذا كان الأمر كذلك فلن يتغير شىء، والأيام بيننا، لأن التغيير الحقيقى فى مثل هذا الموضوع تحديداً يأتى بلجنة تشكلها رئاسة الدولة من خارج الكيانات الثلاثة: الأزهر، والتربية والتعليم، والتعليم العالى، فتمارس عملها مدفوعة بقوة الجهة التى شكلتها، ونضمن أن تكون موضوعية، وأن تكون محايدة، وأن تكون آراؤها ملزمة للجميع، دون أن يكون من حق أحد أن يغضب من رأيها، ولا أن يتململ، لأنها لجنة، والحال هكذا، سوف تمارس عملها، وأمام عينيها شىء محدد اسمه مصلحة الوطن العليا!

هذه هى الأصول فى عمل لجنة كهذه، لمهمة كالتى نريدها منها، إذا أردناها لجنة منتجة، ومنجزة، وإذا أردناها مهمة لها ناجحة.. أما أن تكون لجنة من داخل الوزارة، وأما أن تكون النسبة 65٪، ثم 35٪، ثم تروح الكتب للأزهر، والكنيسة، وتجىء من عندهما، فهذا مع تقديرى لكل نية حسنة، لن يؤدى إلى شىء، وبمعنى آخر لن يؤدى إلى ما نريده، ولا إلى ما نحن أشد الناس حاجة إليه!

القصة من مبتدئها إلى منتهاها ليست اختراعاً، وقد جربها آخرون من قبلنا، وكانت حصيلتها مضمونة بنسبة مائة فى المائة، وهى عبارة عن كلمة من سبعة أحرف: ا. ل. ت. ع. ل. ى. م!.. ولا شىء آخر غيرها!

القسم: 

هى 8 رسائل لك أنت يا سيادة الرئيس!

أسأل نفسى الآن، وبقوة: هل قرأ مسؤول يعنيه الأمر فى الدولة رسائل الدكتور محمود عمارة الخمس فى «المصرى اليوم»؟!.. وإذا كان أحد من مسؤولينا قد قرأها، فما الذى بالضبط فعله بعد أن قرأ؟!

الرسائل الخمس نشرها زميلنا «نيوتن» فى عموده اليومى، بعد أن كان قد بدأ قبلها بثلاثة أعمدة عن «جريمة عدم البناء على الأرض الزراعية».. فإذا بالدكتور عمارة يفتح زاوية النظر على أقصاها، ليتطلع منها هو، ونتطلع نحن معه، إلى الزراعة ككل، كملف شامل لا غنى لنا عن أن نأخذه بالجدية التى يجب أن يؤخذ بها.. والآن!

سألت نفسى، وبقوة: هل قرأ عادل البلتاجى، وزير الزراعة، ما جاء فى الرسائل الخمس، على خمسة أيام متوالية، وقد كانت كأنها رصاصات خمس، مركزة، ومكثفة، ومتجهة إلى هدفها من أقصر طريق؟!.. هل قرأها الوزير؟!

ثم قلت لنفسى إنه حتى لو كان قد قرأ كوزير، فإنه لن يستطيع أن يفعل شيئاً، لسببين أساسيين، أولهما أنه يعمل من خلال حزمة من القوانين، كان السابقون عليه كوزراء يعملون بها هى نفسها، ولا مجال لإنجاز حقيقى إلا بنسفها، أو بمعنى أدق «حرقها»، بتعبير الدكتور عمارة فى رسالته الأخيرة.. لا مجال فعلاً.. وإذا تصورنا نحن أن وزير الزراعة يمكن أن يقدم شيئاً مختلفاً بقوانينه الحالية، فنحن نضحك على أنفسنا، وإذا تصور هو فإنه يضحك كذلك على نفسه.. إنه النسف والحرق ولا شىء غيرهما، إذا كنا حقاً نريد أن نغير أو ننجز شيئاً على الأرض!

وأما السبب الثانى، الذى يجعل وزير زراعتنا عاجزاً عن فعل شىء، فهو ما كان قد قال به المهندس محلب نفسه، قبل شهرين من الآن، عندما صاح فى الصفحات الأولى من جرائدنا بأن الفساد فى «الزراعة» وصل إلى ما فوق الركب، وأن الوزارة لا تملك رؤية لعملها!

حين يقول رئيس الحكومة المسؤول هذا الكلام صراحة، فلابد أن ننتقل معه إلى مرحلة أعلى، ونخاطبه هو فيما كتبه الدكتور عمارة، وهى بالمناسبة رسائل خمس على طريقة 1+1=2، ولا مجال فيها للجدل، ولا للكلام الكثير.. إنها رسائل خمس تقول لنا بأبلغ بيان إننا إذا كنا نرغب فى تحقيق إنجاز على طريق الزراعة فهذا هو السبيل، وهذه هى الروشتة الجاهزة، والتى نستطيع أن نبدأ بها غداً، بل اليوم، وأكاد أقول أمس!.. وإذا كنا لا نريد فهذا موضوع آخر!

فكرت من جانبى أن أسأل المهندس محلب عما إذا كان قد قرأ، وإذا كان قد قرأ فماذا فعل؟!.. ثم اكتشفت أن الحكاية فى حاجة إلى «إرادة» أعلى من إرادة رئيس الحكومة، وأنه ليس أمامنا، بالتالى، إلا رئيس الدولة لنخاطبه، مع إقرارنا مسبقاً بأن عنده من الأحمال ما تنوء به طاقة أى بشر، غير أن هذا هو قدره، وهذا هو قدرنا معه، ولابد أن يعطى ما جاء فى الرسائل الخمس ولو عشر دقائق من وقته.. فقط عشر دقائق ليتبين له وهو يقرأ أن هناك شيئاً ما خطأ، وأن هذا الخطأ لا يمكن أن يستمر.. لا يمكن!

لا يمكن.. لأنه ليس معقولاً أن يكون نصيب الفرد عندنا من المياه سنوياً، 800 متر مكعب، فى مقابل 120 متراً للفرد فى الأردن، و200 متر فى إسرائيل، ثم يكون، رغم ذلك، إنتاجهما الزراعى، كل دولة على حدة، أعلى، وصادراتهما الزراعية، كل دولة على حدة أيضاً، أكبر.. لا يمكن!

لا يمكن لأنه ليس معقولاً أن نقذف بـ11 مليار متر مكعب من ماء النيل فى البحر المتوسط سنوياً، ثم نتكلم عن شُح فى المياه فى سيناء، أو فى غيرها!.. لا يمكن!

لا يمكن أن تكون دولة مثل بوركينا فاسو قد استطاعت فى 6 سنوات أن تكون الأولى أفريقياً فى إنتاج القطن، وأن تكتفى ذاتياً من الحبوب، وأن نستورد نحن.. نعم نحن الذين كنا ملوك القطن ذات يوم.. نستورد منها 40 ألف طن قطن سنوياً.. لا يمكن!

من أجل ذلك كله، أرى أن الأمر يتجاوز وزير الزراعة، ورئيس الحكومة، ويصل إلى رئيس الدولة، لأنه وحده.. نعم وحده.. الذى يستطيع أن ينسف وأن يحرق القوانين التى أصبحنا أسراها، وأن «يريد»، فـ«نريد» نحن من ورائه، بشكل مباشر، ودون السقوط فى التفاصيل!

رجاء.. اطلب الرسائل الخمس يا سيادة الرئيس، ومعها اطلب رسالتين لـ«نيوتن» عن جريمة عدم البناء على الأرض الزراعية، وحين تطالعها معاً سوف تعرف عندها فقط أن المسألة برمتها عندك أنت، لا عند الوزير، ولا عند رئيس الحكومة.. اطلبها يا سيادة الرئيس، وطالعها، لأنها لك أنت، وسوف تجد أن الهدف منها أن تنجح أنت، وأن ننجح نحن معك بالضرورة.. فلا بديل آخر أمامنا!

القسم: 

«الأوقاف» تقايض السلفيين على حساب البلد!

الأخبار المنشورة عن سماح وزارة الأوقاف للدكتور ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة السلفية، بالخطابة فى الناس، من فوق المنبر، تقول إن نوعاً من المقايضة قد جرى بينه من جانب، وبين الوزارة من جانب آخر!.. غير أن السؤال هو: مقايضة على حساب مَن؟!

فالخبر المنشور فى أكثر من صحيفة يقول إن «برهامى» قد تنازل عن مجمل القضايا التى كان قد رفعها ضد «الأوقاف»، وإنها فى المقابل قد أعطته تصريحاً بالخطابة، هو والدكتور يونس مخيون، رئيس حزب النور، بعد أن اجتازا، معاً، الامتحان الذى عقدته الوزارة لهما! واللافت فى الأخبار أن «مخيون» و«برهامى» قد تعهدا بعدم الحديث فى السياسة فوق المنبر، والالتزام بالخطبة الموحدة التى تقررها وزارة الأوقاف.

وبالطبع فإن الوزارة إذا كانت قد سمحت لهما فإنها لن تستطيع أن تمنع غيرهما، على مستوى زملائهما من الاتجاه نفسه، من الحصول على تصاريح بالخطابة يوم الجمعة!

ولست أفهم سر هذا التراجع، على مستوى الوزارة، أمام السلفيين بوجه عام، ثم أمام أسماء بعينها، من بين السلفيين، بوجه خاص!

ففى مجال السياسة، كان الإخوة السلفيون، ولايزالون، مصممين على أن يمسكوا الدولة من ذراعها التى توجعها، عندما يصرون على تذكيرها، وتذكيرنا نحن أيضاً معها، بأنهم شاركوا فى ثورة 30 يونيو، وأنهم كانوا موجودين فى اللقاء الذى صيغت فيه خريطة الطريق يوم 3 يوليو، وأنهم وأنهم...، إلى آخر ما يبدو منه أنه نوع من الابتزاز للدولة!

إننى أسميه ابتزازاً، لأنه كلما تكلم أحد عما إذا كان «النور» حزباً دينياً أم لا، خرج علينا أهل الحزب ليعيدوا تذكيرنا من جديد، بأنهم كانوا مشاركين فى الثورة على الإخوان، وكانوا طرفاً فى خريطة الطريق، وكانوا وكانوا... وكأن هذه مقابل تلك!.. وهو ما لا يجوز أن تقبله الدولة تحت أى ظرف، ليس لأننا نريد منها موقفاً متشدداً أو ظالماً ضد السلفيين، أو غيرهم، وإنما لأن للعمل السياسى قواعده التى يتعين أن يلتزم بها كل راغب فى ممارسته، فإذا التزم بها فأهلاً به وسهلاً، مع سائر القوى السياسية، سواء كان هو «النور» أو غيره، وإذا لم يلتزم فإن عليه أن يفارق الحياة السياسية، حتى ولو كان هو حزب الرئيس نفسه!

ثم إن «النور» إذا كان قد تواجد فى الثورة، أو فى أثناء صياغة خريطة الطريق، فإن المتصور أن وجوده فى الحالتين كان من أجل مبدأ عام، ومن أجل وطن، ومن أجل مصلحة بلد، وليس من أجل أن يقايض مشاركته أيامها، ووجوده فى صياغة الخريطة، بالسكوت لاحقاً عن مخالفته كحزب، لما يجب أن يكون الحزب السياسى عليه من التزام بالقواعد والقانون.

وما يقال فى السياسة يقال أخطر منه فى مجال الدعوة، لأن السماح لـ«برهامى» و«مخيون» وغيرهما بالعمل فى مجال الدعوة بشرط ألا يتكلموا فى السياسة، معناه أننا حتى الآن لا نريد أن ندرك أن العمل هنا، ومن فوق منابر المساجد تحديداً، أشد خطراً، لأنه من فوق أى منبر سوف يشكل لك، كدولة، عقولاً وقناعات لدى الناس، بأفكار لا يجب السماح لها بأن تقال، لا فوق المنبر ولا بعيداً عن المنبر!

إننى لا أعرف من هو الناصح الذى أفتى أيام زمان بأن على الإخوان - مثلاً - أن يتركوا العمل السياسى، وأن يتفرغوا للدعوة بين المواطنين؟!.. ولا أعرف كيف مشينا نحن جميعاً وراءه، ونحن نقول آمين، كأننا بلا عقول تميّز.. لقد تبين لنا، الآن، وبعد تجربتنا شديدة المرارة مع الجماعة الإخوانية أن الدعوة أخطر جداً من أن نتركها للذين يسممون من خلالها عقول المصريين، وأن الخطابة لها ناسها المؤهلون مسبقاً لذلك، والدارسون، والمتعلمون جيداً، بحيث يخاطبون حشود المصلين إذا خاطبوهم، بما يجب أن يقال لهم فى عام 2015، لا بما كان يقال لأجيال مضت من قرون، وفى ظروف مختلفة كل الاختلاف، ولا يليق أن يقال هذه الأيام!

مَن لم يتعلم من تجربة الإخوان، فى العمل السياسى والدعوى معاً، لن يتعلم من غيرها أبداً، كما أن مصلحة وطن بكامله أكبر من أن تكون محل مقايضة مع السلفيين أو غير السلفيين!

القسم: 

عز.. وموسى.. والفقى!

لو سألنى المهندس أحمد عز، كما سأل آخرين غيرى، لكنت قد دعوته إلى أن يبتعد عن خوض انتخابات البرلمان المقبل، وكنت سوف أقول له إن القانون إذا لم يكن يمنعه، فإن مواءمات السياسة يجب أن تستوقفه، ثم توقفه عن طرح اسمه فى دائرته!

والمؤكد، الآن، أنه قد درس الفكرة مع نفسه، وأنه حين سأل آخرين عن رأيهم، قد درس أيضاً آراءهم، وكلها تقريباً كانت تنصحه بالابتعاد، غير أن أى شخص يجد نفسه أمام أى نصيحة، فإنه يظل حراً فى أن يأخذ بها، أو لا يأخذ بها!

وقد كنت أتمنى لو أنه قرأ جيداً معنى ابتعاد رجل مثل عمرو موسى، عن طرح اسمه فى السباق الانتخابى، وكذلك كنت أحب لو أن عز قد أدرك معنى قرار الدكتور مصطفى الفقى، بألا يكون موجوداً فى سباق انتخابى، هذا هو شكله الهزلى الذى نراه، وهؤلاء هم مرشحوه فى غالبيتهم!

إنّ نأى موسى والفقى بنفسيهما كان أجدى بأن يجعل أى عاقل يتبعهما، وأظن أن لدى «عز» من العقل ما يؤهله لذلك، غير أنى لا أعرف ما هى حساباته، ولا ما هى تقديراته للأمور!

وقد كنت دوماً ضد حكاية أن يصدر قرار، أو قانون، بعزل هذا التيار، أو ذاك الشخص، بل كنت أتمنى لو أن الحزب الوطنى لايزال موجوداً الآن، ليخوض الانتخابات كحزب، فيهزمه حزب آخر على الساحة السياسية ويخرجه من السباق، فيفتش «الوطنى» عندئذ عن أخطائه، ويحاول التخلص منها، ويعود فى دورة انتخابية قادمة، وهو حزب مختلف.. وهكذا.. وهكذا.. فالأحزاب السياسية فى العالم لا يعزلها القضاء بأحكام، ولا تعزلها الحكومات بقرارات، وإنما يعزلها الناخبون حين ينفضون عنها لسوء أدائها!

قد لا نكون وصلنا سياسياً، بعد، إلى النضج السياسى الذى يؤهلنا لممارسة عملية مكتملة كهذه بين الأحزاب جميعاً، إلا أننا لن نصل إليها، إلا بالتجربة والخطأ، وإلا بالمعارك بين الأحزاب وبعضها البعض، لا بين الأحزاب والدولة أو الحكومة!

وربما تكون تجربة تونس، رغم أنها لاتزال وليدة، مثلاً يجب أن نتذكره دائماً، وكيف أن حركة «النهضة» الإسلامية هناك هى التى قاومت ورفضت أى قانون يعزل رجال زين العابدين بن على، وكان رأيها أن الناخب التونسى لديه من الوعى ما يجعله يعزل أى واحد منهم، إذا شاء.

تسألنى عن الناخب المصرى، فأقول لك، إنه مختلف بالطبع عن مثيله التونسى، وأن كيس السكر لايزال له تأثيره على الناخب عندنا، وأن علبة الزيت لايزال لها مفعولها، وأن العبرة هنا، تظل بوجود دولة بأجهزتها، قادرة على أن تقف بالإنفاق الانتخابى عند حده المعلن من اللجنة العليا للانتخابات، وبحزم وإرادة معاً!

إننا نريد أن نسمع هذه المرة عن أن فلاناً من المرشحين قد تجاوز سقف الإنفاق، وأنه قد تم شطب اسمه، أو أنه قد خضع لعقاب القانون، أياً كان اسمه، وأياً كانت دائرته.

إننى أستبعد تماماً أن يكون عز قد قرر خوض التجربة، من جديد، دون تنسيق من نوع ما مع الدولة، وبشكل من الأشكال، وأظن أنك حين تقارن بين خبرته هو فى إدارة العملية الانتخابية عموماً، وبين ما تراه من أداء مضحك وهزيل لكثيرين من المرشحين، سوف تكتشف أنك أمام رجل محترف، من جانبه هو، فى مواجهة مجموعة من الهواة على الجانب الآخر!

والقضية دائماً عندى، هى كالآتى: إما أنك، كحكومة، تثق فى الناخب، فتطرح عليه الشيطان نفسه فى أى سباق انتخابى، فيكون وعى هذا الناخب كفيلاً بالتعامل معه على النحو الصحيح، وإما أنك لا تثق فيه، فتعزل هذا، وتتخوف من ذاك، ويصيبك الذعر من «عز»، ثم يصيبك الفزع من مرشح آخر.. إلى آخره!

والمفاجأة أنى عندما كنت على وشك الانتهاء من هذه السطور، فى وقت مبكر من صباح أمس، جاءنى خبر يقول إنه تقرر استبعاد أحمد عز من الانتخابات، بسبب الحساب البنكى وإقرار الذمة المالية!

ولا أعرف من بالضبط هو صاحب قرار الاستبعاد، كما أنى لا أعرف ما إذا كان استبعاداً نهائياً، أم أن فيه استئنافاً، غير أن ما أعرفه أن مثل هذا القرار، أياً كان صاحبه، ربما يشير للمهندس عز، إلى صواب ما بدأت به سطورى هذه، ثم إننى أعرف كذلك أن الذين قاتلوا من أجل استبعاده لم يكونوا يفعلون ذلك لأنه رجل قوى إلى هذه الدرجة، وإنما لأنهم ضعفاء إلى حد يثير الإشفاق، وإلا لكانوا قد واجهوه فى ساحته وهزموه، إن استطاعوا، فهكذا تقول قواعد أى عملية انتخابية سوية!

القسم: 

«داعش» فى كل مدرسة!

الأمانة مع أنفسنا تقتضى منا أن نقول إننا إذا كنا نتجه إلى مواجهة حاسمة مع تنظيم «داعش» الإرهابى خارج حدودنا، فإننا لا نزال حتى هذه اللحظة نسكت عمن يُنتج أفكاره هى نفسها فى داخل حدودنا!

وما أقصده بداخل حدودنا هو ما يتعلمه طلابنا فى مناهج الدراسة، سواء فى داخل الأزهر، وعلى مستوى جامعته، أو خارج الأزهر فى كل مدرسة أو جامعة بامتداد البلد!

وإذا قال أحد بأنى أقول كلاماً مطلقاً فى عمومه، فإننى أرجو هذا الأحد أن يدلنى، ويدل غيرى، على الفارق بين تعليمنا الآن بمناهجه ومقرراته وبينه هو ذاته قبل أن تقوم فى البلد ثورتان!

أرجوه أن يدلنى، ويدل غيرى، لأن الثورة.. أى ثورة.. حين تقوم، فى أى بلد، فإنها لا تسعى إلى تغيير الجالسين على الكراسى فقط، وإنما تسعى بالأساس، إذا كانت ثورة حقاً، إلى أن تبدل فى مضمون حياة الناس، وهو الشىء الذى لا يبدو أن فيه أى تغيير، بأى درجة، إلى هذه الساعة!

وأرجوه كذلك أن نتذكر معاً كيف أن الرئيس وهو يخطب الشهر الماضى فى الأزهر، فى ذكرى المولد النبوى الشريف، قد راح يطالب بما يشبه الثورة فى داخله وكيف أنه أيضاً قد واجه الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، ورجاله معه، بأنهم مسؤولون أمام الله تعالى عما يطالبهم به، وأنه سوف يحاججهم يوم القيامة بما طالبهم بأن يبادروا إليه وأن يفعلوه، وألا يتباطأوا عنه تحت أى ظرف!

إننى أثق فى الإمام الأكبر، كشخص، ثقة كاملة، وأثق فى أن عقله هو العقل الذى يجب أن يكون على رأس هذه المؤسسة العريقة، فى مثل ظروفنا هذه، غير أنى لا أزال أرى، وأظن أن كثيرين غيرى يرون أن هناك مسافة بعيدة جداً بين أفكار الإمام الأكبر وقناعاته ورؤاه المنفتحة والمستنيرة، وبين أفكار وقناعات ورؤى المؤسسة كلها!

وقد كنت أتوقع من الرئيس، حين خطب هناك، أن يبادر هو فيطلب من الإمام الأكبر تشكيل لجنة محل ثقة من خارج الأزهر، تكون لها مهمة واحدة ووحيدة، هى أن تراجع مقررات مدارس ومعاهد وجامعة الأزهر، كتاباً كتاباً، وورقة ورقة، وأن يوضع لذلك سقف زمنى لا تتعداه بساعة واحدة، وأن يقال للناس عند نهاية عملها إنها قد استبقت كذا فى المناهج والمقررات، وقد استبعدت كذا، وإنه قد آن لكل مصرى أن يطمئن إلى أن أزهره الشريف يقدم لطلابه، فى كل مرحلة، ما يتعين أن يقدمه فعلاً.

ثم كنت أتوقع أن يطلب الرئيس تشكيل لجنة مماثلة، من خارج وزارة التربية والتعليم، لتقوم بالمهمة ذاتها، خارج الأزهر، وعلى مستوى مدارسنا كلها، بحيث لا يبقى كتاب واحد، فى أى مرحلة دراسية، إلا ويخضع لقراءة دقيقة، من جانب أعضائها، ومن الغلاف إلى الغلاف، وبالتوازى.. تكون هناك لجنة ثالثة من خارج الجامعات تنهض بمهمتها على مستوى جامعاتنا كلها، من أول جامعة القاهرة، وصولاً إلى أحدث جامعة ناشئة.

إننى أخشى أن يقال إن ما نبذله، نحن كدولة، فى مواجهة إرهاب داعش، وغير داعش، عسكرياً، وسياسياً، ودبلوماسياً، يتولى تعليمنا القائم حالياً هدمه أولاً بأول، لا لشىء، إلا لأن ما نقاومه هناك على هذه المستويات الثلاثة يجد بيئة مناسبة، بل حاضنة له فى مدارسنا وجامعاتنا!

وما لم تكن هناك مراجعة شاملة من نوع ما أشرت إليه لكل صفحة من أى منهج فى يد أى طالب أو تلميذ، فإن ما تنفقه الدولة سنوياً على تعليمها سوف ينتج لها عكس ما تريد، وسوف تكتشف هى فى لحظة أنها تصرف من جيبها لتخريج طلاب إن لم ينضموا إلى «داعش» فإنهم يؤمنون بأفكاره!

السلطة فى دولة قامت فيها ثورتان، مرة أخرى، عليها أن تكون أذكى من أن تظل تنفق على تدريس أفكار الإرهاب فى مدارسها وجامعاتها، من جيبها، وهى لا تدرى.. أو ربما وهى تدرى!

القسم: 

إلى الإخوة في الخليج

مساء أمس الأول، صدر بيان عن السيد عبداللطيف الزيانى، أمين عام مجلس التعاون الخليجى، الذى يضم فى عضويته ست دول هى: السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، عمان، قطر.

البيان كان يقول إن المجلس يرفض اتهامات القاهرة للدوحة، بأنها تدعم الإرهاب!

وكانت هذه الاتهامات، قد صدرت مسبقاً، من جانب مندوب مصر فى الجامعة العربية، عندما اجتمعت الجامعة، على مستوى المندوبين، فى أعقاب الضربة الجوية التى وجهناها إلى معسكرات تنظيم «داعش» الإرهابى فى ليبيا.

فى الاجتماع راح مندوب قطر يتحفظ على الإقرار بحق مصر فى ضرب دواعش ليبيا، فكان رد مندوبنا التلقائى، أن هذا يضع قطر فى معسكر دعم الإرهاب، لا معسكر مقاومته، ولا مكافحته، ولا العمل بجد فى اتجاه القضاء عليه.

وبالتوازى مع بيان «التعاون الخليجى» كانت قطر قد سحبت سفيرها من عندنا، للتشاور.. وهى العبارة التقليدية التى تقال، دبلوماسياً، عند سحب أى سفير، من أى عاصمة!

ولكن غير المفهوم، إلى الآن، أن وكالة أنباء البحرين، قد بثت أخباراً فى وقت متأخر من مساء أمس الأول، أى بعد بيان السيد الزيانى بساعات، وقالت فيه إنه كأمين عام لمجلس التعاون الخليجى، ينفى الكلام المنسوب إليه، وإنه يؤكد دعم دول الخليج جميعاً لمصر، فى معركتها وضرباتها ضد الإرهاب!

ولابد أن الذين تابعوا البيان، ثم النفى الصادر من بعده، قد وقعوا فى حيرة بالغة، ولم يعودوا يعرفون أين النفى من البيان، ولا أين الخطأ من الصواب فيهما، ولا أيهما بالضبط يصدقون!

أريد من ناحيتى أن أتوقف عند نقطتين اثنتين، أولاهما أنى كنت أتمنى لو أن السيد الزيانى، قد ناقش اتهام السفير طارق عادل، مندوبنا فى الجامعة، لقطر، قبل أن يرفضه أو يقبله، ولو كان قد فعل ذلك، لكان قد اكتشف، أن مندوبنا لم يذهب بعيداً، ولم يخالف حقيقة، ولم يبالغ، عندما وصف الدوحة بأنها تدعم الإرهاب!

لماذا؟!.. تعالوا نفترض أن دولة أخرى، بخلاف قطر، هى التى تحفظت على حق مصر، فى توجيه ضربات ضد الإرهاب بشكل عام، وضد داعش بشكل خاص.. تعالوا نفترض هذا نظرياً، ثم نسأل عندئذ، السؤال الآتى: أين بالضبط يكون موقع هذه الدولة المتحفظة فى مثل هذه الحالة؟!.. وما هو على وجه التحديد، المربع الذى تقف فيه، والحال هكذا؟!

دولة تتحفظ على حقنا فى ضرب الإرهاب.. أين تقف؟!.. الإجابة أتركها لك، ثم أتركها أيضاً للسيد الزيانى، لو أنه طرح السؤال ذاته على نفسه؟!

النقطة الثانية، هى أننى أرجو من أعماق قلبى، لو أن الإخوة فى الخليج عموماً، قد انتبهوا إلى أن مصر، وهى تواجه الإرهاب عموماً، وإرهاب داعش خصوصاً، لا تحارب معركتها وحدها، لسبب بسيط جداً، هو أن الإرهاب لا يستهدفها وحدها كذلك، وإنما يستهدف كل دولة عربية من ورائها، ويريد فى صورتها هى أن يضرب كل عاصمة عربية، دون استثناء، ولو أنه نجح فى ضرب المحروسة، لا قدر الله، وهو ما لن يكون بإذن الله، وبإرادة هذا الشعب، لأنه لم يحدث فى التاريخ كله أن انتصر إرهاب على دولة، فسوف يستدير عندئذ، إلى كل عاصمة عربية، دون أن يستثنى منها أى عاصمة.. أى عاصمة!

ثم أرجو من أعماق قلبى أيضاً، لو أن الإخوة فى الخليج قد تذكروا الآن، كيف أن الإخوان عندما وصلوا إلى حكم مصر، كانوا يتكلمون علناً، لا سراً، عن أنهم يريدون الخليج من بعد مصر، للإنفاق على مشروع الخلافة إياه!

هذا كلام ثابت، ومنشور، ومعلن فى وقته، ويستطيع من يحب، أن يعود إليه، ليصل إلى حقيقة لابد أن تكون محفورة فى ذهن كل مصرى، وكل عربى من ورائه، وهى أن القاهرة لا تحارب معركتها وحدها، وإنما تحاربها كمعركة، بالأصالة عن نفسها، وبالنيابة عن أشقائها العرب، وأن قطر إذا كانت تدعم الإرهاب، اليوم، وهى تدعمه إعلامياً وسياسياً على الأقل، فإن عليها أن تنتبه قبل فوات الأوان، إلى أنها ستدفع ثمن ذلك كله ذات يوم.. ستدفعه.. لأنه لا شىء فى هذا العالم بلا ثمن!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: حتى ولو كان بينهما مرمى حجر!

 

بدا واضحاً للجميع، مساء أمس الأول، أن مصر أدارت معركة ممتازة فى مجلس الأمن، حول الوضع فى ليبيا، ثم بدا على نحو أوضح أن القاهرة، حين أطلقت دعوة إلى تشكيل تحالف دولى ضد الإرهاب على الأرض الليبية، كانت تعرف مسبقاً حدود الاستجابة لدعوتها، دولياً، ولذلك فهى لم تكن تريد ولا تتوقع أن يتشكل التحالف الذى دعت إليه فى يوم وليلة، ولا حتى فى يوم وسنة، ولكنها بالأساس كانت ترغب قاصدة فى أن تضع كل طرف دولى أمام مسؤوليته على نحو مباشر، ودون لف ولا دوران!

 

يكفينا، الآن، أن يكون العالم كله قد رأى بعينيه، إذا كان حقاً يريد أن يرى، أن مصر هى أول من أشار إلى خطر الإرهاب فى ليبيا، بصوت أسمع أرجاء الأرض، ثم يكفينا أن يكون كل حر فى هذا العالم قد رأى بعينيه أيضاً أن مصر لم تطلب عوناً من أحد، حين قررت أن تدافع عن حدودها، وأن تثأر لأولادها، وأنها قد ذهبت إلى ذلك من أقصر طريق، وبسواعدها هى لا سواعد غيرها، وأنها عازمة على أن تمضى فى هذا الطريق إلى نهايته، أياً كان الثمن، لا لشىء إلا لأنها تتبنى قضية، ولأن قضيتها عادلة، ولأن القانون الدولى يسعفها فيما تفعله.

 

هذا كله لابد من تسجيله، حتى إذا حانت لحظة الجد تبين لكل ذى عينين وقتها أن هناك مَن تصدى للإرهاب بجدية، وعزيمة، وقوة، وأن هناك مَن تراجع، وتخاذل، وراح يساوم!

 

وحسناً فعلت الخارجية المصرية، عندما صدر عنها بسرعة ما يفيد دون التباس بأن مصر ليست ضد الحل السياسى فى ليبيا، كما قد يروج الذين أحبوا الاصطياد فى الماء العكر.. غير أنه لابد أن نشرح للناس ماذا يعنى الحل السياسى بالضبط، خصوصاً أن حلاً من هذا النوع كان محوراً لبيان صدر عن الولايات المتحدة، وعدد من دول أوروبا، هى: بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا.

 

الحل السياسى الذى تبناه البيان ودعا إليه كان مبهماً، ولم يكن يحمل أى معنى محدد بين طيات كلامه، ولكن مصر، فى المقابل، قالت وتقول بأننا نوافق على الحل السياسى، بل ندعمه، بشرط أن يكون واضحاً للجميع أن هذا الحل يبدأ بدعم الحكومة الشرعية بقيادة عبدالله الثنى، فى طبرق، وهى حكومة يتمسك بها الليبيون أنفسهم، ويمر بدعم البرلمان المنتخب بأصوات الليبيين أنفسهم كذلك، ثم ينتهى برفع الحظر عن تسليح الجيش الليبى الوطنى، وفى كل أحواله، فإن أى حل سياسى لا يمكن أن يساوى بين ميليشيات إرهاب ترفع السلاح دون وجه حق، على الأرض الليبية، وبين حكومة شرعية، وبرلمان شرعى، وجيش وطنى، هى كلها، كمؤسسات ثلاث، لها وحدها الحق فى أن ترفع السلاح، وأن تستخدمه، إقراراً لأركان الدولة الليبية، وتدعيماً لكيانها، ودفاعاً عن فرض قواعد القانون والنظام العام.

 

والآن.. فإن ليبيا يجب أن تظل قضية مصرية- عربية، لسببين أساسيين: أولهما أن ما يجرى على أرضها حالياً هو حصيلة مباشرة لتحويلها فى البداية إلى قضية دولية على يد حلف «الناتو» ودول الغرب عموماً، فما نعاينه بأعيننا على أرضها، فى هذه الساعة، هو ثمرة لتركها عند سقوط نظام القذافى فى أيدى عواصم غربية، كان كل هدفها هو هدم نظام العقيد، دون أن تضع تلك العواصم أى حساب لأن وراء نظام العقيد دولة لابد أن تقوم.

 

والسبب الثانى، أن الإرهاب على أرضها يستهدفنا مصرياً وعربياً، قبل أن يستهدف دول الغرب على الشاطئ الآخر من البحر المتوسط، حتى ولو كان ما بين الشاطئين لا يزيد على مرمى حجر!

 

وأتصور أن يسارع الرئيس بجولة مكوكية، من أجل هذا الهدف، تشمل: السعودية، والأردن، والكويت، والإمارات، والبحرين، لأن هناك فارقاً كبيراً بين أن تتكلم دولة بمفردها، وبين أن يكون الكلام لغة مشتركة لست دول.. ومن الجائز أن تنضم دول أخرى لاحقاً، عربية وأفريقية، لأن الإرهاب الذى نراه لا يفرق ولا يختار ضحاياه.

القسم: 

سليمان جودة يكتب: درس الأباتشى المزدوج!

 

أتصور أن هناك علاقة من نوع ما بين الـ24 طائرة «رافال» المقاتلة الفرنسية التى جرى توقيع عقد توريدها لنا، الاثنين الماضى، وقصة طائرات الأباتشى الأمريكية، التى كانت حديث الناس طول العام الماضى!

 

وإذا أردنا أن نتكلم بلغة أهل المنطق، فإن الأباتشى كانت هى المقدمات، كما أن الـ«رافال» كانت هى النتائج التى تقوم على مقدماتها!

 

والقصة من بدايتها أن القاهرة كانت فيما بعد 30 يونيو 2013 قد أرسلت عدة طائرات أباتشى إلى الولايات المتحدة، بهدف إجراء بعض عمليات الصيانة المطلوبة.

 

إلى هنا يبدو الأمر عادياً، ليصبح على أغرب ما يكون حين راحت الإدارة الأمريكية، فى مرحلة لاحقة، تساوم فى إعادة الطائرات إلينا، وكانت فى كل مرة تطلب القاهرة عودة طائراتها إليها ترد تلك الإدارة وتقول: غداً!.. فإذا جاء الغد قالت من جديد: غداً.. وهكذا بامتداد عام كامل، وربما لأكثر من عام!

 

وكانت القصة على بعضها فى غاية الغرابة، لأننا فى مصر لم نكن نطلب توريد أو شراء طائرات جديدة، بحيث يكون من حق الذى يبيع أو يورد أن يرفض أو يقبل، وإنما كنا نطلب عودة طائرات نملكها إلينا بعد أن أنهت عمليات الصيانة هناك!

 

ولم يكن خافياً على أحد أن واشنطن فى غمرة تعاطفها الأعمى مع جماعة إخوانية إرهابية قد قررت أن تستخدم الطائرات كورقة تساومنا بها دون أى حياء، إذا كان للحياء مكان فى السياسة!

 

وكان كل متابع للقصة وتطوراتها يدرك أن الطائرات يمكن أن تكون على أرضنا، وفى قواعدها خلال 24 ساعة، إذا ما استجابت القاهرة لضغوطهم فى اتجاه منح موطئ قدم للجماعة الإخوانية فى الحياة السياسية.. فقد كان هذا هو كل ما يهمهم، وكانوا مستعدين فى الولايات المتحدة لإعطائنا ما نريد وما نحب، بشرط أن يكون للإخوان أى مساحة فى خريطة السياسة فى البلد، وبالطبع فإن ذلك كان لأهداف ليست بريئة بالمرة!

 

وكانت الإدارة الأمريكية نفسها هى من نسيت، أو تناست، أن موطئ القدم هذا الذى كانت تقاتل من أجله، ولاتزال، كان متاحاً للإخوان، شأنهم شأن غيرهم يوم إعلان خريطة الطريق فى 3 يوليو 2013، عندما تلقى سعد الكتاتنى، رئيس حزب «الحرية والعدالة» الإخوانى وقتها، دعوة لحضور اجتماع صياغة الخريطة، غير أنه رفض، ثم إنه لم يرفض وفقط، وإنما اختار هو وجماعته إعلان الحرب على المصريين، منذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا!

 

كانت إدارة أوباما تتناسى هذا كله، ثم تساوم على ما كانت القاهرة تعلن فى كل لحظة بوضوح كامل أنه ليس محل مساومة فى الحاضر، ولن يكون فى المستقبل!

 

وكانت القصة فى جانب آخر منها تكشف عدم جدية الإدارة الأمريكية فى مقاومة الإرهاب، وكيف أنها تقول الشىء فى هذا الاتجاه، ثم تفعل عكسه على طول الخط!

 

وإلا.. فما معنى أنها كانت فى كل مناسبة تؤكد أنها تدعمنا فى حربنا ضد الإرهاب، ثم فى الوقت ذاته تمنع عنا طائراتنا التى هى فى الأساس طائرات مهاجمة لأوكار الإرهاب، فى سيناء على وجه الخصوص، بل ومتخصصة فى مهاجمة مثل هذه الأوكار؟!

 

منذ تلك اللحظة أظن أن صانع القرار قد أدرك أن الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها فى توريد أو إتاحة السلاح الذى نريده ونحتاجه مسألة خطرة، وأنه لابد من البحث عن مورد آخر، فكانت زيارة الرئيس لروسيا، ثم زيارة «بوتين» لنا، ثم البحث أيضاً عن مورد ثالث، فكانت صفقة «رافال» الشهيرة!

 

وأتصور أكثر أنه لم يكن درساً لنا، فى القاهرة فقط، وإنما كان درساً لهم فى الولايات المتحدة بالدرجة نفسها!

 

كان درساً مزدوجاً، وواصلاً إلى الطرفين، سواء بسواء!.. وكانت الحكاية فى مجملها موحية بشتى المعانى!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: للفقراء بنك فى ذمة محلب!

 

بشكل أو بآخر، يبقى ذنب الـ21 مصرياً الذين نحرهم «داعش» فى ليبيا معلقاً فى رقبة مسؤولين بيننا، لم يعملوا بما يكفى فى اتجاه توفير فرصة عمل لهم، فلم يكن أمامهم ولا أمام غيرهم، ممن هم فى مثل ظروفهم، إلا أن يدفعوا حياتهم ثمناً للبحث عن فرصة عمل!

 

مثلاً.. جاء محمد يونس، صاحب بنك الفقراء الشهير فى بنجلاديش، إلى بلدنا هذا الأسبوع، مبشراً من جديد بفكرة البنك الذى أسسه هو، ونال عن فكرته جائزة نوبل.

 

وحين حضر المهندس إبراهيم محلب، رئيس مجلس الوزراء، مؤتمر مؤسسة الأهرام، الذى حضره يونس، قال رئيس وزرائنا إن حكومته تدرس فكرة إنشاء بنك فقراء عندنا.

 

ولست أرجو من رئيس الحكومة شيئاً سوى أن يكون موقفه من الفكرة مختلفاً عن موقف رؤساء حكومات كثيرين سبقوه، منذ أوائل التسعينيات إلى اليوم، ولم يكن هناك تفسير لموقفهم الهارب دوماً من الأخذ بالفكرة سوى أنهم يرون أنه لا فقر ولا فقراء عندنا، وأن على أصحاب الفكرة الأساسيين أن يبحثوا عن بلد آخر يكون فيه فقر، ويكون فيه فقراء!.. ولا أعتقد أن رئيس حكومتنا يرى هذا!

 

وقبل أيام، كنت قد تلقيت رسالة من الدكتور حافظ الغندور، نقيب التجاريين بالقاهرة، يروى فيها مشواره الطويل مع الفكرة، منذ كان عضواً فى مجلس إدارة البنك الأهلى، مع المصرفى الكبير محمود عبدالعزيز، شفاه الله، ثم إلى أن صار نقيباً للتجاريين، وفى الحالتين، حالة البنك، وحالة النقابة، كان يجاهد من أجل أن ترى الفكرة النور، ولكن مسؤولينا الذين يعنيهم الأمر كانوا يتعاملون معها على أنها شىء لا يلزمنا، ولا نحتاجه!

 

إننى أتصور أن يكون المهندس محلب جاداً فيما قاله عن أن الفكرة موضع دراسة جادة أيضاً، وبما أن الأمر كذلك فإننى أتخيل أن يستدعى هو الدكتور حافظ الغندور، وأن يسمع منه لعشر دقائق ماذا قطعنا من قبل، فى اتجاه تجسيد البنك على أرضنا، وماذا علينا أن نفعل الآن ليكتمل الموضوع.

 

أتخيل أن يبادر رئيس وزرائنا بخطوة كهذه من جانبه، حتى لا نبدأ من الصفر، وحتى نبنى معه، ويبنى هو، على كل الجهود السابقة فنختصر الوقت، إذ لا وقت عندنا نضيعه.

 

من جانبى، أعرف من زمان أن الأمير طلال بن عبدالعزيز، رئيس برنامج الخليج العربى للتنمية «أجفند»، قد حاول مراراً أن تكون القاهرة تحديداً هى صاحبة أول بنك للفقراء، من سلسلة البنوك التى أنشأها برنامجه فى منطقتنا، وحول العالم، لولا أن مسؤولينا كانوا باستمرار يتعاملون مع الموضوع بطريقة أقل ما توصف به أنها طريقة غير جادة، وغير مسؤولة، فكانت النتيجة أن الأمير طلال قد راح ينشئ بنكاً وراء بنك للفقراء، فى الأردن تارة، وفى البحرين تارة أخرى، وفى الفلبين تارة ثالثة، ثم فى المغرب مؤخراً، ونحن نتفرج، أو نهرب.. لا فرق!

 

ولقد سألت الأمير طلال، ذات يوم، عما يريده من وراء بنوك الفقراء فى المنطقة، وفى العالم، فقال إنه يريد أولاً تمكين المرأة الفقيرة، ويريد ثانياً إدماج الفقراء فى عملية التنمية، ويريد ثالثاً مواجهة وجوه الخلل الاقتصادى والاجتماعى المختلفة، بحلول عملية، ومنجزة، وواقعية.

 

وأظن أن كل بنك من بنوكه، التى بلغ عددها 11 بنكاً حتى اليوم، قد ذهبت إلى تحقيق هذه الأهداف الثلاثة من أقصر طريق.

 

وإذا كان الدكتور يونس قد جاء يبشر بفكرته بيننا، للمرة الألف ربما، فالأمير طلال كان قد سبق بتعريبها، وتطويعها عربياً، ولابد أنه أقرب إلينا، كما لابد أنه صادق النية تماماً فى أن يقدم شيئاً لمصر التى عاش فيها سنين طويلة من عمره، ولا يكاد يغادرها حتى يعود إليها.

 

إننى أشعر من كلام المهندس محلب بأنه مقتنع بالفكرة، ولذلك أدعوه إلى أن يحوِّل اقتناعه إلى فعل، وبسرعة، وألا يضيع وقتاً، وأن يمد يده، من خلال بنك هذه هى أهدافه وطبيعته، إلى كثيرين من فقرائنا، يتطلعون إليه فى كل صباح، لعله يمنحهم الأمل فى حياة أفضل، ولعله ينقذهم من الموت فى بلاد الله، سعياً وراء هذا الأمل!

القسم: 

سليمان جودة يكتب: ضربة الجيش تحمل رسالتين

 

فى يناير من العام الماضى، أى قبل أكثر من 12 شهراً، كتبت فى هذا المكان، منبهاً إلى خطورة ما صدر عن محمود جبريل، رئيس وزراء ليبيا الأسبق.

 

وكان «جبريل» قد أجرى حواراً صحفياً ممتداً، على عدة أيام، فى صحيفة «الحياة» التى تصدر فى لندن، وفيه قال كلاماً خطيراً، أشرت أنا إلى الأخطر منه، فى حينه.

 

وكان هذا «الأخطر» يدور حول نقطتين لا ثالث لهما، أولاهما أن هناك من يتصور أن فى إمكانه استعادة مصر عن طريق ليبيا، والنقطة الثانية أن هناك أطرافاً إقليمية فى المنطقة تساعد الإرهاب على الأرض الليبية، وتغذيه، وتموله، ولم يجد رئيس الوزراء الليبى أى حرج فى أن يسمى تلك الأطراف بأسمائها!

 

ولم يكن الرجل، وهو يتكلم عمن يتصورون استعادة مصر، عن طريق ليبيا، يخاطب نفسه، ولكنه كان يوجه «رسالة» إلى الدولة المصرية، فى أعلى مستوياتها، وبكل أجهزتها المعنية، لعلها جميعاً تنتبه، ثم تتصرف.

 

والمؤكد أن ما قال به جبريل، قبل أكثر من عام، قد وصل إلى الذين يعنيهم الأمر من بين مسؤولينا، ثم إن المؤكد كذلك أن ليبيا، بكل مساحتها الشاسعة، وبكل حدودها الممتدة لسبعة آلاف كيلومتر، والمشتركة مع ست دول، كانت تحت العين المصرية، طوال هذه الفترة.

 

إن ليبيا تشترك فى حدودها مع تونس، والجزائر، والنيجر، وتشاد، والسودان، ثم معنا، وقبل ذلك وبعده، فإن لها شاطئاً على البحر المتوسط، يمتد لأكثر من ألف كيلومتر، ولابد أن مساحة بهذا الطول والعرض الهائلين، كانت ولاتزال مغرية للإرهاب فى المنطقة.

 

وحين قرر الجيش المصرى، فجر أمس، توجيه ضربة مركزة، لعدد من معسكرات تنظيم «داعش» الإرهابى على الأرض الليبية، فلابد أنه كان يوجهها، بعد أن درس جيداً، إلى أين، بالضبط، سوف يضرب، وماذا يريد أن يحقق من وراء ضربته، وكيف يضمن أن ينجح فيما يهدف إليه.. لابد أن هذا كله، كان مدروساً منذ وقت مبكر، ومنذ أن حذرنا محمود جبريل، بل ومنذ ما قبل تحذير جبريل.

 

ولست أظن أن فيديو إعدام 21 مصرياً، الذى جرت إذاعته قبل الضربة بساعات، كان هو السبب الأساسى وراءها، صحيح أن كل مصرى قد حزن من أعماق قلبه، لما أصاب المصريين الواحد والعشرين، وصحيح أننا كلنا كنا نأمل أن يعودوا جميعاً سالمين إلى عائلاتهم، وصحيح أن الفيديو كان صادماً، وموجعاً، غير أن الأصح من ذلك كله أن ضربة من نوع ما حدث، كان لابد منها، بسبب الفيديو، أو بغير سببه، وأنه كان يجرى الإعداد لها، وربما لضربات أخرى من بعدها، منذ أن أطلق «جبريل» تحذيره، ومنذ ما قبل تحذيره، لأن أى عاقل لابد أن يدرك أن ليبيا بمساحتها، وبطبيعة الأحداث الحالية على أرضها، تظل مغرية لكل الذين يحاولون إلحاق الأذى بنا، وتظل مغرية للإخوان، وغير الإخوان، ممن يمارسون أفدح أنواع العنف، ويحرضّون عليه، داخل بلدنا، وخارجه بالسواء.

 

تبقى نقطتان: أولاهما أن الذين أقدموا على إعدام المصريين الواحد والعشرين، سوف يذوقون طعم ما فعلوه، وسوف يذيقهم الجيش من الكأس نفسها، وسوف يعرفون، الآن، أن محاولة اللعب على حدود مصر الغربية، ليست كأى محاولة أخرى، وأن ما جرى منهم له ثمن سوف يدفعونه واحداً واحداً بالضرورة.

 

والنقطة الثانية أن فيديو الواحد والعشرين مواطناً مصرياً، وما قبله على أرض ليبيا، وما بعده، يقطع بصواب الرؤية التى طرحتها القاهرة، فى مؤتمر جدة الذى أطلق تحالفاً دولياً ضد إرهاب «داعش» فى سوريا، وفى العراق.

 

وقتها، قالت مصر بكل وضوح إن الإرهاب ليس إرهاب داعش فى سوريا والعراق، وفقط، وإن هناك إرهاباً آخر يمارسه الإخوان ضد المصريين، داخل بلدهم، ولابد من إدانته دولياً، وإن هناك إرهاباً ثالثاً لداعش نفسه فى ليبيا، وإن الإرهاب على بعضه إنما هو كل لا يتجزأ، لمن أراد أن يقاومه حقاً، ويقضى عليه فعلاً، لا أن يفتح عليه عيناً هنا، ثم يغلق عينه الأخرى عنه هناك!

 

الإرهاب إرهاب، وهو كالكفر، ملة واحدة، والذين يقاومونه دولياً وأمريكياً، بانتقائية مكشوفة، اليوم، سوف يكتشفون يوماً، أنهم مخطئون، وأن عليهم ألا يفرّقوا بين هذا، وذاك، من صنوف الإرهاب، ولكن يبدو أن ذلك سوف يكون بعد أن يصل إليهم هم، كما تنبأ لهم الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يرحمه الله.

 

وفى كل الأحوال، فإن ضربة الجيش تحمل رسالتين: أولاهما أن تحذير «جبريل» قد وصل فى وقته، والثانية أن الذين تصوروا أن ليبيا يمكن أن تكون طريقاً إلى القاهرة قد أخطأوا العنوان.

القسم: